بسم الله الرحمن الرحيم

إهــــداء

يسعدني ويشرفني أن أهدي هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة إلى جميع المخلصين الأوفياء من أبناء هذا الوطن العزيز، الصغير بحجمه، الكبير بأمانيه وتطلعاته البناءة.. وأهدافه النبيلة، وإلى كل الساعين إلى خدمته والحفاظ على عزته وكرامته، وعلى رأس الجميع حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح وسمو ولي عهده الأمين، الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، حفظهما الله وحفظ الكويت من كل سوء ومكروه.

المقدمـــة

قد تمر على كثير من الناس أمور وحوادث لها أهمية تاريخية ذات شأن سواء بالنسبة للأفراد أو الجماعات، وحتى البلاد، قد يراها البعض في وقتها أنها أحداث عادية لا تستحق الاهتمام ولكن سرعان ما تأخذ تلك الأحداث مكانتها من الأهمية مع مرور الزمن لا سيما عند طبقة الباحثين والدارسين المهتمين بتسجيل الأحداث ومتابعتها، والأمثال على ذلك كثيرة.

ومن هنا تبرز أهمية التدوين وتسجيل تلك الأمور بأوقاتها، أو بعد فترة طبقاً للظروف وطبيعة تلك الأحداث، وكلما توسعت مدارك الإنسان واقترب من مرحلة النضوج الفكري والحضاري تزايدت عنده الرغبة في الاطلاع على خفايا الماضي، وإذا كان التاريخ يعيد نفسه كما يقولون فما أحوجنا إذن للسعي وراء معرفة ذلك التاريخ واستخلاص العبر منه.

لقد ظهرت عندي الرغبة والاهتمام بدروس التاريخ في المراحل الأولى من أيام دراستي في مدارس البصرة حيث كانوا يدرسوننا التاريخ العرب قبل الإسلام وبعده وأذكر جيداً كيف كان الأستاذ يشرح لنا تفاصيل ثورة الشريف حسين بن علي ضد الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى وكان التركيز على هذا الموضوع واضحاً حيث إن الملك فيصل الأول بن الحسين كان ملكاً على العراق في ذلك الوقت، ولهذا أعطى موضوع الثورة أهمية خاصة تمشياً مع سياسة الحكم الهاشمي في العراق وأذكر أني في أحد الامتحانات كتبت عن هذا الموضوع أربع صفحات من الحجم الكبير وحصلت على درجة عالية وكان عمري في ذلك الوقت لا يتجاوز الثالثة عشرة.

وعلى العموم لقد كانت في العراق في منتصف العشرينات صحوة عربية عجيبة جاءت كردة فعل للحكم التركي الذي دام قرابة أربعة قرون، حيث كانت الأناشيد العربية الحماسية التي نظمها شعراء عرب أمثال الرصافي وكنا نرددها صباح مساء كما كنا نقرأ عن مساوئ الحكم التركي وعن جمال باشا السفاح الذي أعدم أحرار سوريا ولبنان، والأشعار التي قيلت في رثائهم. كما أذكر ما كان يحدثنا به الأساتذة عن الحركة الصهيونية ووعد بلفور وأخبار المظاهرة، التي سارت في بغداد في ذلك الوقت بمناسبة الهجرة الصهيونية ووعد بلفور والتي سار في مقدمتها شابان أحدهما عراقي اسمه يوسف زينل والثاني لبناني واسمه محيي الدين النصولي وهو من عائلة معروفة في بيروت وأظنه كان مدرساً في إحدى مدارس بغداد. وقد اعتقلت الشرطة بعض المتظاهرين ومن بينهم هذان الشابان ونفتهم إلى الفاو في جنوب البصرة. ولا شك أن ذلك الاعتقال والنفي كان بوحي من السلطات البريطانية (لقد وقعت تلك الحوادث في عام 1927 عندما كان العراق تحت الانتداب البريطاني الذي استمر حتى عام 1932 عندما أصبح العراق عضواً في عصبة الأمم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى والتي حلت محلها هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية).

وكما كانت هناك نهضة عربية فقد كانت هناك أيضاً صحوة تحرر ورغبة في حكم ديمقراطي، وكان الملك فيصل يعتبر ملكاً دستورياً، لذا كان هناك مجلس نيابي وكان النواب فيه ينتخبون انتخاباً على النظام الثانوي بالنظر لظروف العراق في ذلك الوقت. ومع أن غالبية النواب كانوا من رؤساء العشائر وأصحاب النفوذ إلا أنه كانت في البرلمان معارضة قوية يتزعمها رجال اتصفوا بالنزاهة وكانوا على مستوى عال من الثقافة والنضوج، أمثال ياسين الهاشمي وجعفر أبو التمن وتوفيق السويدي وغيرهم.

ومن الغريب أن بعض التقارير البريطانية في تلك الأيام كانت تشير إلى أن الملك فيصل كان يشجع المعارضة لاستخلاص ما يمكن الحصول عليه من السلطة البريطانية التي كانت لها الهيمنة على العراق في ذلك الوقت. وعلى ذكر المعارضة فإن عبدالمحسن السعدون الذي كان رئيساً للوزراء في أواخر العشرينات أقدم على الانتحار وقد ذكر في رسالة وجهها إلى ولده قبل انتحاره نشرتها الصحف العراقية في وقتها يذكر فيها الأسباب التي دعته للانتحار ومنها المعارضة القوية التي كانت تطالب بوقف تدخل الإنجليز في شئون البلاد وكتب يقول "الشعب يريد والإنجليز لا يوافقون" (كان انتحار عبدالمحسن السعدون في الثالث عشر من شهر نوفمبر "تشرين الثاني" 1929).

أعود إلى صلب الموضوع فأذكر أني أدركت أهمية التدوين وتسجيل الأمور الهامة في إحدى زياراتي إلى مدينة لندن وذلك في صيف 1959، ولندن غنية عن التعريف بآثارها ومتاحفها وثروتها العلمية، التاريخية حتى لقد ذكر أحد العارفين بقيمة تلك الآثار فقال "إذا كانت بريطانيا قد فقدت مستعمراتها فيما وراء البحار والتي كانت كما يقولون لا تغرب عنها الشمس فإنها أي بريطانيا قد كونت لها ثروة عظيمة لا تقدر بثمن من الكتب والمخطوطات والتحف لا مثيل لها في أي بلد من بلدان المعمورة".

أقول لقد زرت بعض تلك الأماكن في ذلك العام بصحبة الدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة والذي كان يحضر لنيل شهادة الدكتوراه وقد سبق له التدريس في الكويت. وقد تعرفت عليه عن طريق كتاباته عن الخليج في بعض الصحف المحلية ومنها مجلة العربي علما بأن الرسالة التي كان يحضر لها كانت تتعلق ببعض شئون الخليج العربي.

وكان لقائي الأول معه في لندن حيث زرنا بعض المعاهد التي كان يستمد منها معلوماته مثل مكتبة الهند والمتحف البريطاني حيث كانت تلك المعاهد تزخر بمختلف الوثائق المتعلقة بشئون الخليج منذ بداية نشاط شركة الهند الشرقية في أوائل القرن السابع عشر. وكما هو معروف فإن لتلك الشركة تاريخاً حافلاً بترسيخ النفوذ الاستعماري في شبه القارة الهندية وفي منطقة الخليج العربي وجنوب العراق وإيران، بالإضافة إلى نشاطها التجاري المرموق.

ولقد دهشت عندما شاهدت بعض تقارير وكلاء تلك الشركة ومعتمديها محفوظة بنسخها الأصلية ومكتوبة بخط واضح على أوراق سميكة استطاعت أن تقاوم شتى عوامل التلف، كما كانت ملصقة مع بعضها نماذج من الأقمشة التي يطلب الوكلاء إرسال كمية منها وكان عمر تلك الوثائق يزيد على المائتي عام، وهناك تقارير أخرى وهي الأهم والتي تتعلق بأحوال المناطق التي جاءت منها تلك الرسائل وعن الأوضاع السياسية السائدة في ذلك الوقت.

وكانت لبعض تلك التقارير أهميتها بالنسبة لمنطقتنا حيث كانت في كثير من الحالات هي المصدر الوحيد للمعلومات بسبب ندرة أو عدم توفر من لهم الاستعداد والمؤهلات لتدوين ما كان يحدث في تلك الأيام من أهل تلك البلاد. كذلك كان هناك مصدر آخر للمعلومات وهم الرحالة الأجانب الذين زاروا المنطقة في تلك الأيام وكتبوا عنها أمثال الرحالة الدنماركي "كارستن نيبور" والرحالة البريطانيين "لويس بلي" و "شارل داوتي" وغيرهم علما بأن كتاباتهم لم تكن دائما منصفة أو دقيقة ولكنها على أي حال كانت مفيدة لعدم توفر ما هو أحسن منها.

وعند عودتي إلى البلاد في نهاية ذلك الصيف بعد انتهاء إجازتي شرحت للشيخ صباح الأحمد عن مشاهداتي حول هذا الموضوع وكان وقتها رئيساً لدائرة المطبوعات والنشر وكنت مديراً للدائرة، حيث سبق أن لمست عنده رغبة ملحة في كتابة تاريخ لبلادنا يستند إلى المصادر الموثوقة ليكون مرجعاً يعتمد عليه بعد أن كثرت المؤلفات الرخيصة ذات المعلومات الضحلة أو المغلوطة والتي تفتقر إلى البحث العلمي الصحيح، بل كان هدف الكثير منها المنفعة المادية.

وتكرر الحديث مع الشيخ صباح الذي نتج عنه تأليف لجنة لكتابة تاريخ الكويت برئاسته وعضوية كل من السادة عبدالحميد الصانع، نصف اليوسف النصف، أحمد البشر الرومي، محمد سليمان العتيبي، درويش المقدادي، بدر خالد البدر، كما تم تعيين السيد عبدالعزيز عبدالله الصرعاوي سكرتيراً للجنة، ثم انضم بعد ذلك إلى عضوية اللجنة وحل محله السيد ابراهيم الشطي بصفة سكرتير لها.

والواقع أنه بعد الذي شاهدته في لندن ذلك العام ثم انضمامي إلى عضوية لجنة التاريخ واطلاعي فيما بعد على كثير من الكتب والوثائق المتعلقة بها بتاريخ المنطقة أدركت أهمية الكتابة وبدأت منذ ذلك الوقت أدون ما كنت أعتقده هاماً ومفيداً وقد يكون هذا التدوين في مفكرة الجيب وأحياناً على أوراق أكثر شمولاً وهذا ما سيكون لي مرجعاً ومساعداً عند كتابة الأجزاء القادمة من هذا الكتاب إن شاء الله.

وفي الختام أود أن أقول بأني كتبت هذا الكتاب في ظروف متفاوتة منذ عام 1965 كما ذكرت وكنت معتمداً في الكتابة بصورة رئيسية على تجربتي ومعاناتي الشخصية ومن تجارب وأحاديث من سبقوني إلى هذه الحياة، وكذلك سيجد فيه القارئ معلومات أخذتها من مصادرها المكتوبة، كما حرصت أن أذكر بقدر ما سمحت به الذاكرة أسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ على ضوء علاقتها بتلك الأحداث، ولا بد أن القارئ الكريم سيجد أن الأسلوب الذي كتب به الكتاب جاء على الطبيعة وبدون تكلف، ففيه الحقائق الموثقة إما بالصور أو المستندات التي استطعت الاحتفاظ بها خلال فترة زادت على الخمسين عاماً.

وأملي أن يجد القارئ في هذا الجزء والأجزاء القادمة -إن شاء الله- شيئاً يملأ بعض الفراغ والله المستعان وهو ولي التوفيق.

المولد والنشأة

كان مولدي في غرة محرم من عام 1331 لهجرة الموافق الحادي عشر من شهر ديسمبر من عام 1912 للميلاد، وكنت في الماضي أعتقد أن ميلادي كان قبل ذلك بعام ولكني تذكرت كلمة قالتها الوالدة لي أيام الشباب أنها ولدتني فجر يوم الأربعاء في أول يوم من محرم وكان يوماً ماطراً وهي مناسبة تدعو للتفاؤل وعند مراجعة سجل مقارنة التاريخ الهجري والميلادي تبين لي تأكيد ما أشرت إليه. كما ذكرت لي الوالدة أنه عند وفاة الشيخ مبارك كان عمري ثلاث سنوات، فإذا عرفنا أن وفاة الشيخ مبارك كانت في شهر نوفمبر من عام 1915 تأكد صحة تاريخ ميلادي كما ذكرت.

كانت ولادتي في الكويت في بيت يملكه الوالد في حي بن خميس (منطقة شرق) وسموني (بدر) وهو اسم جدي لوالدي كما هو اسم جد والدتي، واسمها منيرة بنت سليمان بن بدر بن سرى. أما والدي فهو خالد بن سليمان بن بدر بن محمد بن بدر الجناعي، وبعد سنتين من ولادتي انفصلت الوالدة عن الوالد بالطلاق وانتقلت إلى بيت أبيها وكان يقع قرب حي بن جوعان القريب من حي الشيوخ.

ولقد كنت الخاسر الأكبر بسبب ذلك الطلاق كما سيرى القارئ، فقد تزوج الوالد ثم تزوجت الوالدة فيما بعد.

كانت مهنة والدي التجارة، كما كانت له بعض أملاك النخيل في البصرة، أما جدي لأمي فكانت مهنته أيام الشباب (نوخذة) أي ربان سفينة ثم اعتزل هذه المهنة فيما بعد واشتغل بالتجارة وكان كثير الأسفار إلى الهند كعادة الكثيرين من التجار الكويتيين لا سيما الصغار منهم وأصحاب الرأسمال المحدود، ولن أنسى فرحة العائلة بقدومه من السفر وفرحتي أنا بصورة خاصة انتظاراً (للصوغة) وهي عبارة عن هدية السفر وقد تكون لعبة أو بدلة أو حذاء.

وكنت أشعر حين التقي به وكأنه والدي، حيث عشت في بيته وتحت رعايته وكنت أحس بحبه لي وعطفه علي، ومن أسباب ذلك انه لم يكن له ولد وكانت والدتي هي الوحيدة عنده.

أما الوالد فكانت والدتي الزوجة الثالثة وكان له ولدان وبنت عند زواجه من الوالدة.

كنت أرى الوالد بين الحين والآخر عندما يرسل الخادم أو الخادمة في طلبي وكنت أبقى عنده حتى المساء ثم أعود للوالدة، وكان عمري في ذلك الوقت بين الرابعة والخامسة وهي بداية مرحلة التعرف والإحساس بما كنت أرى وأسمع وأذكر أني في إحدى تلك الفترات سألت الوالدة لماذا لا تذهب معي إلى بيت الوالد فأجابتني بأنها (زعلانة) وبمرور الزمن أدركت معنى الزعل ومدى المأساة التي شملتني بفواجعها وحرمانها كما سيأتي ذكره فيما بعد في تلك السن المبكرة.

دراستي الأولى

عندما بلغت السادسة على ما أذكر أدخلني الأهل عند (المطوع) أو (الكتَّاب) أو (الملا) كما يسمى في العراق وكان مقره في براحة الدبوس القريبة من حي القناعات.

وكانت المدرسة -إن صح هذا التعبير- عبارة عن حجرة من ضمن بيت المطوع فتح لها باباً على الشارع ولها باب آخر صغير متصل بحوش البيت، وكانت أرض الحجرة مفروشة بالحصران البالية وكان المطوع وهو من أصل فارسي يجلس في الزاوية القريبة من باب الحجرة المطل على بيته وأمامه سحارة أو (بشتختة) من الخشب الصاج صنع الهند وبجانبه الفلقة أو (اليحيشه) كما كنا نسميها ولا أدري من أين جاءت هذه التسمية الغريبة، وكذلك بقربه مجموعة من عصي الخيزران المختلفة الأطوال والأحجام منها الطويلة وهي مخصصة للجالسين في الصف الخلفي والمتوسطة لصف الوسط والقصيرة لمن هم أقرب إليه من الصبيان وكذلك عندما يستعمل الفلقة.

وعندما نأتي في الصباح يجلب كل منا معه كوز ماء معلق بحبل حيث توجد عدة مسامير في الحائط من أجل تعليق كل كوز، ومن لا يجلب معه كوزاً يصبح تحت رحمة أحد أقرانه إن بقي في الكوز الصغير شئ يكفي للمشاركة.

وكان البعض منا يجلب في جيبه كسرات من الخبز (الرقاق) أو المرقوق أو حبات من التمر المجفف. وكانت تلك الغرفة أشبه بخلية النحل تعج بهمهمة أصوات متنافرة وقد يدعو المطوع أحدنا ليسمعه ما حفظ من السور فيدنو منه مرتعش الأوصال خوفاً من أن يخطئ فتهوى على ظهره العصا حيث المطلوب قراءة السورة قراءة صحيحة مع الحفظ عن ظهر قلب في بعض الأحيان. وساعة المتنفس تأتي عندما يدخل الأستاذ إلى البيت لقضاء بعض حاجاته، حيث يسود الهرج والمرج داخل الغرفة، وكم تمنينا أن تطول غيبته. كما أنه لا توجد فرصة خلال فترة الدرس بل دوام مستمر حتى آذان الظهر، ثم نعود بعد الغداء، إلى قبل المغرب بقليل.

وعقاب (الفلقة) يأتي عادة بسبب (هروب) الصبي من الدرس أو بسبب خناقة بين اثنين من الأولاد، وأحياناً بسبب إيعاز من ولي أمر الولد بسبب (جرم) اقترفه الولد في البيت!!

هذه باختصار أمثلة عابرة عن مآسي الطفولة في تلك الأيام ولم تكن تلك الأوضاع مقتصرة على الكويت بل كانت تشمل المنطقة العربية بأسرها. كذلك كانت الفتيات يذهبن إلى (المطوعة) ولكن بعدد أقل من الفتيان، وفي العراق يسمونها (ملاية) مؤنث كلمة (ملا) وأظن أن الكلمة تركية الأصل لأنها متداولة في بعض البلاد العربية منذ أيام العهد العثماني (لقد تطرق بعض الكتاب الكويتيين في مؤلفاتهم إلى الكثير من عادات تلك الأيام وتقاليدها، أمثال السيد أيوب حسين الأيوب والسيدة مريم عبدالملك الصالح والسيد سيف مرزوق الشملان).

كان أسعد الأيام عندنا يوم الخميس حيث تليه عطلة الجمعة وكنا نذهب ذلك اليوم إلى (المدرسة) ومعنا (الخميسية) وهي دريهمات معدودة لا تزيد عن (آنه) هندية (أربع فلوس) نقدمها للأستاذ.

وكان الشارع ميدان اللعب عندنا وألعابنا بدائية وكانت أمهاتنا تصنع (اللعبة) مثل العرائس وغيرها للبنات وكنا نحن الأولاد نصنع بعض ألعابنا بأيدينا وكان الأكبر منا سناً يمارسون السباحة في البحر وصيد السمك (الحداق) أو صيد الطيور أيام الربيع بالفخ و(الصلابة) وهي عبارة عن عودين من أغصان الأشجار يتم ربطهما من الأسفل وفي أعلاهما خيط مزدوج يمر من خرق في أحد العودين وينفذ داخل الخرق عود خشبي يشبه قلم الرصاص طوله حوالي ثمانية أو عشرة سنتيمترات وتوضع الصلابة وسط بعض أغصان الأشجار الصحراوية ثم فوق أعلى مكان في البيت فإذا حط الطير فوق القلم سقط بسبب ثقل الطير فتشتبك رجلا الطير في الخيط ويظل مدلى ولا يستطيع الإفلات.

وعلى ذكر طيور الربيع في الكويت وهي كثيرة الأنواع والأسماء فمنها الحمامي وهو من الطيور الصغيرة الجارحة ولونه سماوي مع خطوط سوداء في بعض ريش جناحيه وفي رأسه عند العينين وحجمه أكبر من حجم العصفور وعند صيده كنا نحتفظ به عدة أسابيع ونطعمه من لحوم صغار الطيور كما كنا نحتفظ به ونربيه كما يربى الكبار الصقور!

وقد رأيت نموذجاً من هذا الطير الجميل في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، وهجرة الطيور كما هو معروف هجرة عالمية تتبع فصول السنة، وقد أخبرني أحد المولعين بالصيد أنه اصطاد مرة طيراً في أهوار العراق الواقعة شمالي مدينة البصرة ووجد في رجله حلقة مكتوب فيها أنه تم إطلاقه من أحد نوادي الصيد في روسيا!

لقد كنا نحن الصغار نتلهى ونسعد نجتل هذه الأمور البسيطة والتي كانت تخفف عنا شيئاً من قسوة الحياة في تلك الأيام. ولا أذكر الفترة التي قضيتها في ذلك الكتاب (المطوع) في تلك الأعوام المبكرة من عمري ولكني ما زلت أشعر بوطأتها الثقيلة على نفسي ولم تستطع كل هذه السنين الطويلة أن تمحو بعض ذكرياتها المرة بالنسبة لنا كأطفال وهناك من يقول بأن تلك الظروف القاسية التي مررنا بها بما فيها من قسوة وحرمان لم تكن كلها شروراً مطلقة بل قد تكون فيها بعض النواحي الإيجابية حيث اكتسبنا أشياء من المناعة في تحمل مشاكل الحياة التي تصادفنا والحياة كما هو معروف مد وجزر فيوم لك ويوم عليك وويل لمن يتجاهل هذه المعادلة الثابتة وفي حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام [اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم]، وقد قال الشاعر العربي:

"فيوم لنا ويوم علينا

ويوم نساء ويوم نسر"

وقال شاعر آخر:

"إن كنت ترغب أن تحيا فكن خشناً

فمنخل الدهر لا يبقى سوى الخشن"

والواقع أنها كانت مناعة دائمة اكتسبناها وبفضلها استطعنا الثبات على الشدائد وتحمل المشاق وأرجو أن يرث أولادنا وأحفادنا شيئاً منها.

معركة الجهراء

في تلك الأيام الكالحة وقعت معركة "الجهراء" وسبقتها بأشهر قليلة معركة "حمض" التي هاجم فيصل الدويش زعيم قبيلة مطير القوات الكويتية التي كانت معسكرة بالقرب من "حمض" وهو المكان الذي سميت باسمه المعركة، وكانت القوات الكويتية تحت قيادة الشيخ دعيج بن سلمان الصباح وكان نتيجة ذلك الهجوم أن خسرت الكويت الكثير من الأغنام والإبل نهبتها القوات الغازية، ومن أسباب هذه المعركة الخلاف على الحدود ومناطق النفوذ القبلي.

بعد معركة "حمض" أمر الشيخ سالم الصباح حاكم الكويت في ذلك الوقت ببناء سور حول مدينة الكويت وهو السور الثالث حيث سبقه سوران في الماضي تم هدمهما نتيجة للتوسع الذي طرأ على المدينة كما أن هذا السور الثالث تم هدمه في عام 1957 ولحسن الحظ فقد بقيت البوابات الخمس ترمز إلى ذلك السور الذي تم البدء بإنشائه في شهر رمضان من عام 1338هـ الموافق شهر مايو (أيار) من عام 1920م.

وقد شاركت في البناء جميع طبقات الشعب الكويتي تطوعاً، ولأن العمل بدأ في شهر رمضان فكان البناء يبدأ ليلاً بعد صلاة العشاء، فكانت الناس تخرج على شكل تجمعات من كل حي من أحياء المدينة حاملة معها عدة البناء ومياه الشرب وأدوات الشاي والقهوة وتتجه تلك المسيرات نحو موقع السور حيث تعرف كل جماعة مكان عملها، وكنا نحن الأطفال نتبع تلك التجمعات فرحين بهذه المناسبة الفريدة وبذلك المنظر الرائع لأولئك الرجال بصفوفهم المتراصة رافعين الرايات ومرددين الأهازيج والأغاني الحماسية منسجمة مع قرع الطبول ولعلعة الرصاص مع رقصات الحرب المسماة (العرضة)، لقد كان في ذلك المنظر الرائع لتلك التجمعات أو ذلك المهرجان العفوي ما يكفي لإثارة المشاعر عند كافة طبقات الشعب، ثم كان ذلك التلاحم والوقوف وقفة رجل واحد أمام الشدائد والأزمات في تلك الأيام الصعبة، وقد استمر البناء طيلة شهر رمضان والأشهر التي تلت واكتمل البناء في شهر سبتمبر (أيلول) من ذلك العام. أما معركة الجهراء التي نحن بصددها فقد بدأت في العاشر من شهر أكتوبر من ذلك العام وانتهت يوم الثاني عشر منه بانسحاب قوات فيصل الدويش باتجاه الصبيحية (للمزيد من المعلومات عن معركة الجهراء وأسبابها يرجى مراجعة كتابنا "معركة الجهراء - ما قبلها وما بعدها" الذي صدر عام 1980، وعلى ذكر هذه المعركة وأمثالها من معارك تلك الأيام فقد أصبحت في ذمة التاريخ ولا يجوز قياس أحداثها ومسبباتها بمقاييس هذه الأيام. فتلك المنازعات القبلية انبثقت من طبيعة الصحراء وتقاليدها وشح الطبيعة وقسوتها. وقد انتهت تلك الأحداث إلى غير رجعة بعد أن استطاع الملك الراحل عبدالعزيز آل سعود في بسط سيطرته على البادية والقضاء على التمرد والعصيان بما أوتي من دهاء وذكاء وحكمة وبعد نظر فوحد المملكة ووضع أسس الدولة الحديثة التي ساعدت ثروتها من النفط على سرعة نموها وازدهارها).

الانتقال من الكتَّاب (المطوع) إلى المدرسة

كانت الكتاتيب منتشرة في جميع أحياء الكويت منذ القدم، منها وهو الأكثر مخصص للأولاد والبعض الآخر للبنات، أما أول مدرسة فكانت المباركية فقد تم فتحها في سنة 1911-1912م في عهد الشيخ مبارك الصباح حيث سميت باسمه وقد هدمت هذه المدرسة مع الأسف الشديد في الخمسينيات مع أن بناءها كان قوياً ومتيناً وكان بالإمكان أن تبقى سنيناً طويلة مع بعض الصيانة لها كأثر من آثار الكويت التي يجب أن يبقى لتذكر الأجيال الصاعدة بماضي بلادهم حيث كان من الممكن الحفاظ عليها وعلى صفوفها بما فيها من آثار لا سيما وأن ذكراها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجدان الكثيرين من رجالات الكويت.

أما المدرسة الثانية في تلك الفترة فكانت مدرسة عبدالملك الصالح المبيض المربي الكويتي المعروف حيث سميت باسمه، فقد أنشأها بعد خلافه مع بعض هيئة التدريس في المباركية في تلك الفترة، وكان مقرها في بيت العامر وهو بيت قديم لعائلة كويتية معروفة، كان بعض أعضائها يزاولون التجارة ولا سيما تجارة تصدير الخيول إلى الهند، وقد هدم ذلك البيت مع ما هدم من البيوت القديمة ومكانه في السوق المسمى الآن بسوق المعجل.

أدخلني الأهل بهذه المدرسة من أجل تعلم الكتابة حيث في الكتَّاب الذي كنت أدرس فيه كنا نتعلم حفظ القرآن الكريم فقط، وقد رأيت الجو فيها مختلفاً فقد كان هناك شيء من النظام وعلى ما أذكر كان يوجد ثلاثة أو أربعة صفوف حسب مستوى الطلاب وأعمارهم.

وقد أدخلوني في الصف الذي يشرف عليه الأستاذ محمد الشايجي رحمه الله وأتذكر اثنين من الأساتذة الآخرين وهما حجي بن جاسم ومدرس آخر اسمه يوسف وكان الدوام في المدرسة علي فترتين الفترة الصباحية وفترة بعد الظهر وأذكر أن الوقت كان صيفاً وعندما تميل الشمس عند العصر كان بعض الأساتذة يأخذون تلاميذهم فوق السطح هروباً من حر الغرف الخانق وكنا نحن الصغار نستمع إلى بعض الكبار وهم يرددون المحفوظات الشعرية وأذكر منها القصيدة المشهورة للطغرائي ومطلعها:

حب السلامة يثني عزم صاحبه

عن المعالي ويغري المرء بالكسل

وكنا نرددها معهم ولا نعرف معناها، وكنا نجلس على الأرض فوق الحصران وأمام كل واحد منا (بشتخته) لها قفل ومفتاح وكنا نضع بها حوائجنا المدرسية مثل القرآن الكريم والحبر والأقلام وكنا في دروس الخط نكتب بقلم القصب الرفيع بعد إصلاح رأسه بطريقة تجعله كريشة الحديد التي كنا عادة نكتب بها. وقد وجدت فرقاً ظاهراً بين نظام المطوع ونظام المدرسة. ومع هذا فقد كنا نهرب من تلك المدرسة بين حين وآخر. حيث كنا نفضل اللعب بالشوارع والسباحة في البحر على جو المدرسة الجدي المتزمت وكان عقابنا الضرب أو الحبس خلال فترة الظهر وحرماننا من تناول طعام الغداء. ولا أذكر بالضبط كم بقيت في تلك المدرسة التي تعلمت فيها مبادئ الكتابة ولكني أعرف أني تركتها في صيف 1921م عندما سافرت إلى البصرة للدراسة هناك كما سيأتي ذكر ذلك في فصل آخر.

ومن المدارس التي فتحت في تلك الفترة المدرسة الأحمدية في عام 1340هـ 1922م في عهد الشيخ أحمد الجابر رحمه الله حيث سميت باسمه. وكذلك تم فتح مدرسة أخرى أسسها شملان بن علي بن سيف رحمه الله على نفقته الخاصة ولكنها لم تدم طويلاً، وكان اسمها -مدرسة السعادة- وموقعها بالقرب من بيته في منطقة الشرق.

حالة العائلة الاجتماعية

كان وضع الوالد المادي فوق المتوسط بمقاييس تلك الأيام بماله من موارد من أملاكه في البصرة ومن اشتغاله بالتجارة كما أشرت إلى ذلك في المقدمة وكان لنا بيت في البصرة وبيت في الكويت، وبسبب الفراق الذي حصل بين الوالد والوالدة فإن جدي لأمي كان وكأنه والدي الفعلي فهو الذي أراه كل يوم وأعيش معه تحت سقف واحد وأحياناً أرافقه في ذهابه إلى السوق أو إلى المسجد أو بعض الدواوين خلال الليل وأتذكر من تلك الدواوين ديوان حمود الروضان كما أتذكر صقور الصيد رابضة فوق أوكارها في ذلك الديوان أو (الديوانية) بالمصطلح الكويتي.

كان الوالد يقضي فترة الصيف في البصرة ثم يعود إلى الكويت في نهاية الصيف أو أوائل الشتاء بعد الانتهاء من تصريف وبيع محصول التمور من قطعة النخيل التي كان يملكها ولهذا كنت التقي به في فترات متقطعة لذلك فقد كان من الطبيعي أن يكون ارتباطي العاطفي بجدي أكثر عمقاً وتأثيراً في نفسي من ارتباطي بالوالد، كما كنت أشعر بألم وحسرة وفراغ مخيف عندما يغادرنا مسافرا إلى الهند.

وتزوجت الوالدة فيما بعد وكنت في السادسة من عمري، وتركت البيت الذي كنا نعيش فيه سوياً وانتقلت إلى بيت زوجها وهنا ازدادت حيرتي ومحنتي وكانت تزورنا أحياناً ونزورها أنا وجدتي في الأوقات المناسبة، وأحياناً أذهب وحدي لها وقد يكون ذلك في أوقات غير مناسبة لها. وقد أثرت هذه التغييرات العائلية في نفسيتي كثيراً وفقدت شيئاً من حالة الاستقرار التي كنت أنعم بها. وقد ازدادت عندي هذه الانفعالات عمقاً عندما أرسلوني إلى البصرة للدراسة وأنا لم أكمل التاسعة من عمري.

الوضع الاجتماعي والمعيشي في الكويت في تلك الأيام

كانت المعيشة متشابة بصورة عامة عند كافة طبقات الشعب مع بعض الفوارق النسبية البسيطة. لكن حياة البساطة والكفاف وأحياناً الحرمان كانت القاسم المشترك لجميع الكويتيين من أميرهم إلى فقيرهم ولا أريد أن أدخل في كل التفاصيل لأن ذلك يخرج عن هدف هذا البحث وأرجو أن يأتي اليوم الذي يتولى فيه الشباب الكويتي المثقف التعمق في تفاصيل تلك الظروف ما دامت هناك بقية باقية من الشواهد والمعالم ذات الصلة بتاريخ الكويت في تلك الأيام (هناك مجال واسع عمل بحوث ودراسات في نمط الحياة في تلك الأيام وعن صناعة الغوص وتجارة اللؤلؤ وعن صناعة السفن ومنها السفن المخصصة "للسفر" ليس فقط للكويت بل لدول الخليج لأن التقاليد وأساليب الحياة فيها متشابهة).

كانت التجارة بالنسبة للكويتيين العمود الفقري لمصدر رزقهم فقد اشتهروا بصناعة صيد اللؤلؤ أو (الغوص) أو (السفر) بسفنهم إلى الهند وشرق أفريقيا محملين بالبضائع المختلفة وعلى الأخص التمور العراقية ثم يعودون بعد مرحلة شاقة طويلة بالبضائع المختلفة مثل المواد الغذائية والأخشاب والأقمشة والبهارات وغيرها، وقد لعبت السفن الكويتية دوراً هاماً وبارزاً في نمط الحياة عند أهل الكويت لا سيما خلال الحربين العالميتين في أوائل هذا القرن حيث شحت زيارة السفن التجارية لمنطقة الخليج بسبب المجهود الحرب وبهذا عوضت السفن الكويتية والخليجية الشيء الكثير من ذلك النقص في السفن ومن نتيجة ذلك فقد ازدادت حركة التجارة بسبب ما كانت تتمتع به من حرية الحركة وتضخمت رؤوس الأموال وارتفعت مستويات المعيشة عند غالبية الناس.

ولا بد من الإشارة إلا أن الأزمة العالمية الاقتصادية التي اجتاحت الولايات المتحدة عام 1929/1930 وعمت العالم فيما بعد، أثرت على الأوضاع الاقتصادية في منطقة الخليج لا سيما فيما يتعلق بتجارة اللؤلؤ، فقد انخفضت الأسعار بصورة فجائية مما أدى إلى تدهور أوضاع بعض التجار حتى أن بعضهم فقد كل ما يملك ومما زاد الطين بلة في تجارة اللؤلؤ ظهور اللؤلؤ الياباني المزروع في أحواض وأماكن خاصة والذي لا يختلف بشكله كثيرا عن اللؤلؤ الطبيعي علما بأن الفارق بالأسعار كان كبيراً. لقد تحمل الناس تلك الأيام القاسية بشيء من الصبر والجلد وقد ساعدتهم على ذلك حياتهم البسيطة التي اعتادوا عليها وقابليتهم لتحمل المشاق التي تعودوها في صبرهم على قسوة البحار وشح الصحراء فقد ألفوا تحمل المكاره والقناعة بالقليل مما يسد الرمق ويغني عن السؤال وبهذا عفت نفوسهم واشتهروا بالصدق والأمانة والوفاء وقد شهد لهم بذلك من تعامل معهم من الأجانب حيث دونوها فيما كتبوا عن المنطقة في سجلاتهم.

فالكلمة عندهم مقدسة وملزمة في جميع معاملاتهم وتصرفاتهم والتجارية منها على الأخص. كما نشأت عندهم بسبب أسفارهم الطويلة عادات وتقاليد فيها الكثير من النخوة وروح التعاون وصفات الفروسية والانضباط والطاعة.

ومن عادات أهل الكويت في ذلك الوقت أن تسكن العائلات الكبرى في بيت واحد يضم الأب وأولاده الكبار وزوجاتهم وأبناءهم وأحياناً تسكن العائلة الكبيرة في أكثر من بيت، متلاصق بعضها ببعض وبينهم (فرية) أو فرجة يمكن الانتقال منها بين بيت وبيت، والطبخ عادة للجميع بدون تفرقة ويتقدم الرجال في الأول ثم يأتي دور النساء. والأكل يكون عادة على الأرض حيث تفرش (السفرة) وهي عبارة عن حصيرة مستديرة الشكل ومصنوعة من خوص النخل، تصف فوقها صحاف الطعام، وكان بسيطاً في حد ذاته، فالسمك بأنواعه المختلفة هو أهم ما يقدم في فترة الغداء ومعه الرز، ومن عادة البيوت الكبيرة أن تكون فيها بقرة أو أكثر ولذلك فإن اللبن الرائب مع التمر يشكل عنصراً أساسياً في نظام التغذية في تلك الأيام، وجميع هذه المواد سواء السمك أو التمر كانت رخيصة وفي متناول الجميع وطاقتها الغذائية كبيرة. أما اللحم فعادة يقدم في وجبة العشاء في أكثر الأحيان ويطبخ مع الرز أو محضر بشكل (مرق) مع بعض أنواع الخضار المتيسرة مثل البامية والقرع الأحمر وكانت تأتي من البصرة أو إيران بواسطة السفن الشراعية حيث إنها تتحمل فترة زمنية معقولة قبل أن تتلف مما يساعد ويشجع على جلبها عبر البحار.

وكما أشرت فإن السمك كان على رأس القائمة في نظام التغذية في منطقة الخليج بأسرها ولكنه يقل عادة في فصل الشتاء ويستعاض عنه ببعض البقول مثل العدس والماش واللوبة (اللوبياء) وكذلك الربيان المجفف والأسماك المجففة التي تجلب عادة من ساحل عمان، وعلى ذكر الربيان المجفف فإنه لا يزال إلى يومنا هذا من الأكلات الشعبية المحببة إلى معظم الكويتيين، أما الباقلاء أو (الفول) فهي أيضاً من الأكلات الشعبية المفيدة والمغذية وتحضر في البيوت بغليها لفترة طويلة على نار قوية حتى تنضج، كما تخصصت في بيعها بعض النساء الأفريقيات حيث يجلسن على ناصية الشارع وأمامهم قدر أسود مغطى عادة بالخيش ليحافظ على حرارته، ويأتي الصغار لا سيما في الصباح الباكر ومعهم بعض الأواني لشراء حاجتهم من الباقلاء وبأسعار زهيدة، وكان للتمر أهميته في نظام التغذية سواء في البوادي أو الحواضر وذلك بسبب بقائه فترة طويلة تزيد عن السنة دون أن يصيبه التلف وكان يعبأ بسلال من خوص النخل يصل وزن بعضها إلى خمسة وسبعين كيلو وبعضها إلى نصف هذه الكمية وتسمى (نصيفية) وهي الدارجة في التداول لسهولة حملها.

وأشرت إلى أهمية اللبن أو الحليب في نظام التغذية في تلك الأيام، فإن البيوت الكبيرة تحتفظ بالأبقار والغنم والماعز، كما ذكرت، وتكون لها زرائب خاصة في ناحية من نواحي البيت أما العائلات المحدودة العدد فتحتفظ بالماعز أو النعاج وتفضل المعزة على النعجة لأن فترة إدرار الحليب عند الماعز تكون أطول وتكلفتها من حيث القيمة والمعيشة أقل.

وإذا ذكرنا الماعز فلا بد من ذكر (الشاوي) وهو الراعي الذي يسرح بالماعز والأغنام وأذكر أنه كان بالقرب من بيوتنا (شاوي سلامة) وكان هناك آخر في منطقة الشرق (شاوي المطبة) كذلك فاسم الشاوي يطلق على المكان الذي تتجمع فيه الماعز والأغنام وهو عبارة عن (حوطة) أو زريبة تجلب إليها البهائم وعندما يكتمل العدد يخرج الشاوي معها إلى الصحراء فإذا كان الوقت ربيعاً نعمت بالعشب الوفير. أما في الصيف فلا شيء غير الجوع والعطش.

وكانت من مهامنا نحن الصغار توصيل المعزة إلى الشاوي صباحاً قبل الذهاب إلى (المطوع) أو المدرسة ثم جلبها في المساء إلى البيت وكنا نجد صعوبة في (تطويع) المعزة على الذهاب إلى الشاوي في بداية الأمر ولكن مع الاستمرار تتعود على الطريق وتراها تتجه إلى البيت أو إلى الشاوي بدون قيادة. ويتقاضى الشاوي مبلغاً زهيداً في الشهر قدره "أربع آنات" أو عشرون فلساً عن كل رأس!

كذلك فإن كلفة المعيشة في تلك الأيام كانت زهيدة ولنأخذ مثلاً السمك وأحسن أنواعه الزبيدي كما هو معروف، فإن الأوقية منه والتي تساوي عشرة أرطال إنجليزية كانت تباع بأقل من نصف روبية. وكيس الرز أو السكر الذي كان وزنه لا يقل عن خمسة وسبعين كيلو غراما فسعره في حدود العشر روبيات -سبعمائة وخمسون فلساً- وأوقية اللحم الممتاز التي تساوي خمسة أرطال تقارب سعر السمك أو تزيد قليلاً. وهذه الأسعار المتدنية كانت في الكويت وكافة المنطقة أو بالأحرى في العالم أجمع.

أما بيوتنا فقد كانت في منتهى البساطة ولا يزال توجد بعض نماذج منها وكان في كل بيت بئر يستعمل ماؤه للشئون المنزلية ولا يصلح للشرب لشدة ملوحته. أما ماء الشرب فيجلب بصورة رئيسية من الآبار المنتشرة خارج المدينة وينقل على الجمال أو الحمير، كما تجلب السفن الشراعية الماء من مصب شط العرب عند ميناء الفاو ويوزع على البيوت بواسطة الدواب أو الرجال الذين يحملونه في (تنكات) النفط الفارغة ويسمى بائع الماء بهذه الطريقة (الكندري). وقد انتشرت فيما بعد فكرة إنشاء البرك في البيوت لجمع مياه الأمطار أيام الشتاء إما من السطوح عن طريق (المزاريب) أو بوضع (الشتر) وهو عبارة عن قطعة مربعة من القماش الأبيض السميك توجد في أطرافها حبال تربط في حيطان الحوش العليا وتغطى بذلك مساحة كبيرة من الحوش وفي وسط الشتر فتحة يتدلى منها (خرطوم) من نفس نوع القماش ويوصل هذا الخرطوم إلى خزان الماء أو البرك، وماء الشتر هذا يكون عادة أنظف وأنقى من الماء المنحدر من أسطح المنازل.

وكان في المدينة سوق للماء ومكانه عند مدخل سوق أو سكة ابن دعيج من جهة القبلة كما وهذه السكة هي نقطة العبور الرئيسية إلى السوق بالنسبة لأهل شرق وأهل حي الوسط وفيها مدرسة المرحوم ملا زكريا الأنصاري وأتذكر أنه كان يدرس الأولاد في مدخل (دهليز) بيته. كما كان في نهاية السكة من جهة القبلة سبيل ماء للشرب يسمى (سبيل بن دعيج) وهو عبارة عن بئر تجلب له المياه وتصب فيه وبجنبه دلو أو مغراف مربوط بحبل لجلب الماء من أعماق البئر ولا أظن أن أحداً فكر في تنظيفه على أيامنا لأني أتذكر طعم مائه الآسن بسبب ترسبات الطين في عقر البئر. ومن عادة الناس في تلك السكة المشهورة أن يسأل بعضهم بعضاً عند اللقاء دون معرفة سابقة عن سعر الحاجيات التي يحملها الشخص، فمثلاً يسأل عن سعر السمك إذا كان حاملاً سمكاً بيده أو الجت (البرسيم). وكانت توجد بعض الدكاكين البسيطة والبسطات على الأرض، وعادة السؤال عن سعر الحاجة لم تكن مستنكرة بل إن فيها نوعاً من الفائدة والتوعية. وكان يوجد عند مدخل السكة من جهة الشرق مدفع قديم ضخم بالقرب من أسطبل الشيوخ أو (ياخور الشيوخ) كما كان يسمى وأظن أن وجود المدفع بذلك المكان ربما لأنه كان منصوباً فوق السور الثاني القديم الذي كانت إحدى بواباته في ذلك الموقع وكانت تسمى دروازة العبدالرزاق نسبة إلى عائلة العبدالرزاق المعروفة والتي كانت تسكن بجوار ذلك المكان.

والحياة في داخل البيوت كانت في منتهى البساطة ومنسجمة مع متطلبات وظروف تلك الأيام، فالنساء عموماً لا يستنكفن من الخدمة في الطبخ وغسل الملابس وتنظيف البيت مع الاستعانة بالخدم عند العائلات الميسورة الحال. وكما سبق وذكرت فقد كنا نصنع ألعابنا بصورة بدائية بأنفسنا كأن نصنع حمارا من الطين أو عربة من خشب، وعجلاتها من أغطية علب التنك المستديرة، وهكذا تسير الحياة على بساطتها (وفي الألعاب التي كنا نتسلى بها ما يجلبه لنا الغواصون أو "الغواويص" من كميات كبيرة من نجمة البحر المخمسة ونسميها "العوعو") ونقاوتها، وكانت ملابس النساء في منتهى البساطة وهي تشبه لباس نساء بعض البدو في هذه الأيام ويشتمل على سروال طويل فوقه (الدراعة) وهي تشبه الدشداشة (الجلابية)، ومن عادة النساء في ذلك الوقت أن لا يخرجن كثيراً فإذا خرجن فيكون ذلك لزيارة الأهل أو الجيران أو لشراء بعض الحاجات من السوق بالنسبة للنساء اللاتي تقتضي ظروفهن أن يقضين حاجاتهن بأنفسهن.

وفي أيام الصيف عند حلول موسم (الغوص) نجد النساء في الشوارع أكثر من الرجال حيث أن معظم الرجال القادرين مرتبطون بهذه المهمة باستثناء بعض التجار وأصحاب الدكاكين أو الطاعنين في السن.

ومع أن معظم الرجال في مثل هذا الوقت هم خارج البلاد فإن الأمن مستتب وقلما تسمع عن حادثة سرقة أو أي خلل في الأمن. وكان المسئول عن الأمن في ذلك الوقت وبعده الشيخ صباح ابن دعيج الملقب (بصباح السوق) لأنه كان يتواجد دائما في السوق وغالباً ما يكون جالساً في قهوة أبو ناشي عند مدخل سوق التجار ومكانها مقابل جامع السوق حالياً وكان مشهوراً بالصرامة والشدة تجاه العابثين بالأمن، وتحت إمرته عدد من الحراس موزعون على الأسواق وكنا نسمعهم في سكون الليل يتبادلون كلمة (صاحي) ويمدونها ويرددونها بأعلى أصواتهم دلالة على أن الجميع في يقظة، ولا شك أن تلك الصيحات كان لها تأثير نفسي على الناس من حيث الاطمئنان وكذلك على من تسول له نفسه العبث بالأمن. وعندما سافرت إلى البصرة شاهدت هناك حراساً بنفس النظام تقريباً ولكنهم يستعملون الصفارة بدلاً من كلمة (صاحي) وربما كان ذلك من باب التطور! وكان حراس الكويت في الأسواق فقط أما حراس البصرة فكانوا في الشوارع أيضاً.

بعض عادات تلك الأيام

وكما ذكرت في عدة مناسبات فان طابع تلك الأيام كان البساطة وربما كانت تلك العادات متوارثة منذ القدم، فمثلاً عندما يجد الحاكم أن هناك أمراً يجب أن يبلغ إلى الشعب فهناك شخص مشهور بصوته الجهوري يمر بالأسواق مبلغاً الناس بالأوامر أو البيانات وفي الكويت كان ذلك الشخص اسمه (الرندي) يقوم بهذه المهمة، فيقال مثلاً اليوم صاح الرندي وقال كذا وكذا، وهكذا يعم الخبر الجميع حيث يبلغ الناس بعضهم بعضاً.

كذلك عند فقد شيء، مثلاً طفل ضل الطريق إلى بيت أهله، فيكلف أهله شخصاً يتجول في الشوارع وينادي بأعلى صوته ويسمي (المطرّب) بتشديد الراء والمقصود المنادي، أما إذا فقدت معزة أو ضلت طريقها فإن أطفال البيت بالمشاركة مع أطفال الجيران يجوبون الشوارع مرددين بأصوات منسجمة مثل (الكورس) مثلاً.. "يا من شاف.. كذا وكذا.. جزاه الله خير ورحم الله والديه".

كذلك فيما يتعلق بتنظيف الآبار التي داخل البيوت والتي سبق ذكرها، فهي بين فترة وأخرى تحتاج إلى تنظيف ورفع الرمال المتراكمة داخلها فهناك أناس تخصصوا في هذه المهمة وعادة يكونان اثنين، واحد ينزل في البئر والثاني يقف على الحافة يساعده في النزول أولاً ثم يسحب الدلو الملأى بالرمل من أعماق البئر وإعادتها ثانية وهكذا حتى ينظف البئر ويخرج الرجل الذي نزل فيه بمساعدة صاحبه. وقد شاهدت في عدة مناسبات أن يكون الرجل الذي ينزل في أعماق البئر أعمى أما الآخر فيكون بصيراً وهو الذي يقوده في الشوارع ويرشده إلى البيوت.

ومن عادات تلك الأيام أيضاً طبخ الطعام على نار الحطب وتوجد عدة مصادر للوقود الطبيعي وأهمها سعف النخيل الذي يستورد بواسطة السفن من البصرة ثم يأتي (العرفج) وهو نبات بري معروف ينبت في الصحراء بعد هطول الأمطار ويجف خلال فترة الصيف ويجلب إلى المدينة على ظهور الجمال أو الحمير ويباع بالحمل أي حمل البعير أو حمل الحمار أما السعف فيباع بالحزمة وتسمى (الكارة) وتحتوي على ستة عشر أو عشرين سعفة وأحياناً خمسة وعشرين وكذلك (الكرب) وهو الجزء المتبقي من النخلة بعد قطع السعف منها وهذا يباع بالألف، كذلك يستعمل بعض الناس الأخشاب الصغيرة المتخلفة من قصاصات خشب النجارين الذين يصنعون السفن على شاطئ البحر، كذلك توجد قصاصات في أغصان الأشجار السميكة وتسمى (القرم) وهي غالية نسبياً وتستعمل نارها عادة عندما تدعو الحاجة إلى الطبخ في قدور كبيرة في الولائم والمناسبات مثل الأعياد وغيرها حيث تكون نارها قوية. ومكان بيع السعف والكرب على ساحل البحر في المكان الذي ترسو فيه السفن الشراعية بالقرب من قصر السيف من ناحية القبلة. أما العرفج فمكانه صفاة الكويت وكان حجمها في ذلك الوقت أضعاف حجمها اليوم، فكانت محطة للقوافل القادمة والمسافرة كما كانت مكاناً للفرجة والتنزه لا سيما في أوقات الأعياد حيث تجد فيها خليطاً من رجال البادية ونسائهم وأولادهم. كما تزدحم بالقادمين من البادية أيام فصل الربيع يعرضون ما عندهم من بضائع كالسمن والأغنام.

وعلى ذكر العرفج، فإذا تم التفاهم مع الجمّال على السعر فإنه يقود جمله إلى داخل المدينة وأحياناً تكون الشوارع ضيقة وملتوية يستنكرها البعير الذي تعود على الفضاء الرحب فيقوده صاحبه بصعوبة ويتجه أمام البيت ثم يعقل إحدى قوائمه الأمامية ويبدأ في إدخال العرفج إلى البيت وكنا نحن الأطفال إذا صادفتنا مثل هذه المناسبة نعتبرها فرصة للترفيه، فنشارك في إدخال العرفج إلى البيت ثم ننتهز فرصة غياب الجمّال داخل البيت فيأخذ أحدنا قطعة من التنك الرقيق الملقى عادة في الشوارع فنمررها على الحائط بقوة بالقرب من الجمل فتحدث قعقعة ودويا يفزع له الجمل ويقفز من مكانه على ثلاثة قوائم هائجاً لا يلوى على شيء. أما نحن الأطفال فنهرب خوفاً من عقاب الجمّال لنا!

وعلى ذكر العقال الذي يعقل به البعير فيقال إن تسمية العقال الذي نلبسه اليوم مصدره أن الجمّال عندما يفك عقال بعيره يلفه على رأسه خشية ضياعه فأصبحت هذه عادة مألوفة عند سائر الناس.

والواقع أن عادات وتقاليد تلك الأيام نبعت وترعرعت من ظروف المنطقة وواقعها في تلك الأيام وهي عادات تتغير وتتطور مع سير الزمن ولا يتبقى منها إلا الذكريات العالقة في الذهن ولذا حرصت أن أذكر بعضها وهي كثيرة.

ومن الأمور التي كانت ملازمة لظروف الكويت اليومية -طبيخ ابن عمير-، وابن عمير هذا كان من خدم الشيوخ ومهمته أن يطبخ الطبيخ كل مساء ويقدمه للفقراء والمحتاجين ومكانه في بناية السجن القديم الذي موقعه مقابل قصر السيف وكان يتواجد كل مساء قبل غروب الشمس وأمامه قدر كبير فيه كمية هائلة من الرز الأبيض وبدون إدام، ويتجمع عند المكان كل مساء الكثير من الفقراء المعدمين يحمل كل منهم إناء بيده، وغالبيتهم من الوافدين عن طريق البر والبحر. وقد تكون عادة تقديم الطعام هذه قديمة وربما كانت من أيام جابر الأول حاكم الكويت الثالث الذي كان لقبه "جابر العيش".

وكان طبيخ بن عمير هذا مضرباً للأمثال فإذا أراد أحد ذم طعام أكله في مكان فيقول مثل طبيخ بن عمير لأنه خال من الإدام والدسم. وأذكر أن ابن عمير ظل يقدم طعامه هذا حتى الثلاثينات. كذلك كانت في الكويت مجموعة من المجانين منهم الشرس الخطر وكانت أيديهم أو أرجلهم مقيدة بالسلاسل ومنهم الوديع الذي يتسلى الناس بالتحدث معه لما يقوله من نكات عفوية. وأذكر من هؤلاء امرأتين واحدة بدوية اسمها (صدية) كانت تجوب الأسواق ذهاباً وإياباً حاملة مزودة فوق ظهرها وتدعى أن زوجها أخذ حلالها وطلقها وربما كان ذلك سبب جنونها والثانية زنجية أفريقية اسمها (حسينة) كانت تقف أمام الدكاكين وترقص مقابل ما يعطى لها من الدريهمات وأذكر أن في مرة صادفتها وكان ذلك في صيف 1932 وكانت معي آلة تصوير استعرتها من عبدالرسول فرج رحمه الله وكان عنده دكان يبيع فيه مثل هذه الحاجيات فأوقفتها وأخذت لها صورة.

والخلاصة، من ذكر ما تقدم نرى أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده المرتبطة بزمان ومكان ذلك المجتمع، والكويت لم تخرج عن هذه القاعدة.

والمجتمع الكويتي في تلك الأيام وأقصد بها أيام ما قبل النفط كان مجتمعاً منسجما مع ظروفه قانعاً بتلك الحياة البسيطة البعيدة عن زخارف الحياة وتعقيداتها حيث كان الناس يعيشون عيشة الكفاف مع حاجاتهم اليومية المحدودة وبذا اطمأنت نفوسهم وحسنت نواياهم وتأقلمت أجسادهم وأمزجتهم مع ذلك النمط من الحياة الخشنة كما عمرت قلوبهم بالإيمان والرضى بما قسم الله لهم.

وأتصور أن تربية البحر التي كانت تشمل معظم الكويتيين منذ القدم وأقصد بذلك حياتهم على ظهر السفينة أشهراً طويلة قد فرضت عليهم نمطاً فريداً في التعايش والتعاون فكل فرد في السفينة يهمه سلامتها حتى تصل إلى شاطئ الأمان وهذه السلامة لا تتم إلا إذا قام كل واحد منهم بما عليه من واجب وبمرور الزمن نمت صلت فيهم هذه الروح التعاونية حتى توارثتها الأجيال فإذا أصابت أحدهم نكبة كخسارة في تجارة أو غرق سفينة وهي حوادث كانت تتكرر دائما هبوا لمساعدته والأخذ بيده بما يستطيعون والأمثلة على ذلك كثيرة يرويها من عاصروا تلك الأيام الغابرة.

السفر إلى البصرة

إن سفري أو بالأحرى تسفيري إلى مدينة البصرة كان بلا شك نقطة تحول أثرت ولعبت دوراً هاماً في رسم مسار حياتي ومعالم مستقبلي.

فقد ولدت وعشت في الكويت حتى بلغت الثامنة من عمري وعشت بنمط واحد يكاد يتكرر مع كل يوم فالأهل والأقارب وأولاد الجيران والشوارع والبحر والصحراء كانت جزءاً من كياني وكانت العالم كله بالنسبة لي.

ولكن بين عشية وضحاها تغير كل شيء بالنسبة لي ففي صيف 1921 وصل أخي من أبي -سليمان- من البصرة ومعه والدته المريضة التي نصحها الأطباء هناك بالمجيء إلى الكويت (لتبديل الهواء) وكان الوالد في البصرة في تلك الفترة وقد سبق له في عدة مناسبات أن طالب بضمي إليه ليتولى تربيتي ولكن جدي لأمي رحمه الله بسبب زيادة محبته لي كان يرفض ذلك وكذلك فعلت الجدة والوالدة. وبما أن جدي كان كثير الأسفار كما ذكرت وبسبب زواج الوالدة الذي أشرت إليه بقيت أنا مع جدتي، ومع مرور الأيام كانت تشعر الجدة بعجزها في السيطرة علي فقد ازدادت شقاوتي وكثر تهربي من المدرسة وتمردي على أوامرها. وما أدري هل كان والدي قد طلب من أخي أن يصحبني معه إلى البصرة عند عودته. المهم الذي حدث بعد تردد من الوالدة والجدة تمت الموافقة على سفري. وعلمت بالخبر فلم أهتم بوقتها وتصورت أن الأمر لا يعدو أن يكون نزهة والركوب بالباخرة أو (المركب) كما كنا نسميه ولم نكن نراه إلا من بعيد -وكما يقول المثل: عرفت شيئا، وغابت عنك أشياء-.

وجاء يوم السفر وجاءت الوالدة إلى البيت وكانت قد اشترت لي صندوقاً صغيراً من عمل الهند من التنك وضعت فيه بعض أمتعتي البسيطة وخرجنا من البيت وأنا أحمل الصندوق على رأسي وقد لاحظت أن الوالدة كانت تبكي بكاء مراً صامتاً وكنت أحس وكأنها تشرق بدموعها وأنا أتابعها بنظرات حائرة حتى وصلنا إلى مكان السفينة الشراعية المعد لنقل الركاب إلى الباخرة (كانت البواخر في تلك الأيام ترسو على مسافة ثلاثة أميال من الساحل تقريباً تجنباً للمياه الضحلة وخطر الارتطام بالصخور القريبة من الساحل وظل الحال كذلك حتى تم إنشاء الميناء والأرصفة في مطلع الخمسينات) ووجدنا أخي في الانتظار فودعتني الوالدة وداعاً حاراً وظلت واقفة على الشاطئ حتى ركبنا السفينة مع من ركب معنا من الركاب وبدأنا نبتعد عن الشاطئ وعادت الوالدة أدراجها بقلب فارغ يعصره الألم والأسى وقد حدثتني الوالدة فيما بعد عن مقدار الحزن والألم الذي حل بها هي ووالدتها بسبب فراقي وكانت كل واحدة تلوم الأخرى على ما فرطا فيه من موافقتهما على سفري كما أن جدي عندما علم بسفري تأثر كثيراً ثم جاء إلى البصرة لزيارتي ومعه الهدايا التي اعتاد أن يتحفني بها في كل سفرة من سفراته.

أعود إلى حديث الباخرة، فقد كانت من بواخر الحمل وقد أفرغت حمولتها من الفحم في الكويت ولم نستطع الجلوس بسبب قذارة المكان حيث بقايا الفحم الناعم الذي لطخ ملابسنا البيضاء.

وفي الأخير وجدنا مكاناً وضعنا فيه أمتعتنا وأدركنا الليل وكانت ليلة مزعجة لم أذق طعم النوم المريح بسبب الضجيج والحركة التي لم تهدأ. وببزوغ الشمس دخلت الباخرة شط العرب وقد بهرني منظر الشط والنخيل الباسقة على ضفتيه والباخرة تسير الهوينى منسابة في ذلك النهر العظيم.

ووصلنا إلى ميناء المعقل حيث ألقت الباخرة مراسيها عند الظهر وصعد إلى الباخرة بعض الموظفين وغالبيتهم من الهنود بلباسهم العسكري حيث لا زالت جيوش الاحتلال البريطاني باقية البصرة وبقية المدن العراقية.

وقد فاتني أن أذكر أنه كانت معنا خادمة جاءت مع أخي لخدمة والدته ثم عادت معنا وكانت من العبيد الذين استعادوا حريتهم بالعتق.

ونزلنا من الباخرة واستأجر لنا أخي (بلم) والبلم قارب نهري صغير يشبه الجندول وتشتهر البصرة به حيث كان واسطة من وسائط النقل المهمة في أنهر البصرة الكثيرة، ونزلنا إلى البلم أنا والخادمة ومعنا الأغراض وتوجه أخي الى البصرة بالسيارة. وميناء المعقل وأرصفته بناه جيش الاحتلال البريطاني عندما احتلوا البصرة عام 1914 وظل تحت إدارتهم وإشرافهم لفترة طويلة.

وسار بنا البلم وسط النهر متجهين من المعقل إلى ميناء العشار وبينما كنا وسط النهر الكبير شعرت بالعطش فقلت للخادمة إني أشعر بالعطش فأشارت بيدها إلى النهر وقالت بشيء من عدم الاكتراث اشرب من هذا، فعجبت لمبادرتها هذه وقلت لها كيف أشرب من ماء البحر فابتسمت ابتسامة التهكم وقالت هذا ليس بحراً بل نهراً وماؤه عذب ويمكنك أن تشرب منه فانحنيت فوق حافة البلم وبدأت العق من ذلك الماء وأروي عطشي وأنا في غاية الحيرة.

كانت رحلة البلم طويلة ومملة ولم يكن الهواء يساعد على استعمال الشراع لضعف سرعته فاضطر الملاح الذي في مقدمة البلم لاستعمال المجداف أما الملاح الذي في المؤخرة فكان يستعمل (الغرافة) وكانت مهمته مساعدة الملاح الذي في المقدمة وضبط سير البلم في المجرى الصحيح. وكلما طال الوقت ازددت مللاً وشعوراً بالوحدة والضياع، ومالي بهذا النهر العظيم وأشجار النخيل المتراصة على ضفتيه وحركة الأبلام والزوارق البخارية التي تمخر عبابه. وبدأ الحنين يتصاعد عندي إلى الأهل وأولاد الجيران وذلك الزقاق الضيق المترب وكل شيء حتى الكلاب السائبة التي كنا نطاردها بالحجارة. وفي النهاية دخلنا نهر العشار الصغير المتفرع من شط العرب والموصل إلى مدينة البصرة التي تبعد عن العشار بحوالي خمسة كيلومترات ورأيت البيوت المبنية من الطابوق والمكونة من طابقين على الضفة اليمنى من النهر ومنظرها يدل على أنها بيوت بعض الأغنياء وأصحاب النفوذ. أما الضفة اليسرى من النهر فكان يوازيها الشارع الرئيسي الذي يربط مدينة العشار بالبصرة وكانت تسير فيه بكثرة العربات التي تجرها الخيول ونسبة قليلة من السيارات وبعض الدواب التي تحمل مختلف السلع. وقد ألهتني هذه المناظر بعض الشيء عن حيرتي وضياعي.

وصلنا البصرة ودخلنا البيت قبيل آذان العصر بقليل فرأيت الوالد جالساً في فناء الحوش على حصير من الجولان (نبات نهري ينبت على شواطئ نهر شط العرب له ساق طويلة قد تصل إلى أكثر من متر وتصنع منه الحصران وتستعمل بكثرة في فصل الصيف. كما يستعمل الجولان لا سيما ذي السيقان القصيرة كعلف للحيوان. وكانت السفن تجلب منه كميات كبيرة الى الكويت) ومتكئا على بعض الوسائد وبقربه زوجته وطفلها الذي لم يتجاوز السنة وقد وصلا منذ بضعة أشهر إلى البصرة وكانت صينية الشاي في الوسط فسلمت عليه ومد لي يده فقبلتها ثم أخذ يسأل الخادمة عن تفاصيل السفرة وخرج بعد ذلك كعادته لصلاة العصر والذهاب إلى القهوة الذي اعتاد الجلوس فيها في محلة السيف ولم يعد إلا بعد صلاة المغرب وتناولت العشاء معه ثم صعدنا إلى السطح للنوم حيث كان الوقت صيفاً. وكانت وسائل الإضاءة الفوانيس التي تضاء بالنفط كما هو الحال في الكويت حيث لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى المساكن في تلك الأيام. وهكذا انتهت مرحلة من حياتي ودخلت في مرحلة جديدة تقرر فيها مصير المستقبل بالنسبة لي {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم}. كما جاء في الآية الكريمة.

أحوال البصرة في تلك الأيام

ولمحة سريعة عن تاريخها

كانت معالم الاحتلال العسكري البريطاني تشاهد في معظم الأماكن لا سيما في دوائر الحكومة. وأفراد الجيش الهندي وضباطهم الإنجليز حيث كانوا يشاهدون في معظم الأماكن إذ لم يمض على انتهاء الحرب العالمية الأولى سوى ثلاث سنوات.

وقد احتل البريطانيون البصرة في شهر نوفمبر سنة 1914 بعد معارك لا تكاد تذكر باستثناء معركة الشعيبة الحاسمة شمال غربي مدينة الزبير والتي كانت نتيجتها هزيمة الحامية التركية وانسحابها إلى الشمال فقد كانت غالبية أفرادها من المجندين المحليين يقودهم بعض الضباط الأتراك وبعضهم من رجال القبائل الذين تطوعوا للقتال بجانب الأتراك وكانت أهميتهـم القتالية ضعيفة ناهيك عن نقص العتاد ومواد التموين.

أما الحملة البريطانية فجاءت من الهند محمولة على ظهر عدة بواخر تحرسها قطع كبيرة من قطع الأسطول البريطاني. وخلال فترة دخول هذه القوات إلى شط العرب ونزولها في البصرة وانسحاب القوات التركية، عمت الفوضى المدينة وكثرت أعمال النهب والسلب لا سيما في المناطق التجارية بالعشار وخاصة في مخازن البضائع في منطقة الجمرك وسميت تلك الأحداث (الفرهود) وهو مصطلح محلي يعبر عن أعمال الفوضى والسلب والنهب حتى إن بعض العوام في البصرة جعلوا لتلك الفترة أهمية تاريخية فيقولون (سنة الفرهود) لكن القوات البريطانية استطاعت بسرعة فرض سيطرتها على الموقف واستعملت القوة والحزم لوقف التجاوزات غير المشروعة ومنذ ذلك الوقت بدأت المدينة تنعم بشيء من النظام والاستقرار وسيادة القانون بصورة لم تعهدها خلال فترة طويلة أثناء الحكم العثماني.

وإليك مثالاً على ذلك ما كتبه شاهد عيان وهو المحامي المعروف سليمان فيضي في كتابه (في غمرة النضال) عن تلك الأيام. أيام العهد العثماني في العراق عامة والبصرة خاصة فيذكر بالنص "كانت من نتائج سوء الإدارة أن فقد الأمن في ربوع البلاد وأصبح اللصوص وقطاع الطرق في مأمن من العقاب يرتكبون جرائمهم في وضح النهار دون خوف أو وجل وكان الحال في المدن الكبرى مثل بغداد والموصل أهون شراً منها في النواحي البعيدة ولكنها في البصرة بلغت حداً خطيراً حتى ساد فيها قانون الغاب وأصبح من هم الناس أن يحرسوا أملاكهم بأنفسهم وأن يدافعوا عن حياتهم بسلاحهم". ثم يواصل الكاتب حديثه فيقول: "وأنا أذكر جيداً الحوادث المؤلمة التي كانت تروع سكان المدينة الآمنة بين حين وآخر وأذكر كيف كان بعض الرجال المدججين بالسلاح يدخلون السوق الرئيسية في وضح النهار فينهبون أموال الصيرفيين ويقتلونهم ثم يخرجون آمنين وأذكر أيضاً تلك الأمسيات القاتمة عندما تهاجم عصابة من أربعين أو خمسين شخصاً مسكن أحد الأثرياء أو مخزناً تجارياً فيقلعون الأبواب والنوافذ ويدخلون ويفتكون بساكنيها لا فرق عندهم بين صغير أو كبير في حين يقوم أعوانهم في سد الطرق المؤدية إلى المكان. فإذا انتهى الغزو حملوا المسروقات إلى البساتين المتاخمة لاقتسام الغنائم وهم يرددون الأهازيج ويطلقون الرصاص اعتباطاً.. كل هذا والحكومة ساهرة على الأمن وأعز الله السلطان!

ويواصل الكاتب وصفه لتلك الأيام السوداء فيقول: "وأذكر جيداً يوم اغتيل الحاج منصور السلمان عميد أسرة السلمان المعروفة بالبصرة بينما كان جالساً في مقهى التجار في البصرة المكتظة بالوجوه والأعيان وكيف سار الشقيان الهوينا بعد اقتراف جريمتهما المنكرة وتواريا عن الأنظار آمنين. وبصورة مماثلة اغتيل خالد باشا العون شيخ الزبير آنذاك في عرض الشارع المؤدي إلى جامع (ذي المنارتين) في البصرة". انتهى..

هذا شيء من تاريخ البصرة الحديث أما تاريخها القديم فقد بدأ في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أمر ببنائها سنة 15 للهجرة قرب مكان يسمى الخريبة قرب مدينة الزبير الحالية لتكون قاعدة عسكرية أمامية للمسلمين لفتح العراق وبلاد فارس وقد بنى فيها الإمام علي رضي الله عنه الخليفة الرابع مسجداً كبيراً لا تزال آثاره باقية عند مدخل مدينة الزبير من الشرق. كما وقعت قربها معركة الجمل المشهورة. وقد اشتهرت البصرة في العهود الإسلامية الأولى كمركز هام للثقافة الإسلامية والعربية كما اشتهرت بعلمائها وفقهائها في الدين واللغة العربية من أمثال الحسن البصري والجاحظ وأنس ابن مالك وبشار ابن برد والخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي وضع أوزان وبحور الشعر وأبي الأسود الدؤلي وغيرهم وعندما بدأ الانحلال يظهر في الخلافة العباسية سرت العدوى إلى مدن العراق ومنها البصرة فقامت ثورة الزنج والقرامطة ثم توالت عليها النكبات خلال فترة الحكم العثماني التركي الذي دام أربعة قرون والذي انتهى بالاحتلال البريطاني كما سبقت الإشارة.

ومادمنا في سياق الحديث عن التاريخ فإن عام 1921 كان عاماً له أهمية خاصة في تاريخ العراق الحديث حيث في شهر مارس (آذار) من ذلك العام انعقد (مؤتمر القاهرة) وحضره نخبة من رجال الإمبراطورية البريطانية ومن بينهم المستر ونستن تشرشل وأظنه كان وزيراً للمستعمرات في ذلك الوقت كذلك كان من بين الحاضرين السير برسي كوكس المندوب السامي في العراق والمس بيل وهي من المتخصصات بالشئون العربية وبخاصة شئون العراق وكانت لها أدوار هامة في توجيه السياسة البريطانية في المنطقة ولها رسائل مشهورة مطبوعة باسمها، كما حضر المؤتمر الكولونيل لورنس الملقب (لورنس العرب).

وفي ذلك المؤتمر تم ترشيح الأمير فيصل ابن الحسين ملكاً على العراق وكان الأمير فيصل في ذلك الوقت في لندن وبلغ بالخبر ويقول المؤرخ (فيليب أرلند) إنه عندما ذهب السير (كنهان كورنوالس) إلى الفندق ليخبر الأمير فيصل بهذا الترشيح وكان الوقت ليلاً فلم يجده فظل ينتظره حتى عاد عند منتصف الليل فأطلعه على البرقية الواردة من القاهرة فقال الأمير فيصل لكورنوالس "أنا لا أستطيع أن أتخطى أخي عبدالله فهو أكبر مني سناً" فرد عليه كورنوالس نحن على اتصال بالأمير عبدالله وقد تم التفاهم معه فقبل فيصل الترشيح وبدأ يستعد للسفر. وقد أقلته فيما بعد سفينة حربية إلى ميناء البصرة حيث وصل في شهر يونيو (حزيران) من ذلك العام وجرى تتويجه ملكاً على العراق في بغداد في أغسطس آب 1921 (أنظر الصورة).

أما كورنوالس هذا فقد أصبح له تاريخاً حافلاً في توجيه الوضع السياسي بالعراق حيث عين كمستشار لوزارة الداخلية وظل في هذا المنصب حتى عام 1935 عندما جاء رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية في وزارة ياسين الهاشمي فأنهى خدماته بصورة استفزازية أثارت حقد وغضب السلطات البريطانية. ومن سخريات القدر أن يأتي السير كنهان كورنوالس هذا سفيراً لبلاده في العراق قبيل تسلم رشيد عالي رئاسة الوزارة في عام 1941 وهو العام الذي قامت فيه حركة رشيد عالي والقواد الأربعة حيث لعب كورنوالس دوراً هاماً في إجهاضها الذي أدى إلى هروب رشيد عالي والذين قاموا بالثورة إلى طهران وبقاء كورنوالس (راجع التفاصيل عن الحركة في آخر فصول الكتاب)!!

الالتحاق بالمدرسة في البصرة

بعد أيام قليلة من وصولي أدخلوني في إحدى المدارس التي تم فتحها في المدينة بعد الاحتلال البريطاني وبداية الحكم الوطني وتقع في محلة السيف وحملت نفس الاسم "مدرسة السيف" وكانت بالمستوى الابتدائي. وكان البناء على الطراز القديم بطابق واحد مربع والغرف تطل على باحة كبيرة (حوش) كانت متنفساً للتلاميذ في أوقات الفرص بين درس وآخر حيث يطغى في تلك الساحة الهرج والصخب أثناء تواجد التلاميذ فإذا دق الجرس هدأت الأمور وخلت الباحة ممن فيها.

والداخل الى الغرف يشاهد تأثير الرطوبة العالية على الجدران المبنية من الطابوق الأصفر (الطوب المفخور) غير المطلي فتجد الثقوب التي تعشش فيها الحشرات بأشكالها كما تتواجد المقاعد الخشبية على الأرض مباشرة ما يجعل الرطوبة لا تطاق في أيام الشتاء لا سيما عند هطول الأمطار وامتلاء شوارع المدينة بالأوحال التي تتشبع بها أحذيتنا فتزيد الطين بلة كما يقول المثل.

وكانت المدرسة كما ذكرت ابتدائية تبدأ بالصف الأول وتنتهي بالسادس. وكان يوجد صف تحضيري أشبه (بالروضة) اسمه "صف الصبيان" وقد ألحقوني به وكانت تدرس فيه مبادئ الكتابة والقرآن الكريم والحساب. وقد سبق لي كما ذكرت أن تعلمت شيئا من ذلك في الكويت ولذلك شعرت أني في مستوى أعلى. ولم تطل الإقامة في المدرسة حيث بدأت العطلة الصيفية بعد بضعة أيام.

وكان ذلك الوقت بداية نضوج ثمر النخيل (التمر) وكانت عادة بعض ملاك بساتين النخل في تلك الأيام الانتقال إلى تلك البساتين للإشراف على جني الثمار ويسمونه (موسم القصاص) أي قص العثوق المتدلية من النخلة والمحملة بالتمر. وكانت لهم بيوت ريفية غالبها يقع على شواطئ الشط أو على أحد فروعه الكثيرة وكانت للوالد قطعة من النخيل تقع في جزيرة الصالحية الواقعة بين شط العرب والنهر المسمى باسمها. وكان لنا هناك بيت ريفي بسيط تقضي فيهالعائلة فترة ثلاثة أشهر تنتهي مع انتهاء موسم قطف التمور وبيعها.

وهكذا تم الانتقال إلى هناك بواسطة البلم الذي كان أهم واسطة للنقل في تلك الأيام لا سيما وأن البصرة كما ذكرت يخترقها الكثير من الأنهار المتفرعة من شط العرب حيث تروي بواسطتها الكثير من بساتين النخيل وفي الوقت نفسه تقوم بمهمة طرق للمواصلات النهرية بين قرى وأماكن كثيرة وقد اشتهرت البصرة منذ القدم بهذه الأنهر.

وفي تلك الفترة التي أتحدث عنها (عام 1921) لم تكن خطوط الكهرباء أو الماء قد وصلت إلى البيوت ولهذا فإن الحياة في الأرياف لم تكن تختلف كثيراً عن الحياة في المدن وقد تكون في كثير من الأحيان أيسر من الناحية المعيشية بصورة خاصة. وعلى ما أذكر فإن الكهرباء لم تصل إلى معظم البيوت في البصرة إلا في عام 1927 ولم تصل المياه عن طريق الأنابيب إلا في عام 1925.

كان بيت الوالد يقع في محلة الباشا وهو مبني على الطراز القديم كما ذكرت وكان قبل ذلك تملكه عائلة الشبيلي النجدية وكان يستعمل (خاناً) لخزن البضائع وأتذكر أن الوالد كان عندما يريد أن يصف الموقع لإيصال بعض حاجات البيت يقول للشخص هل تعرف (خان الشبيلي)؟

والبيت مؤلف من طابقين طابق أرضي فيه غرف واسعة مظلمة معد لخزن البضائع والطابق العلوي كان مخصصاً للسكن أما الباب الخارجي للبيت فكان أشبه بأبواب القرون الوسطى ذي فردة واحدة طولها حوالي مترين ونصف وعرضها يزيد على المتر والربع وسمكه بحوالي العشرين سنتمراً وليست له مفاصل بل يرتكز على محور أرضي من الحديد ومحور آخر علوي وذلك لسبب ثقله وله عوارض خشبية من الداخل مثبتة بمسامير ضخمة بارزة من الخارج كما كان له قفل ضخم مثبت من الداخل من الحديد وللقفل (الكيلون) مفتاح ضخم طوله حوالي ثلاثين سنتيمتراً وتسمع رنينه عندما يقفل من مسافة بعيدة. ومن الواضح أن صنع أبواب المنازل بهذه الضخامة مرده إلى اضطراب حبل الأمن في العهد العثماني كما سبقت الإشارة. ويقع بيت متصرف البصرة -أحمد باشا الصانع- بالقرب من بيتنا وصدف في تلك السنوات أن زار الملك فيصل الأول البصرة ونزل في بيت المتصرف على ما أذكر وقد ازدانت شوارع المحلة بالزينات وفرشت الشوارع بالسجاد العجمي.

وكانت المياه المستعملة للبيوت على نوعين نوع مخصص للشرب وينقل للموسرين من شط العرب بواسطة (البلم) في أواني نحاسية تسمى الواحدة منها (مصخنة) وهو نفس النوع الذي تحمله النساء الفلاحات لنقل المياه من الشط الى بيوتهن. أما النوع الثاني من المياه وهو ما يخصص للأغراض المنزلية وهذا ينقله السقاء من شط العشار إلى البيوت ولم تكن توجد تصفية للمياه أو أي تعقيم ولهذا فالأمراض الباطنية منتشرة على أشكالها مثل (الدسنتطاريا) الزحار (والبلهاريزيا) البول الدموي وأمراض الديدان المعوية المختلفة. ناهيك عن مرض الملاريا الذي اشتهرت به البصرة في تلك الأيام وكنت من ضحاياه كما سيأتي ذكره وسبب انتشار تلك الأمراض المشار إليها إن غالبية أهل البصرة كانوا يشربون من مياه السواقي القريبة من مساكنهم وحتى مياه شط العرب التي أشرنا إليها لم تكن خالية من جراثيم تلك الأوبئة.

أعود إلى انتقالنا إلى البيت الريفي في الصالحية فأذكر أن حالتي النفسية القلقة المتأثرة بفراق الأهل والوطن قد طرأ عليها التغير وذلك بسبب تغير المكان والأشخاص فجمال الريف ومنظر الشط والسفن الشراعية والبخارية وجني ثمار النخيل وأشجار الفاكهة مثل العنب والخوخ (الدراق) والرمان تتدلى منها ثمارها وفي متناول اليد كذلك كثرة أنواع الخضار المزروعة حول البيت وعلى شواطئ السواقي الصغيرة المنتشرة بين أشجار النخيل. كما سنحت لي الفرصة للتعرف على أبناء الفلاحين الذين كانوا في مثل عمري وكنت العب معهم بمرح وانطلاق لم أعهده منذ فارقت الكويت.

ومع كل هذا فان الوالد رحمه الله كان يشدد علي الحصار بين الحين والآخر لا سيما وقت الظهيرة فكان يجبرني على النوم بالقرب منه خشية منه علي من الذهاب للاستحمام في النهر وتعرضي للشمس المحرقة وغير ذلك من الأخطار. وكانت هناك أيام استمتع بها بكامل حريتي وذلك عندما يغادر في الصباح إلى العشار والبصرة ولا يعود إلا في المساء وذلك يحدث كل أربعة أو خمسة أيام. فمن السباحة في النهر وعدم النوم ظهراً إلى قضاء معظم الوقت في بيوت الفلاحين القريبة من بيتنا واللعب مع أولادهم والذهاب معهم إلى أماكن بعيدة لجلب الحشيش إلى أبقارهم التي لا يكاد يخلو منها بيت.

وعلى ذكر الفلاح فقد كان عندنا في أرض الوالد التي كانت تبلغ مساحتها حوالي ثلاثين جريباً (الجريب حوالي أربعة آلاف متر مربع) أو فداناً أربعة فلاحين مع عائلاتهم يسكنون في الأرض بصورة دائمة ولهم حصة معينة سنوية بعد بيع محصول التمر توزع فيما بينهم. كما أن للفلاح الحق في زرع ما يشاء من الخضروات لاستهلاكه وبيع ما زاد منها عن حاجته ولكن الفلاحين البعيدين عن مركز المدينة يصعب عليهم بيع الفائض عندهم بسبب صعوبة المواصلات ولذا تجدهم لا يهتمون كثيراً في زيادة الإنتاج عن حاجتهم. كذلك فيما يتعلق بالفاكهة فان لهم الحق أن يأكلوا منها مع عدم السماح لهم بالبيع لأن الفاكهة تعتبر ملكاً لصاحب الأرض ويعتبر هذا النوع من الاتفاق هو المتعارف عليه غالباً بين الفلاح والمالك وعلى العموم فالفلاح في العراق في تلك الأيام ومما بعدها حتى ثورة تموز (يوليو) 1958 كان خاضعاً لنوع من النظام الإقطاعي لا سيما في منطقتي دجلة والفرات حيث تنتشر زراعة الرز والقمح والشعير بصورة خاصة وقد سمعنا قصصاً كثيرة عن قسوة الإقطاع هناك والاستهتار بحقوق الفلاحين واعتبارهم كالعبيد حتى أن بعض كبار الإقطاعيين كانت لهم سجون خاصة لسجن الفلاحين!

أما في منطقة البصرة فكان الوضع يختلف والعلاقة بين المالك والفلاح لا تصل الى المستوى الذي أشرنا اليه في الإقطاعيات الشمالية كذلك فإن معظم بساتين النخيل في البصرة يملكها صغار الملاك والعلاقة بين الملاك وفلاحيهم وفي البصرة على وجه العموم أكثر إنسانية.

موسم قطف التمور في البصرة

يبدأ موسم قطف التمور في البصرة اعتباراً من نهاية شهر آب (أغسطس) وبداية سبتمبر (أما نضوج الرطب فيبدأ في النصف الثاني من شهر تموز "يوليو" ويتقدم إذا كان الصيف شديد الحرارة والرطوبة ويتأخر إذا كان الصيف معتدل الحرارة ولكن بأيام معدودة) من كل عام وينتهي عند منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) وكانت تلك الفترة فترة خير وبركة على الكثيرين من أهل البصرة وغيرها من مناطق البلدان المجاورة بالنظر لما تهيئه من مصادر للرزق للكثيرين في شتى المجالات والأعمال.

فعلاوة على السفن البخارية التي قد تصل حمولتها إلى عشرة آلاف طن وأكثر تصل إلى ميناء البصرة لحمل التمور المعبأة بالصناديق للأصناف المطلوبة في أوربا وأمريكا. فهناك الكثير من السفن الشراعية الخليجية وعلى الأخص سفن الكويت وعمان تصل إلى البصرة لنقل التمور المعبأة (بالخصاف) المصنوع من خوص النخل إلى سواحل أفريقيا والبحر الأحمر والهند.

وكان المرحوم الحاج حمد العبدالله الصقر من أكبر التجار المصدرين للتمور بواسطة السفن الشراعية، كما أنه يعد من كبار الملاك الكويتيين لبساتين النخيل في منطقة البصرة في تلك الفترة. كما أن عائلة آل الصباح كانت وما زالت تملك أراضي واسعة لزراعة النخيل في منطقة الفاو وما جاورها. وكذلك عائلة آل الابراهيم وبجوار أراضي الوالد كانت توجد أرض يملكها أحمد وصالح أبناء محمد صالح الحميضي وكان الوالد يتولى الإشراف عليها وبعد وفاة الوالد تولى العم عبدالرحمن البدر مهمة الإشراف عليها وعلى بساتين أخرى اشترياها فيما بعد.

وأذكر من الكويتيين الذين تملكوا بساتين النخيل في منطقة الصالحية المرحوم جبر الغانم ولم تكن أرضه بعيدة عنا وكان الوالد يزوره في بعض الأمسيات ويصحبني معه. والواقع أن الاستثمارات الكويتية في ذلك الوقت كانت محدودة وكانت مقتصرة على الهند والعراق ومنطقة البصرة بالذات حيث كانت هذه منطقة جذب بالنسبة للكويتيين المقتدرين بالنظر لقربها من بلدهم ولتوفر وسائل المعيشة الرخية فيها. أما على الصعيد التجاري فإن سفنهم الشراعية كانت تتردد على ميناء البصرة باستمرار حاملة البضائع المختلفة من وإلى الميناء كما كان لبعض الكويتيين مكاتب تجارية هناك.

زراعة النخيل في منطقة البصرة

تعتبر مدينة القرنة ضمن الحدود الشمالية لمنطقة البصرة حيث عندها يلتقي النهران العظيمان دجلة والفرات ويتفرع منهما النهر الكبير المسمى (شط العرب) وعلى ضفتي هذا الشط العظيم تقع بساتين النخيل حتى مدينة الفاو حيث تلتقي مياه شط العرب بمياه الخليج. وفي هذه المنطقة تزرع مئات الأصناف من التمور وقد ذكر الشيخ عبدالقادر باشا أعيان في كتابه -النخلة سيدة الشجر- ستاً وثمانين صنفاً سماها بأسمائها وأشهرها (البرحي) والحلاوي والخضراوي والساير أو السعمران والقنطار الى آخر القائمة. وقد أشار إلى البرحي فقال أن تمر البرحي لم يكن معروفاً إلا في حوالي المائة عام حيث نبتت هذه الشجرة المباركة في أرض براح أي مكشوفة تملكها عائلة معروفة في مدينة أبي الخصيب وهي عائلة -آل زيدان- فوجدوا أن ثمرها كان من النوع الممتاز الذي لم يكن معروفاً لديهم في الماضي فسموه (برحي) واهتموا به وتكاثرت زراعته يوماً بعد يوم.

ومما لا شك فيه أن شجرة النخل شجرة مباركة فقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في عدة سور ومنها سورة مريم وبسبب وفرة المواد السكرية في التمر فبالإمكان الاحتفاظ به مدداً طويلة دون أن يتلف ومع احتفاظه بطاقته الغذائية الكبيرة ولهذا فإن التمر كان أحد المواد الغذائية الرئيسية التي تزود بها السفن عند إبحارها لأشهر طويلة وكذلك بالنسبة للقوافل التي ترتاد الصحاري القاحلة. ولم يكن في المنطقة أي بيت كبيراً كان أو صغيراً إلا ويحتفظ بكمية من التمر كمادة غذائية رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها وذلك تمشياً مع الظروف المعيشية التي كانت سائدة في تلك الأيام. وهناك مواد أخرى في النخلة ذات فائدة لا يستهان بها فجذع النخلة يستفاد منه في عدة أمور مثل تسقيف البيوت وأنا أذكر أن بعض البيوت الكويتية القديمة كانت سقوفها من جذوع النخل. كذلك فإن سعف النخلة يستعمل للوقود كما تصنع من جريد النخل بعض الحوائج المنزلية مثل الأسرة والأقفاص وغيرها ويصنع من (الخوص) أوراق السعف الحصران والسلال وغيرها.

الحياة في أرياف البصرة

الواقع أن الحياة الريفية في البصرة في تلك الأيام كانت أيسر وأوفر لا سيما وأن المنتقل إلى الأرياف لا يفقد الكثير من حياة المدينة فالكهرباء لم تكن موجودة في المدن ولم تكن هناك مياه تصل إلى البيوت كما سبقت الإشارة وغالباً ما تكون غير نظيفة لا سيما إذا كانت منقولة من الأنهار الفرعية.

أما في الأرياف الواقعة علي شط العرب أو على فروعه الرئيسية فإن مياه الشرب فيها أنظف بكثير.

والحقيقة أن المعيشة الريفية كانت مريحة ورخية حتى بالنسبة للفلاح فمع الدخل البسيط الذي يحصل عليه فإنك لا تشعر بأنه معرض إلى نقص في التغذية فمن النادر أنك تجد فلاحاً لا يملك بقرة وكان سعرها في ذلك الوقت لا يزيد على الأربعين روبية أي ثلاثة دنانير للأنواع الممتازة. والبقرة في الريف لا تكلف الفلاح شيئاً لأن علفها متيسر وبكثرة. وزوجة الفلاح لا تقل نشاطاً عن زوجها سواء في داخل البيت أو خارجه فهي التي تهتم بشئون البقرة وطبخ الطعام وخبز الخبز يومياً حيث أن الخبز لا يباع عند الخبازين في الأرياف بل يخبز في التنور داخل البيت أو خارجه. وغالبية الغذاء اليومي للفلاح كما شاهدته الرز المسلوق مع اللبن الرائب والخبز والتمر. أما الأدام فأحيانا يكون من السمك الذي قد يصطاده الفلاح أو أبناؤه من النهر. وهناك نوع من السمك المملح يجلب من منطقة الأهوار في شمال البصرة واشهر أنواعه (البرزم) وجمعه برازم وعلاجه بالملح قريب الشبه بالفسيخ المصري ومجلب إلى هذه المناطق بواسطة الأبلام أو (المشاحيف) التي هي قريبة الشبه بالجندول الإيطالي وتكون عادة ذات لون أسود لأنها مطلية من الخارج بالقار لكي يحفظها من تسرب المياه ومن الغريب أن غالبية الذين يمارسون مهنة البيع في الأنهر بهذه (المشاحيف) والمفرد يسمى مشحوف من النساء اللاتي ينتمين إلي قبيلة (المعدان) في منطقة الأهوار والمفرد للمذكر معيدي وللمؤنث معيدية ولأنهن يأتين من مسافات بعيدة فقد هيأن أنفسهن للعيش في مراكبهن كما يفعل بعض سكان الشرق الأقصى. وتتم عملية البيع والشراء غالباً بطريقة المقايضة بالتمر. هذا في السمك أما اللحم فان الفلاح لا يستطيع شراءه إلا بالمناسبات لغلائه نسبياً أما الدواجن فهي متيسرة ولا يخلو منها بيت في الريف وعلى ذكر منطقة الأهوار في شمال البصرة أعتقد أن من الفائدة إعطاء نبذة عابرة عنها فالمنطقة عبارة عن بحيرات هائلة من المياه الضحلة تقدر مساحتها بآلاف الكيلومترات وتزداد هذه المنطقة اتساعاً في موسم الفيضانات لنهري دجلة والفرات في فصل الربيع حيث تصل المسافة المغمورة بالمياه إلى مشارف مدينة الكوت وأشهر هذه الأهوار هو هور الحفار وتكثر في هذه البحيرات الهائلة أنواع من الأسماك النهرية كما تتواجد فيها الخنازير الوحشية التي تعيش بين أشجار القصب الكثيفة التي تنبت على الطبيعة وبكثرة ومن هذا القصب تصنع الحصران التي تسمى (البواري والمفرد بارية) ومن القصب والبواري تصنع بيوت القرويين هناك. كما أن قسما كبيراً من أراضي هذه الأهوار صالحة لزراعة الرز لا سيما بالقرب من مدينة العمارة.

ولقد ألف الرحالة البريطاني ولفرد ثاسجر (The Marsh Arabs-Wilfred Thesiger) كتاباً قيماً وصف فيه وصفاً دقيقاً لتلك الأماكن وأهلها وقبائلها بعد أن عاش معهم عدة سنوات وتحمل شتى أنواع المشاق في سبيل هذه المهمة.

وأعود إلى الفترة التي دامت حوالي ثلاثة أشهر من صيف 1921 والتي قضيتها في بساتين النخيل حيث تفتحت أمامي ولأول مرة معالم عالم جديد وكيف أن موسم قطف التمور وتصديرها يفتح أبواباً كثيرة للرزق لأهل البلاد ولغيرهم من تجار وعمال وحراس وأصحاب الحرف المختلفة وقد رأيت رجالاً من نجد يأتون في هذا الموسم لكسب الرزق ويقومون بمهمة الحراسة في بساتين النخيل.

العودة إلى المدرسة

عدت إلى المدرسة بعد عودة العائلة إلى مدينة البصرة أو بعد انتهاء موسم تصريف التمور وكما أشرت سابقاً فإن تلك السنة كانت أولى سنوات الحكم الوطني في العراق ويذكر الأستاذ ساطع الحصري في كتابه (مذكراتي في العراق) عن المرحلة ما بين 1921-1927 أنه كان في وزارة المعارف مستشار إنجليزي وكان يسير على خطة المستر دنلوب المشرف على شئون المعارف في الحكومة المصرية. فالدراسة الابتدائية كانت ست سنوات، اثنان منها تسمى أولية والأربعة الباقية تسمى ابتدائية - أي كانت التسمية أول أولى، ثاني أولى، ثم أول ابتدائي وهكذا وقد أجرى الأستاذ ساطع الحصري تعديلات جذرية في نوعية الدراسات بعد أن أوكلت له مهمة وضع أسس جديدة.

كذلك كانت هناك مدارس خاصة مثل المدرسة الأمريكية وأصبح لها فرع فيما بعد في مدينة البصرة لتعليم البنات. وكانت هناك أيضاً مدرسة الاليانس اليهودية والتي مركزها الرئيسي في باريس ولها فروع في كافة البلاد العربية وفي تركيا وبلاد فارس والدروس فيها تدرس باللغة الفرنسية.

ولا أذكر كم من الأشهر مكثت في الصف التحضيري أو صف الصبيان كما كان يسمى حيث نقلت بعد هذه المرحلة إلى الصف الأول أولي وكان مدرسونا خليطاً من الشباب الذين تخرجوا حديثاً في دورات التدريس التي كان مستواها أقل من مستوى الدراسة الثانوية. كما كان من بين المدرسين من هم أكبر سناً ومن الذين خدموا في العهد العثماني وكانوا أوسع خبرة.

وخلال هذه الفترة وما بعدها تعاقدت الحكومة العراقية مع بعض المدرسين من البلاد العربية مثل سوريا ولبنان وفلسطين لسد بعض النقص في أجهزة التدريس وأذكر في فترة الدراسة الابتدائية أن جاءنا مدرس من بيروت اسمه عبدالرحمن العيتاني كان يدرسنا الحساب واللغة الإنجليزية وكانت غالبية التلاميذ تحبه ونحترمه والواقع أن الأستاذ ساطع الحصري عمل كثيراً من أجل تطوير أنظمة التدريس في العراق حيث كانت له خبرة واسعة في مجال التربية والتعليم منذ العهد العثماني كما أصبح فيما بعد وزيراً للمعارف في دمشق في عهد الملك فيصل أيام حكمه القصير كملك لسوريا بعد تحريرها من العثمانيين الأتراك. وقد جاء الأستاذ الحصري إلى العراق بناء على رغبة الملك فيصل وتأييده حيث استطاع التغلب على كثير من الصعاب والمضايقات التي كان يواجهها من السلطات البريطانية وبعض العناصر المحلية كما يشير في مذكراته.

وكانت نوعية الدروس في المدارس الابتدائية تشبه إلى حد ما ماهي عليه الآن وكانت اللغة الإنجليزية تدرس في الصفين الأخيرين أي الخامس والسادس ابتدائي.

وكانت بعض كتب الدراسة تأتي من مصر مثل كتاب (القراءة الرشيدة) أما كتب تدريس اللغة الإنجليزية فكانت تأتي من بيروت ومن الكتب التي تدرس في الصفوف التحضيرية في الجامعة الأمريكية.

وأود الآن أن أترك موضوع المدرسة والدراسة جانباً لأعود إليه فيما بعد وأذكر شيئاً عن الحياة خارج المدرسة.

فالوضع السياسي كان كما أشرت سابقاً احتلالاً بريطانياً في البداية ثم مجيء الملك فيصل في صيف 1921 بصفته ملكاً على العراق في الوقت الذي كانت فيه هيمنة بريطانية تحت اسم الانتداب. إنما مع مرور الزمن بدأت معالم الحكم الوطني تبرز للعيان وبرزت شخصيات عراقية اشتهرت بوطنيتها وإخلاصها للبلاد مثل ياسين الهاشمي وجعفر أبو التمن وعبدالمحسن السعدون وغيرهم وبشهادة الكثيرين ممن أرخوا لتلك المرحلة من عرب وأجانب فإن الملك فيصل الأول لم يكن ألعوبة بيد الإنجليز بل كان في كثير من الحالات يقف إلى جانب المعارضة من أجل تحقيق الأماني الوطنية للشعب العراقي بقدر ما كانت تسمح به الظروف وقد قاسى من وراء ذلك الكثير من المصاعب والمتاعب مع المواطنين ومع الإنجليز على حد سواء كما سبق وذكرت.

وكانت البلاد تمر في تلك الأيام في فترات من الأمن والرخاء لم تعهدها من قبل وبسبب ظروف الحرب وما بعدها وانتعشت التجارة وارتفعت أسعار الأراضي والمحاصيل الزراعية وظهرت ثروات بيد بعض الأفراد لم تكن معروفة من قبل وارتفعت أسماء وهبطت أسماء. وكما هو الحال في كل زمان ومكان فعندما تأتي الثروة بسرعة يسهل مجال الصرف والبذخ وهكذا بين عشيته وضحايا زالت معظم تلك الثروات وباع البعض أملاك آبائهم وأجدادهم بسب تعودهم على تلك الحياة الباذخة ثم أصبحوا على بساط الفقر.

العودة إلى الكويت

في صيف 1923 أي بعد سنتين من مغادرتي الكويت وصل جدي لأمي إلى البصرة وقابل الوالد وطلب منه الموافقة على سفري معه إلى الكويت لزيارة الوالدة فوافق الوالد لا سيما وأن عطلة الصيف قد بدأت. ولا أستطيع أن أصف فرحتي عندما أخبرني جدي بأن الوالد وافق على سفري وبلمح البصر لملمت بعض حوائجي المتواضعة حيث ذهبنا إلى العشار وهو الاسم الذي يطلق على جزء من مدينة البصرة المشرف على نهر شط العرب ويقال انه سمي بهذا الاسم حيث كانت السلطة أو الحكومة لها موظف هناك يجبي ضريبة العشر على السلع والأطعمة المستوردة إلى داخل المدينة.

قضينا ليلة في أحد الخانات هناك وفي الصباح ركبنا بأحد الأبلام العشاريه وتوجهنا نحو (بوم) كويتي ألقى مراسيه في الشط وكان محملاً (بالبواري) جمع بارية وهو نوع من الحصران المصنوعة من القصب والتي أشرت إليها في مناسبة سابقة. وبسبب خفة وزن البواري فإن ارتفاع الحمولة كان يعلو على سطح السفينة الذي لم يبق منه إلا بضعة أقدام مربعة مما اضطرنا إلى الصعود على البواري والنوم فوقها ليلاً.

لا أتذكر متى تحركت السفينة ولكن أتذكر أن الريح الشمالية التي كانت تهب في ذلك الوقت كانت ضعيفة ولهذا فإن مجرى تلك السفينة الشراعية كان بطيئاً كذلك كان مجراها يتأثر بتيارات المد والجزر التي امتاز بها نهر شط العرب.

كان اتجاهنا نحو الفاو وهو ميناء البصرة الذي يقع عند ملتقى شط العرب بمياه الخليج وهناك يوجد مركز للجمارك ومحطة تلغراف منذ أيام العهد العثماني وقد أجرى عليها الإنجليز بعض التحسينات ولم تكن هناك إدارة للجوازات ولهذا لم يطالبنا أحد بجواز لا في العشار ولا في الفاو ولم أكن أحمل جوازا على أي حال!

وبسبب بطء سير السفينة كما أشرت فقد دامت الرحلة أكثر من يوم وليلة على ما أذكر والبوم الذي نحن بصدده يسمى بالمصطلح المحلي (بوم قَطَّاع) وهذا النوع من السفن الشراعية يستعمل لنقل البضائع في منطقة الخليج وهو عادة أصغر حجما من (البوم السفَّار) الذي يكون مهيئاً للسفر خارج منطقة الخليج مثل الهند وشرق أفريقيا وقد تصل حمولة الواحد منه ما بين 350 و 400 من الأطنان.. وعلى ذكر هذه الرحلة فكان الخيار محدوداً فيما يتعلق بوسائل السفر فالبواخر في تلك الأيام مع وجودها لم يكن قد تم تنظيم مواعيد سفرها بين الكويت والبصرة كما أن الطريق البري لم يكن مطروقاً من قبل السيارات التي لم يبدأ سيرها بانتظام إلا في عام 1927 كما سيأتي ذكره وكان السفر براً بين البصرة والكويت يتم في تلك الأيام وما قبلها بواسطة الجمال أو البغال وكانت مدينة الزبير محطة هامة لتلك القوافل.

واصلنا سيرنا البطيء نحو الفاو فوصلناها عند المغرب وقد أرخى الظلام سدوله. فبتنا فوق البواري كما أشرت وفي الصباح قبل طلوع الشمس أذن المؤذن لصلاة الفجر ثم تناولنا الشاي وعندما طلعت الشمس غمرت بأشعتها الذهبية أشجار النخيل المتراصة على ضفتي النهر ومع صعوبة تلك الرحلة ومشقتها إلا أني كنت أشعر بسعادة عارمة ولأول مرة منذ مغادرتي الكويت. حيث بعد تلك الغيبة الطويلة بدأ حلم العودة يتحقق.

ارتفعت الشمس وبدأت حرارتها تشتد شيئاً فشيئاً وكانت السفينة قد ألقت مراسيها أمام مركز الكمرك القديم الذي بناه الأتراك وإذا بنا نرى عن بعد زورقاً بخارياً يقف بجانب المركز ويرفرف عند مؤخرته علم الكويت!

فصاح جدي هذا (لنج) عبدالعزيز السالم، وطلب جدي من ربان السفينة (النوخذة) أن يأمر بعض بحارة البوم لتوصلنا إلى الزورق بواسطة القارب الصغير المربوط بمؤخرة السفينة والمخصص لمثل هذه الخدمات ويسمى بلغة أهل البحر (القلص). وعند اقترابنا من الزورق البخاري تأكدنا بأنه الزورق الذي يستعمله عبدالعزيز في تنقلاته بين البصرة والفاو والكويت للإشراف على أملاك آل الصباح، هذه الوظيفة التي ورثها عن أبيه سالم البدر عند وفاته عام 1895 حيث كان سالم البدر يقوم بهذه المهمة منذ عهد صباح الثاني حاكم الكويت الرابع. عرف المرحوم عبدالعزيز السالم بأننا متجهان إلى الكويت فعرض على الجد أن نصحبه في هذه الرحلة فقبل العرض مسروراً وشاكراً وعدنا الى البوم ودفعنا للنوخذة أجرته وحملنا أمتعتنا إلى (اللنج) وما هي إلا لحظات حتى حان وقت الغداء وشتان بين ذلك الغداء الدسم والوجبات البسيطة التي تناولناها في البوم. وقضينا ذلك النهار في الفاو وبتنا ليلتنا في الزورق وفي الصباح الباكر غادرنا الفاو وباتجاه الكويت. وكانت سفرة من أسعد السفرات بالنسبة لي على الأقل. ومن حسن الطالع أن البحر كان هادئاً في ذلك اليوم والنسائم الباردة تهب علينا من كل الجهات بسبب حركة القارب وصوت المحرك الرتيب تتردد أصداءه وكأنه بالنسبة لي يعزف إحدى السمفونيات الخالدة وواصلنا المسير حتى مال قرص الشمس الأحمر نحو الغروب ومررنا بين جزيرتين وعرفت من الجماعة أن التي على اليمين اسمها (مسكان) والتي على الشمال هي جزيرة (فيلكا). وما هي إلا لحظات حتى اختفى قرص الشمس في اللانهاية. وأصبحنا نمخر في ظلام دامس وبعد ما يقارب الساعتين بدأنا نرى الضوء الأحمر الذي كان مثبتاً فوق صاري العلم أمام دار المعتمد البريطاني.

وبدأنا شيئا فشيئا نقترب من الساحل دون ان يستطيع أحد الاهتداء إلى المكان المعد للنزول لسبب شدة الظلام في تلك الليلة.

الدخول الى النقعة:-

النقعة هي مصطلح محلي خليجي للمكان المحمي من الأمواج والذي يكون عادة محلاً آمنا لرسو السفن. ولكون الكويت بلد ساحلي وان مهنة غالبية السكان هي ركوب البحر سواء الانخراط في حرفة الغوص على اللؤلؤ أو صناعة السفن الشراعية والسفر بهذه السفن المعدة لأعالي البحار.

وكان من الطبيعي أن تكون بيوت أصحاب هذه السفن الذين يمونون عادة من كبار التجار في محاذاة الساحل حيث تسمى تلك الأحياء بأسماء الأشخاص البارزين من الذين يملكون تلك السفن أو يعتنون بصناعتها. كما جرت العادة أن يكون ساحل البحر أمام تلك البيوت محوطاً بأسوار من صخور البحر التي تجلب من منطقة في غرب الكويت اسمها (عشيرج). وتنشأ تلك الأسوار برصف تلك الصخور المجلوبة رصفا فنيا دقيقا بدون أية مادة بناء تربط الصخور ببعضها. وكلما كان الرصف متقنا كانت مقاومة السور للأمواج العاتية أشد وأطول عمراً. فترسو السفن بأمان داخل هذه الأسوار ويسمى هذا المكان (النقعه) ولا تزال بعض هذه النقع باقية حتى الآن وقد أجرى على بعضها بعض التغيرات مثل جلب الصخور البيضاء الرملية من المناطق القريبة من المدينة مثل منطقة المطلاع. ولكل نقعه من هذه النقع فتحه تكفي لدخول السفن وتسمى (الفاتق) والكلمة مشتقة من كلمة (فتق).

أعود الى زورقنا الذي بدأ يقترب من أحد هذه الأسوار بكل حذر خشية الاصطدام. حمل احد الملاحين رمحاً طويلا بيده ويسمى (مردي) وهو من خشب البامبو ومجلب من الهند أو شرق أفريقيا. ويستعمل عادة لدفع القوارب الصغيرة في المياه الضحلة. وبدأ الملاح يتجسس السور الذي أصبح قريبا منا وهو يضرب السور ضربات خفيفة اتقاء لاصطدام الزورق به وباحثا عن المدخل (الفاتق) الذي اهتدينا إليه حيث اتجهنا نحو الشاطئ استعداداً للنزول.

وبينما كنا نتلمس طريقنا إلى الساحل انطلقت الأصوات من مآذن المساجد المنتشرة على الساحل تنادي إلى صلاة العشاء وكانت لتلك الأصوات رنة خاصة في نفسي اعتدت على سماعها منذ بدأت أدرك ما حولي في هذه الحياة.

وكانت تلك الأصوات تأتي واضحة مسموعة دون الحاجة إلى مكبرات الصوت والتي تختلط عاده مع ضوضاء المدن الصاخبة. أما في تلك الأمسية فكان الأمر على النقيض حيث خيم السكون علي المدينة من أقصاها الى أقصاها مما يساعد على سماع المؤذن ينادي للصلاة من مسافات بعيده بذلك الصوت المبسط الخالي من التمديد والتمطيط.

حملنا أنا وجدي أمتعتنا البسيطة منطلقين من (نقعه الشيوخ) التي رسى فيها القارب واتجهنا نحو تلك الطرق الضيقة المظلمة وكانت خطواتي أسرع من خطوات الجد لشدة لهفي على وصول البيت ثم كان اللقاء الحار المفاجئ حيث لم يكن يعلم أحد من أهل البيت بموعد وصولنا وقد وجدت ضالتي التي فقدتها خلال عامين تلك الضالة التي لا يعادلها شيء بالنسبة لأي طفل ألا وهي حنان الأم!

وفي خلال فترة حياتي حكمت علي الظروف أن أغيب عن الوطن في عدة مناسبات فترات طويلة ولكن تلك الغيبة التي لم أكن مهيأ لها البتة كانت أطول غيبة لي وأقساها وان فرحة تلك الأمسية لم أجد إلا مثيل طيلة حياتي كما ان ذكريات تلك السفرة لم تمحها الأعوام الطويلة التي انسلخت من العمر وقد أذكرها أحيانا عندما أعود إلى الوطن على متن إحدى الطائرات ليلاً وأرى الأنوار المتلألئة من أبعد مكان.

وقضيت أياماً ممتعة خلال عطلة الصيف التي دامت قرابة ثلاثة شهور حيث بالإضافة إلى متعة القرب من الأهل فقد ازدادت هذه المتعة بسبب لقائي بأقران الطفولة من الأقارب وأولاد الجيران فكان اللعب المستمر والسباحة بالبحر. ولكن تلك المتعة لم تكن كاملة فقد عادت إلي الملاريا الملعونة وأقعدتني في البيت فترة من الوقت إلى ان أخذني جدي رحمه الله إلى المرحوم الحاج أحمد محمد الغانم الذي اشتهر بعلاج الأمراض بالأعشاب كما اشتهر في تجبير الكسور في العظام وكان يؤمن بالمثل القائل آخر الدواء الكي ولما علم بأني مصاب بالملاريا أعطانا قليلا من مسحوق القناقينا (الكنين) وقال للجد امزج بعض من هذا المسحوق بالزبدة وادهن به جسد الولد وفعلاً انقطعت عني الملاريا لفترة من الوقت بسبب هذا العلاج. وكان الحاج أحمد الغانم يعالج الناس مجانا ويقوم بهذا العمل تطوعا لوجه الله.

العودة إلى البصرة

نحن لا نزال في صيف 1923 وقد انقضت أيام العطلة وكأنها غمضة عين. لقد كانت أيامي كلها اعياداً ومتعة حتى الفترة التي كنت فيها مصابا بحمى الملاريا التي كنت بها محاطاً بالعطف والحنان فلم أشعر بوطأتها الشديدة التي كانت تجثو على جسمي الهزيل أيام زيارتها لي في البصرة.

لقد كنت أشعر بالمتعة بسماع هديل الحمام وزقزقة العصافير وقصف أمواج البحر وهياجها والزبد الذي يتلاشى على تلك الرمال الذهبية. لقد كنت أستمتع بأغاني البحارة وأهازيجهم وهم يهيئون سفنهم للأسفار الطويلة كما كنت أتلذذ بأغاني البنائين وهم يرددون "هيَّا هلمه" وأظن كلمة هلمه هي اختصار لكمة هلمَّ العربية.

وبدأت أتهيأ للمغادرة حيث اقترب موعد افتتاح المدارس وكان هذا الموعد يتناسب مع موعد سفر الجد الذي اعتاد زيارة البصرة في مثل هذا الموسم لشراء بعض التمور.

وكانت الوسيلة الوحيدة المضمونة هي السفن الشراعية التي تتكاثر زيارتها للبصرة في مثل هذا الموسم، موسم قطف التمور. وكان موعد إقلاع السفينة قبل الغروب بقليل فودعت الوالدة والأهل وخرجنا نحمل متاعنا نحو مكان السفينة التي سنسافر بها.

كنت وقتها في الحادية عشر من عمري وقد تعلمت الكثير من تجارب السنتين الماضيتين وكنت في سفرتي الأولى كمن هو ذاهب إلى المجهول. أما هذه المرة فالأمر يختلف فقد أصبح لي أصحاب وزملاء في الدراسة كما لم تكن المدرسة مكان خوف من عقاب الفلقة أو ملل من أمور رتيبة لذلك فلا مجال للمقارنة بين احساساتي خلال السفرتين.

دامت السفرة إلى ميناء العشار حوالي ثلاثة أيام وصلناه بعد الظهر ومن هناك استأجر جدي أحد القوارب (البلم) التي كانت تقوم مقام (التكسي) في أنهر البصرة في ذلك الوقت. وأنزلنا أمتعتنا واتجهنا نحو نهر الصالحية المتفرع من شط العرب ولم تكن هناك معاملات جمارك أو جوازات سفر.

فاتني أن أذكر أن عند دخولنا شط العرب صادفنا الكثير من السفن الشراعية الكويتية التي تنقل الماء من مصب شط العرب بالقرب من مدينة الفاو وذلك بواسطة عدة خزانات من الخشب تحملها كل سفينة ويسمى الخزان والواحد باللغة الدارجة (تانكي والجمع توانكي).

ويقال أن السفن الكويتية بدأت بنقل مياه الشرب من شط العرب منذ أيام الشيخ مبارك عندما نمت الكويت وتوسعت وأصبحت مياه الآبار لا تكفي لسد حاجات الناس في استهلاكها اليومي علما بأن الكويتيين يستعملون مياه الآبار الغير صالحة للشرب والتي لا يخلو منها منزل في ذلك الوقت للأغراض المنزلية الأخرى.

كذلك لا بد من الإشارة هنا إلى أن الشيخ مبارك في أواخر أيام حكمه أوصى على قطاره لتقطير مياه البحر وتم نصبها في نقعه الشيوخ وان شركة بريطانية في البصرة هي التي تم الشراء بواسطتها ولكن تلك القطارة لسبب من الأسباب لم تنجح تجربتها وظلت عاطلة حتى أوائل أيام حكم الشيخ أحمد الجابر وكنا نشاهدها ونحن صغار حيث كانت منصوبة داخل شبره صغيره عند ركن من أركان سور النقعه وأتذكر وجود جهاز مستدير فوقها يشبه الساعة في إطار من البرونز الأصفر وسطه بعض الأرقام ومؤشر واحد يشبه أحد عقارب الساعة وربما كان هذا الجهاز نوع من العدادات. وقد أطلعت في الفترة الأخيرة على رسائل بين حكومة الكويت والجهات التي باعت تلك القطارة وهي موجودة في مركز الوثائق التابع للديوان الأميري.

بداية العام الدراسي الجديد 1923-1924

بعد عودة العائلة من الريف إلى المدينة داومت بالمدرسة التي سبق أن فتحت أبوبها قبل عدة أيام من وصولنا والتحقت بصفي الجديد الذي رقيت إليه بعد نجاحي في الامتحان. وكنت كما ذكرت قد تأقلمت إلى حد ما مع مجتمعي الجديد سواء في البيت أو في المدرسة وحتى في الشارع حيث بدأت أتقن اللهجة البصرية بينما كنت في الماضي أتعرض للسخرية من بعض فتيان الحي بسبب لهجتي الكويتية.

وقد اختلفت الأمور بالنسبة للماضي الذي كنت أقضي فيه معظم الوقت في البيت بعد العودة من المدرسة وبدأت أعيش في آفاق اختلفت كثيراً عن فترة السنتين الماضيتين.

كذلك ازداد حبي وتعلقي بالمدرسة وبزملائي في الصف وخارجه. ومما زاد في هذا الجو المريح معاملة المدرسين لنا باللين وتوجيه النصائح حتى كنا نرى في بعضهم المثال الأعلى، بخلاف تجربتي القاسية في "المطوع" الكتَّاب في الكويت.

وكما ذكرت في بداية البحث بان الإنجليز عندما تم لهم احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى بادروا إلى تشكيل حكومة وطنية بعد ثورة الفرات المشهورة التي جعلت البريطانيين يتخلون عن الحكم المباشر للعراق وتسليم الأمور بصورة تدريجية إلى أهل البلاد حيث شكلوا أول حكومة عراقية برئاسة نقيب بغداد عبدالرحمن النقيب والذي كان قد تجاوز الثمانين من عمره علما بأن الهيمنة الحقيقية على الوزارة كانت بيد المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس الذي لعب دوراً هاماً في المنطقة خلال فترة الحرب وما بعدها.

وقد بدأت السلطات البريطانية منذ ذلك الوقت بوضع أسس التعليم في العراق على أسس مشابهة لما كان عليه الحال في مصر. لكن الأستاذ ساطع الحصري الذي جاء فيما بعد أجرى الكثير من التغييرات على تلك الأنظمة مخالفاً بذلك رأي الخبير البريطاني الذي كان مسئولاً عن دائرة المعارف بالعراق واسمه (فارل).

ويقول الأستاذ الحصري في مذكراته أنه لم يكن ليقوى على الوقوف بوجه ذلك الإنجليزي المتعجرف لولا تأييد الملك فيصل الأول له تأييداً مطلقا أدى في النهاية الى إبعاد (فارل) عن شئون المعارف واليك بعض ما جاء في تلك المذكرات كما يذكر الأستاذ الحصري انه قبل استلام مهامه التعليمية في العراق ذهب إلى مصر للاطلاع على شئون المعارف هناك لا سيما فيما يتعلق بتدريس اللغة العربية وطبع الكتب اللازمة لذلك فقد كانت مصر في ذلك الوقت متقدمة كثيرا في ذلك المجال بالنسبة لبقية الدول العربية كما كانت مصر رائدة في إنشاء المدارس الحديثة في أوائل القرن العشرين ويقول انه شاهد الاهتمام كان أكثر بالعلوم النظرية والأدبية وعدم الاهتمام الواضح بالعلوم الطبيعية التي لها علاقة بتقدم العلوم مثل الطب والهندسة والكيمياء وغيرها. كما يذكر أنه عندما تولى الملك فيصل الأول الحكم في العراق عام 1921 كان عدد المدارس الرسمية تسعين مدرسة وعدد المعلمين أربعمائة وثمانين والتلاميذ ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وتسعين. وكان نظام التدريس يشبه ما كان عليه في مصر أي بثلاثة مراحل وهي أولي، ابتدائي، ثانوي.

كان الأولي سنتين والابتدائي أربع سنوات والثانوي أربع سنوات ويقول انه غير هذا النظام عندما تولى شئون المعارف عام 1922 فجعل الدراسة الأولية أربع سنوات والابتدائية سنتين والثانوية أربعاً.

وأصبحت اللغة الإنجليزية تدرس في الأول ابتدائي أي الصف الخامس وكذلك في الثاني ابتدائي (السادس). وعليه فالذي يذهب إلى الثانوية يكون قد درس سنتين لغة إنجليزية. وقد بدأ هذا النظام اعتباراً من العام الدراسي 1922/1923.

وكان للأستاذ الحصري الفضل في عمل تغييرات جذرية في أصول التدريس ومواده لا سيما فيما يتعلق بتاريخ الأمة العربية، خلافا لما كان عليه الحال في العهد العثماني وعهد الاحتلال. وكانت المدارس الثانوية أربع فقط في جميع العراق موزعة على البصرة وبغداد والموصل وكركوك وكانت تدرس في السنة الأولى والثانية معلومات عامة ثم يبدأ التخصص في الصف الثالث والرابع للأدبي والمحلي وكانت ثانوية البصرة بصفين فقط لعدم توفر العدد الكافي من الطلبة (يذكر الأستاذ الحصري أن عدد الطلاب في جميع مدارس العراق في العام الدراسي 1922-1923 وصل إلى 17232 في المدارس الحكومية وعدد المدرسين 681. وهناك حوالي ثمانية آلاف تلميذ في المدارس الخاصة العائدة للأقليات مثل المسيحيين واليهود بالإضافة إلى المدارس التبشيرية الأميركية).

وكانت مخصصات وزارة المعارف من الميزانية العامة مائتي ألف روبية أي خمسة عشر ألف دينار!

هذه نبذه مختصرة عن كيفية بداية التعليم في العراق في بداية الحكم الوطني، تلك الفترة التي عايشتها منذ البداية.

وأود أن أضيف هنا إلى أن عدم اكتمال ثانوية البصرة كان سببه الرئيسي هو الطلب المتزايد من قبل دوائر الدولة على الشباب العرب ليحل محل الأجانب الذين كانت تمتلئ بهم دوائر الحكومة والشركات. كذلك فان غالبية المدرسين في مدارس البصرة لا سيما مدرسي الصفوف الأولي كانوا من خريجي الصف الثاني الثانوي. وقد كانت في بغداد دار معلمين واحدة لتخريج المدرسين للمدارس الابتدائية ومدرستان للمعلمات، واحدة في بغداد والثانية في الموصل. ومدة الدراسة في تلك المدارس سنة واحدة في بداية الأمر ثم ارتفعت إلى ثلاث سنوات فيما بعد وكانت تفرض بعض الأجور على الدراسة في مدارس الحكومة ففي العام الدراسي 1921/1922 كان يدفع التلميذ في الصفوف الأولية الأربع روبيه واحدة في الشهر أي (75) فلساً ثم ألغيت في السنة التي تلت. وظلت الأجور على الصفين الأخيرين الخامس والسادس خمسة عشر روبيه في السنة.

والواقع أنه لا يستطيع أي شخص التحدث عن ذكريات تلك المرحلة في بداية التعليم في العراق على أسس ومفاهيم وطنية وعربية إلا ويذكر دور الأستاذ الحصري الهام والحاسم في ذلك المجال. حيث في الصفحة 214 من مذكراته ما يدل على عمق ثقافة الرجل وسعة اطلاعه في شئون التربية والتعليم وتنشئة الأجيال الصالحة حيث يقول (مذكراتي في العراق عن المرحلة 1921-1927. ساطع الحصري. الجزء الأول 1921-1927 دار الطليعة - بيروت 1967):-

إن العناية بالتعليم في المدارس الابتدائية ليست هي تحفيظ المباحث الكثيرة وإلقاء المعلومات الواسعة، بل هي تثقيف العقل. وتجهيزه بالمعلومات الضرورية التي لا غنى عنها لأحد مهما كانت مهنته. لذلك كان من الواجب على المدرس رعاية الأمور الآتية.

  1. بذل العناية في اصطفاء المباحث المفيدة لقابلية التلميذ والاقتصار على الأهم منها.
  2. الاهتمام في حسن تفهم المواضيع وجعلها متناسبة مع القدرة العقلية والسوية العلمية للتلميذ.
  3. الابتعاد عن جعل التلاميذ سامعين مطيعين فحسب بل الاهتمام في جعلهم مفكرين مفتكربن وذلك بتعويدهم على الانتباه والملاحظة وسوقهم إلى المقايسة والمحاكمة خلال كل درس.
  4. التدرج بالسير بإرشاد الأولاد من المعلوم إلى المجهول ومن المألوف إلى غير المألوف ومن المادي إلى المجرد ومن السهل إلى الصعب.
  5. ربط الدروس ببعضها حتى يقوى ويؤدي كل واحد الآخر.

هذا بعض ما جاء في الصفحة 215،216 حول دراسة التاريخ "يجب الاجتناب عن ذكر وقائع وأسماء وتواريخ كثيرة وعن جعل الدروس مجموعة أسماء وأرقام متسلسلة بل يجب الاكتفاء بذكر الحوادث والأسماء والبلدان المهمة التي لا بد من معرفتها لفهم سير التاريخ.

يجب الاعتناء بمقايسة الأحوال الماضية مع الأحوال الحاضرة وإظهار الفروق والمشابهات الموجودة بين الأجيال الغابرة المختلفة.

يجب الاهتمام بتصوير الوقائع والأحوال بطرز تؤثر على مخيلة التلاميذ وجعلهم يتخيلونها وكأنهم يرونها.

يجب زيارة الأبنية التاريخية والأطلال القديمة ويجب استلفات أنظار التلاميذ إلى أسباب الوقائع المهمة ونتائجها لا سيما أسباب انقراض الدول العربية ونتائج الاختلافات الداخلية والتركز على فكرة وحدة الأمة العربية وتاريخ العرب".

كذلك لم تغفل تلك التعليمات الناحية الدينية فبالإضافة إلى تعلم الفرائض الواجبة فقد اهتم بالمنحى الأخلاقي في الإسلام وما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد وتشير إلى ذلك كقوله تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقول النبي صلى الله عليه وسلم [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق] حيث يشترط عند أداء الفرائض حسن سلوك الإنسان مع أخيه الإنسان.

والواقع أن مدارس العراق وهي في بداية عهدها في ذلك الوقت كانت في أمس الحاجة إلى مثل هذا الرجل وخبرته في التعليم مع ثقافته العالية ونزعته العربية وذلك في وقت بدأت فيه الأمة العربية تستعيد شخصيتها بعد سنوات طويلة من الجهل والتخلف إبان عهود الاستعمار بمختلف أشكاله المعروفة وبالإضافة إلى ما ذكر أعلاه من بعض آراء الأستاذ الحصري في التعليم والتربية فإنه كان يعتقد بان الصفوف الأربعة الأولى يجب أن توجه لها عناية خاصة وان تكون مرحلة قائمة بذاتها يتلقى فيها التلميذ المعلومات العامة عن أهم المواضيع التي تساعد على بناء شخصيته آخذاً بنظر الاعتبار انه قد يضطر بعض التلاميذ إلى ترك المدرسة بسبب ظروف عائلية أو معيشية أو أي ظروف أخرى وعندها ستكون لديهم المعلومات الأساسية التي تساعدهم على بدأ حياة أفضل وبذلك، حسب قوله، خالف النظام المصري في ذلك الوقت الذي كان متبعا في العراق من الخبراء البريطانيين والذي سبقت الإشارة إليه.

ولا زلت أتذكر استنادا إلى هذه النظرية أننا قرأنا في الصفوف الأولى الأربعة وحفظنا من المعلومات ما يكفي ويؤهل لدخول المدارس الثانوية في هذه الأيام وربما يزيد.

فلقد قرأنا في تلك المرحلة تاريخ الأمة العربية بتفاصيله ما قبل الإسلام وبعده كموضوع العرب العاربة والمستعربة والحميريين في اليمن والغساسنة في بلاد الشام والمناذرة في العراق بما في ذلك عاداتهم وحروبهم مثل حرب البسوس وداحس الغبراء وحفظنا الأشعار التي قيلت بهذه المناسبات ثم انتقلنا إلى العهد الإسلامي من الخلفاء الأربعة الراشدين إلى الدولة الأموية والعباسية إلى العرب في الأندلس إلى الدول غير العربية التي سيطرت على المنطقة بعد انهيار الحكم العباسي مثل السلاجقة والبويهيين حتى ظهور الدولة العثمانية.

ودرسنا دراسة مفصلة ثورة الشريف حسين بن على في الحجاز ضد الأتراك العثمانيين وتوسعنا في ذلك بسبب علاقتها بالبيت الهاشمي الذي يحكم العراق أما موضوع اللغة العربية فقد أخذنا مبادئ الصرف والنحو والإنشاء وكانت أحد الدروس المهمة عندنا درس المحفوظات حيث كنا نحفظ الكثير من أشعار العرب في العهد الجاهلي إلى شعراء الإسلام والى الشعراء المعاصرين أمثال حافظ إبراهيم وشوقي والرصافي ولازلت احفظ بعض أبيات من قصيدة حافظ ابراهيم التي مطلعها:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي

التي نظمها في تمجيد اللغة العربية وذكر غناها في الألفاظ والمعاني حيث يقول عن لسانها:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي!!

ثم قصيدة شوقي المشهورة التي نظمها عندما قامت الثورة في سوريا عام 1926 وقاومها الفرنسيون بقسوة والتي مطلعها:

سلام من صبا بردي أرق

ودمع لا يكفكف يا دمشق

إلى أن يقول البيت المشهور:-

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجةٍ يُدق

وهكذا الى أشعار الرصافي التي كنا نحفظها أو نرددها كل يوم في الأناشيد الوطنية.

وعلى ذكر الأناشيد الوطنية فقد كانت بعض ألحانها مستورده ولم نكن ندرك ذلك إلا فيما بعد. فبعضها كان يلحن على نمط النشيد الوطني الفرنسي المارسيليز أو النشيد الوطني البريطاني (الله يحفظ الملك) كذلك لم ينس الملحن دولة تركيا حيث لحن لنا نشيد مطلعة (راية العرب دومي دمت من رمز) على لحن الأغنية التركية المشهورة (جنا قلعه ايجنده) (نشيد جنا قلعة هذا له أهمية كبرى بالنسبة للأتراك حيث انتصرت فيها قواتهم على القوات البريطانية عندما حاولت هذه القوات الإنزال على الأراضي التركية في الحرب العالمية الأولى والتي انهزمت فيها القوات البريطانية هزيمة نكراء وسميت تلك المعركة "معركة غاليبولى" وكانت من المعارك المشهورة في تلك الحرب. وكانت القوات الأسترالية الإمبراطورية هي أكثر من دفع ثمن تلك الهزيمة) وأتذكر نشيد آخر مطلعه "وطني والحق سينجده مادمت بحبي اعبده" وقد تم تلحينه على وزن الأغنية المشهورة "يا ليل الصب متى غدُه"!! وكنا نقرأ هذه الأناشيد قبل الدخول الى الصفوف صباحاً وظهراً حيث كان الدوام صبحا وعصراً في تلك الأيام، أربعة دروس في الصباح واثنان بعد الظهر.

عام 1925 عام المفاجآت

وعلى هذا النمط تمر الأيام ويحل عام 1925 الموافق لعام 1343هـ وتحل معه المفاجآت المؤلمة بالنسبة لي حيث توفي جدي لامي في الأشهر الأولى من ذلك العام ولم تمضي أسابيع على هذا الحادث حتى أصيب الوالد بنزيف في الدماغ أصيب علي أثره بشلل نصفي ثم فارق الحياة في منتصف العام رحمهما الله جميعاً.

وبعد وفاة الوالد تولى الوصاية علينا أنا وأخي حمد أخونا الأكبر عبدالله بموجب وصية الوالد وكان أخي حمد قد جاوز السنة الرابعة من عمره وكنت أنا في الثالثة عشر (كان للوالد أربعة أولاد وهم عبدالله وسليمان وبدر وحمد. وبنت اسمها منيرة. وزوجته الرابعة وهي أم حمد بزة بنت يعقوب المطوع).

وكانت عطلة المدارس الصيفية قد بدأت وقد مضت سنتان من زيارتي الأخيرة للكويت. وقد رتب أخي لي السفر على ظهر إحدى البواخر التابعة للشركة البريطانية الهندية والتي اعتادت سفنها زيارة مدن الخليج حيث كانت تحتكر هذه الشركة خطوط المواصلات البحرية بين الهند وموانئ الخليج. وقد تم حجز مكان على نفس الباخرة لزميلي في المدرسة وصديقي محمد سعيد السيد حامد النقيب وأخيه أحمد حيث اعتادا السفر في العطلة الصيفية لزيارة والدتهما في الكويت وأتذكر إسم الباخرة (بامورا) الذي كان مكتوبا على أمكنة كثيرة في الباخرة لا سيما على قوارب النجاة والطوافات المستديرة.

وقد كنت كالعادة كثير الشوق للعودة الى الكويت ولكني عند الوصول أدركت مدى الحزن والأسى الذي حل بالوالدة وأمها بسبب موت الجد وقد أدركت أن وصولي ولقائي معهما خفف من تلك الفاجعة التي عمتنا جميعاً. كنت أحمل معي كتابا من أخي عبدالله إلى الشيخ يوسف بن عيسى الذي هو خاله يوصيه بها برعايتي أثناء وجودي في الكويت وكذلك إجراء راتب شهري لي كان على ما اذكر ثلاثون روبية. وكانت للشيخ يوسف جلسة خاصة بعد الظهر يتولى فيها إعطاء دروس باللغة العربية والفقه لبعض الشباب الكويتيين علما بأن هذه الخدمات والخدمات الاجتماعية الأخرى مثل عقود الزواج أو الإفتاء في بعض المسائل الدينية والتي كان يقدمها للمواطنين بدون مقابل وهي عادة درج عليها بعض الكويتيين القادرين على خدمة أبناء بلدهم كما أشرت مثل الحاج أحمد الغانم والقاضي عبدالله الخلف الدحيان وغيرهم. أما أغنياء البلد فمعظمهم لم يبخل في أداء ما عليه من واجبات مثل أداء فريضة الزكاة أو مساعدة المحتاجين وهذا أحد الأدلة على التراحم والتلاحم في المجتمع الكويتي في تلك الأيام.

وانتهت عطله الصيف وتهيأت للسفر الى البصره وقد بدأت في تلك الأيام حركة نشطه للنقل البحري بواسطة القوارب البخارية التي تعود ملكيتها الى أفراد وتنطلق هذه الزوارق البخارية باتجاه جزيرة بوبيان الى خور الصبيه ثم الى خور الزبير وهناك بالقرب من الزبير ترسو تلك القوارب في رأس الخور حيث توجد بعض العربات التي تجرها الخيول أو بعض السيارات لنقل الركاب إلى الزبير والبصره. وقد صادف أن كانت عائلة كويتية من الأقارب مسافرة إلى البصرة فكانت مناسبة طيبة أن يكون سفري معها مما خفف علي الكثير من المتاعب (كان اسم صاحب ذلك الزورق البخاري ابن محطب على ما اذكر. وقد توقف نشاط تلك الزوارق بعد فتح طريق السيارات بين البصرة والكويت عام 1127 كلما سيأتي ذكره).

لقد كنت في تلك السنة ناجحاً من الصف الثالث الأولي إلى الصف الرابع ومرت تلك السنة الدراسية بصورة طبيعية وجاءت امتحانات ذلك العام 1925/1926 واجتزت الامتحانات بتفوق.

الانتقال إلى مقر المدرسة الثانوية

لقد أشرت فيما مضى أن ثانوية البصرة تشتمل على صفين فقط الأول ثانوي والثاني ثانوي وبينت الأسباب المؤدية لذلك وكانت المدرسة الثانوية تقع في مبنى قديم من طابق واحد لا يبتعد كثيراً عن دائرة المحاكم القديمة والقريبة من شاطئ نهر العشار وكانت البناية مؤلفة من قسمين يفصلهما فناء (حوش) واسع نصبت فيه أدوات بعض الألعاب الرياضية مثل كرة السلة وكان خير مكان لتجمع الطلاب أثناء فترة الفرص. وكان البناء الجنوبي مخصص للإدارة أما البناء الشمالي فكان يحتوى على صفوف للطلاب وكان فيه متسعا لأكثر من طلاب الثانوية في ذلك الوقت يقابله ضيق في المدرسة التي كنا فيها بسبب تزايد عدد الطلاب مما أدى إلى فرز بعض الصفوف إلى اثنين كقولك الثالث (أ) والثالث (ب) ولهذه الأسباب رأت دائرة المعارف نقل صف الأول ابتدائي (الخامس) والثاني ابتدائي في (السادس) إلى مبنى المدرسة الثانوية ابتداء من العام الدراسي 1926/1927 وهكذا وجدنا أنفسنا نحن تلاميذ الصف الخامس في مكان أرحب ومدرسين أوسع علما وأكثر ثقافة يحمل بعضهم شهادات عالية. كذلك فإن هذا الانتقال أعطانا شعور أكثر بالثقة بأنفسنا وأصبحنا نعتني أكثر بلباسنا ومظهرنا كذلك قررت الإدارة إلحاقنا بفرقة الكشافة الثانوية التي كانت في ذلك الوقت احسن فرق الكشافة في البصرة وكان لها لباس خاص يميزها عن كشافة المدارس الابتدائية. والملاحظ في ذلك الوقت انه كانت للحركة الكشفية في العراق أهمية خاصة. وكانت الفرقة الموسيقية مدربة تدريبا جيدا لا سيما في عزف الحان الأناشيد الحماسية والمارشات العسكرية التي تساعد على السير المنتظم كما هو الحال بالفرق العسكرية وكنا نخرج في جولة في المدينة كل يوم اثنين بتلك الفرقة الموسيقية وألبستنا الأنيقة وكنا عندما نمر في الشوارع تبدأ النساء اللاتي نصادفهن في الشارع أو اللاتي ينظرن إلينا من الشرفات أو المشربيات (الشناشيل) بإطلاق الزغاريد مما يزيد في حماسنا وانتظامنا في المشي بزهو واعتداد كأننا فرقة من جيش منتصر!

ومما زاد اهتمام الإدارة بفرقة الكشافة هذه مدير المدرسة وكان في الخمسينات من عمره وقد عمل ضابطا في الجيش التركي ثم التحق مع بعض الضباط العرب بثورة الشريف حسين كما سبقت الإشارة. وكان يخرج معنا بلباس الكشافة جنبا إلى جنب مع مدرس الرياضة وكان شديد الاهتمام بأمور الطلاب عطوفا عليهم ولكنه بنفس الوقت لا يتساهل إذا وجد أي تقصير من جانب الطلاب وحتى من جانب المدرسين وكأنما روح الانضباطية التي مارسها في خدمته العسكرية ظلت ملازمة له وبارزة في تصرفاته ومسيرة حياته.

وأتذكر انه من أمنياتي في ذلك الوقت أن تكون عندي دراجة وقد تحققت لي هذه الأمنية في تلك السنة وقد سبق أن تعلمت ركوبها من زميل لي في الدراسة كان يمتلك واحدة. والظاهر أن هذا التغير الذي حدث في مسيرة حياتي واتساع مجال اللهو أمامي قد أثر على حياتي الدراسية فنقصت الساعات التي كنت أخصها للدرس بينما كان المفروض أن تزيد بالنظر لمستوى الصف الذي نجحت إليه ولهذا جاءت نتيجتي في الامتحان وسطا بخلاف السنوات الماضية التي كنت فيها في مقدمة الناجحين. وربما أن يكون لتلك المرحلة أو ما يسمى الآن برحلة المراهقة ومنها اهتمام الشاب بنفسه وبمظهره ونظرته إلى الجنس الآخر والاعتداد بالنفس إلى غير ذلك مما هو معروف في مثل هذه المرحلة من العمر بالنسبة لكل من الجنسين أثره في ذلك.

وبدأت السنة الدراسية الجديدة، 1927/1928 وداومت في الصف السادس وهو الصف النهائي بالنسبة للدراسة الأولية والابتدائية وتكون الامتحانات فيه على نظام البكالوريا وهي أول شهادة رسميه تصدر في وزارة المعارف في بغداد وتسمى "شهادة الدراسة الابتدائية". وكانت الدروس أكثر صعوبة وأشمل في مواضيعها وتفاصيلها ولكن كما ذكرت كانت عندنا نخبه من الأساتذة المشهور لهم بالكفاءة في مجال اختصاصهم. كان عندنا مثلاً الشيخ محمد النبهاني مؤلف كتاب تاريخ البحرين وكان يدرسنا اللغة العربية والدين. وهو حجازي الجنسية وكان يلبس الزي الحجازي المعروف لرجال الدين. وكان عندنا من بين الأساتذة العراقيين عبدالفتاح إبراهيم وعبدالرزاق الناصري كما كان عندنا شاب لبناني من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت اسمه شامل العطار وهو من طائفة الدروز. وكنا نحترم هؤلاء الأساتذة لمكانتهم العلمية والاجتماعية ولاهتمامهم بنا بصورة جدية. وكنا نشعر بالخجل إذا حدث منا أي تقصير.

وهذه على ما أعتقد من الأمور البديهية، فان شخصية الأستاذ ومدى إخلاصه في أداء الواجب تعمل عملها في مسيرة الطلاب وسلوكهم واهتمامهم بالدراسة. وحل موعد امتحانات البكالوريا النهائية وكانت الأسئلة موحدة ومفروضة على جميع مدارس العراق وتعد في بغداد ولم تكن سهلة ولم نسمع بالنتائج إلا بعد انتهاء العطلة لان أوراق أجوبتنا على ما اذكر أرسلت إلى بغداد وجاءتنا النتائج مع الشهادات فيما بعد من وزارة المعارف في بغداد وكانت نسبة نجاحي فوق المعدل بقليل والشهادة موقعة من مدير المعارف العام الجنرال طه الهاشمي العسكري المعروف والسياسي المخضرم. ومن الصعب التصور أن مثل هذه الدقة والانضباط والاهتمام في الدراسة الابتدائية تتم في بلد حديث العهد بالاستقلال الذي لم تكتمل مقوماته بعد مع وجود النفوذ الأجنبي الكثيف.

السفر إلى الكويت بواسطة السيارة

لقد حدث تطور هام في ذلك العام 1927 فقد أقدم السيد حامد النقيب الذي له جذور وارتباطات عائلية في البصرة والكويت بتأسيس شركة محلية سميت "شركة السيارات العراقية الكويتية" بعد أن حصل على امتياز لهذه الشركة من المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت في ذلك الوقت (لقد حصل السيد حامد على الامتياز عام 1925 ولكن الشركة لم تبدأ أعمالها بصورة منظمة إلا في عام 1927 كما ذكرت). وبدأت الشركة أعمالها بثلاث سيارات سياحية من طراز فورد. وقد فرح الناس كثيراً بهذه الخطوة الجريئة عبر الصحراء في وقت كان فيه الانتقال بين الكويت والبصرة مقتصراً على الجمال والخيل والبغال. وقد أخبرني الأخ عبدالله أنه سافر في أحد الأيام من الكويت إلى البصرة مع الوالد على ظهر البغال مع قافلة كانت متجهة إلى الزبير تحمل بعض البضائع والبريد ودامت تلك الرحلة يوماً وليلة.

وكالعادة في سفرنا معا عند بدء العطلة فقد تم الاتفاق مع الأخ محمد سعيد النقيب أن نكون من ضمن الأوائل في تلك السنة الذين يقطعون المسافة بين البصرة والكويت بطريق السيارة وكانت الأمور ميسرة أمامنا بسبب أن والده هو صاحب المشروع كما ذكرت. وكان علينا مغادرة الزبير مع الفجر أو قبله بقليل تحاشيا لحرارة شمس الصحراء المحرقة وقد تم الترتيب على أن يكون مبيتنا تلك الليلة في الزبير في بيت المرحوم السيد يوسف النقيب عم الأخ محمد سعيد حيث انطلقنا من الزبير قبل الفجر ولم يكن الطريق مأمونا تماماً في ذلك الوقت فقد كانت تحدث في الصحراء كما هي العادة اعتداءات بين أفراد أو جماعات لخلافات أو عداوات وأحيانا يكون الاعتداء من أجل السلب والنهب لذلك كان على كل سيارة من السيارات الثلاث أن تحمل السلاح معها وفي السفرة بالذات كان السائق وهو من السواق الأكفاء المدربين متمنطقا بأحزمة الرصاص وبجانبه البندقية وكانت هناك بنادق وأعتدة داخل السيارة مخصصة للركاب ولم يكن في السيارة أحد سوانا نحن الثلاثة محمد سعيد وأخيه أحمد وأنا. وقد وصلنا إلى الكويت قبل الظهر سالمين ولله الحمد. وكنا من الرواد!

وعلى ذكر حوادث الاعتداءات فقد حدث اعتداء عام 1929 على سيارة كانت تحمل اثنين من الأمريكيين أحدهما دبلوماسي واسمه بلكرت وكانت نتيجة ذلك الاعتداء الذي قام به بعض قطاع الطرق مقتل بلكرت (راجع كتاب "الكويت وجيرانها" تأليف ديكسن المعتمد البريطاني السابق في الكويت).

ومنذ بداية الثلاثينات لم تسجل أي اعتداءات تذكر وكثرت السيارات الخاصة التي بدأت تسير على هذا الطريق بعد أن تدفع كل سيارة خاصة رسم الطريق للشركة وقدره عشر روبيات (750) فلساً. ثم توقف دفع هذا الرسم. ولم يكن الطريق سهلاً ممهداً بل كان وعراً تكتنفه الرمال والحفر والوديان التي تسببها سيول الأمطار ومع ذلك فقد كان السفر على ذلك الطريق في الشتاء وخاصة أيام الربيع متعه بسبب الأمطار وكثرة الأعشاب التي تنبت في ذلك الفصل مع برك المياه التي تتكون بعد هطول الأمطار وتسمى (خبره) وجمعها خباري وكان بعض المسافرين لا سيما أصحاب السيارات الخاصة يأخذون طعامهم معهم حيث يتوقفون عند تلك الأماكن المعشبه بجوار مياه البرك فيكون في ذلك التوقف فترة راحه ومتعه. وكانت السيارة تقطع الطريق الذي يبلغ طوله مائة ميل أربع ساعات في المعدل. وجاء وقت العودة إلى البصرة بعد أن شارفت عطلة المدارس على الانتهاء.

تعثر دراستي الثانوية في مراحلها الأولى

وبدأ العام الدراسي 1928/1929 وكنت مسرورا ومغتبطا بانتقالي إلى المرحلة الثانوية ولم يتغير علينا شيء فالمدرسة هي هي وكذلك المدرسين حيث كما ذكرت سابقا كانت صفوفنا ملحقة بالمدرسة الثانوية ولكن حدث لي ما لم يكن في الحسبان فقد عاودتني الملاريا منذ الأيام الأولى من الدراسة وكانت شديدة الوطأة حيث لم تفد فيها العلاجات المعتادة. ونتيجة لذلك بقيت حبيس البيت والمرض فترة دامت حوالي الشهرين ذهبت بعدها إلى المدرسة فوجدت زملائي قد سبقوني بمراحل في الكثير من الدروس والتي بعضها كانت جديدة بالنسبة لي مثل دروس الجبر التي لا غنى للتلميذ في فهمها عن شرح المدرس ومعاونته.

وتحت تأثير تلك الظروف وما كنت فيه من وضع صحي ونفسي قررت عدم الاستمرار بالدراسة والعودة إلى البيت دون أن يكون في ذهني أي تصور لما ستكون عليه حالتي في المستقبل. ولقد أثار انقطاعي عن الدراسة استغراب الكثيرين من الأقارب والأصدقاء وحتى بعض المدرسين الذين كانوا يعرفوني فقد أسفوا للقرار المتسرع الذي اتخذته وبعثوا إلى بعض الزملاء من الطلاب لمعرفة الأسباب التي دعتني لترك الدراسة.

وتمر الأيام وتتحسن الصحة ويصفو الفكر ويعود الحنين للمدرسة وللزملاء وللأساتذة الطيبين ولكن بعد فوات الأوان وقد قاربت السنة الدراسية على نهايتها. وتحل العطلة الصيفية وتنتهي وتزيد عندي الرغبة في العودة إلى الدراسة ولكن هل التحق بالصف الأول ثانوي ومعظم زملائي نجحوا منه وانتقلوا إلى الصف الثاني وبقيت فترة أتخبط في أفكاري علني اهتدى إلى مخرج. وأخيراً جاءت الفكرة إلى أن اطلب شهادة نقل لإحدى مدارس بغداد الثانوية حتى أتخلص حسب تفكيري في ذلك الوقت من ذل البقاء في الصف الأول ورؤية زملائي في الصف الثاني.

وذهبت إلى مدير المدرسة واسمه عبدالمجيد زيدان وأخبرته بقصتي باختصار وطلبت منه أن يزودني بشهادة الانتقال. وقد أدرك الرجل بخبرته مدى اضطراب وتفكيري غير المتوازن والأسباب الواهية في نظره التي تضطرني إلى طلب الانتقال إلى بغداد فلم يقنع بما قلت وأبديت من مبررات. ورد على قائلا يا ابني ليس لدي ما يمنع من أن أعطيك ورقه النقل. ولكني متأكد من أنك ستواجه هناك مشاكل الإقامة ومدارس بغداد مزدحمة بالطلاب وقد لا تجد هناك الاهتمام الذي نوفره لك نحن هنا ونصيحتي إليك أن تعدل عن رأيك هذا وتبقى معنا ونحن نعرفك ومقدرين ظروفك وما عليك إلا ان تجد وتجتهد وستجد من الله التوفيق. وقد جاءت كلمات ذلك الرجل الفاضل برداً وسلاماً على نفسي وأعادت إلي شيئاً من الثقة التي فقدتها في نفسي وبقيت أمامه صامتا لا أدري ماذا أقول ثم أعاد علي الكرة بذلك الأسلوب المقنع وكان جوابي له بالموافقة وانتهت بذلك مرحلة قلقة من مراحل حياتي الدراسية.

ومشت الأمور معي على ما يرام في الدراسة بعد أن تعلمت درسا نافعاً من دروس الحياة. ثم جاءت نتيجة الامتحانات النجاح والانتقال إلى الصف الثاني الثانوي، ومن هذه التجربة تظهر حاجة الشباب القليل التجربة بهذه الحياة المعقدة في أيامنا هذه إلى طلب النصيحة وسماعها ممن هم أكثر خبرة وتجربة بمثل تلك النصائح المخلصة التي يمكن أن تأتي من الأهل أو المربين في المدارس أو أي جهة أخرى ناصحة ومجربة سيجد فيها الشباب القليلي التجربة نفعاً وفائدة في هذه الحياة.

العام الدراسي 1930-1931

في ذلك العام الدراسي انتقلت ثانوية البصرة من مكانها القديم في البصرة إلى مقرها الجديد في العشار على أرض رحبة واسعة تشمل على ملاعب للرياضة ومنها ساحة لكرة القدم كما تكاثر عدد طلاب الثانوية منذ فترة وأصبحت الدراسة كاملة بأربعة صفوف ثم تغير النظام فيما بعد حتى أصبحت الدراسة الثانوية في العراق بخمسة صفوف.

وخلال تلك السنة والسنة التي سبقتها حدث أن سافر بعض الزملاء في الدراسة من البصرة والالتحاق بالمدرسة الإعدادية التابعة للجامعة الأمريكية في بيروت كما سافر من الكويت كل من الشيخ محمد الأحمد الجابر الصباح والشيخ فهد السالم الصباح وأخيه الشيخ صباح السالم الصباح (الشيخ محمد شغل منصب وزير الدفاع خلال فترة الستينات، أما الشيخ فهد السالم فقد شغل عدة مناصب في الخمسينات منها رئاسة الأشغال العامة والصحة والبلدية. أما الشيخ صباح السالم فأصبح أمير الكويت بعد وفاة أخيه الشيخ عبدالله السالم عام 1965- 1977). وكان من بين الذين سافروا من البصرة الصديق والزميل محمد سعيد النقيب وبدأت تردني منه رسائل يصف لي فيها الحياة في الجامعة وأشياء أخرى في مدينة بيروت. وقد شعرت وقتها بجذب قوي نحو أولئك الأصدقاء، وكانت السنة الدراسية قد اقتربت من نهايتها.

وهنا لا بد من أن أعيد إلى الذاكرة تولي أخي الأكبر عبدالله الوصاية على بعد وفاة الوالد عام 1915 ومنذ ذلك الوقت وأنا أنظر إليه في مقام الوالد وكان رحمه الله رحيما عطوفا علي ولم يقف يوما ضد طلباتي ورغباتي المعقولة وما يتبع ذلك من صرف ما يلزم من المال مما خصني من تركة الوالد. لذلك لم يكن علي من الصعب أن أفاتحه برغبتي بالذهاب إلى بيروت للدراسة أسوة ببعض الزملاء واستخلص منه الموافقة على ذلك.

وخلال تلك الفترة وردتني رسالة من الأخ محمد سعيد يذكر فيها بأنه لن يعود خلال فتره الصيف لأن الجامعة ستفتح دوره صيفية تدوم ثلاثة أشهر يلتحق فيها الطلاب الذين يريدون المزيد من الدروس أو تقوية أنفسهم في الدروس التي كانوا فيها ضعفاء أثناء السنة الدراسية. وانه سيلتحق بتلك الدورة ويسألني إذا كنت أود أن أحذو حذوه حتى يعمل اللازم لتسجيل اسمي.

بعد استلام هذه الرسالة زال عني أي شك أو تردد في السفر وفاتحت أخي بالأمر ولم يكن له خيار بعدما رأى مقدار حماستي وتصميمي على السفر. وهكذا قررت السفر لالتحق بالدورة الصيفية لذلك العام وكان ذلك قبل حلول الامتحانات النهائية.

السفر إلى بيروت

وصلت إلى بغداد وهناك حجزت عند إحدى الشركات المحلية وكان اسمها "شركة دبش وعكاش" ولها سيارات سياحية من الحجم الكبير أي ذات سبع ركاب ومن الاسم يظهر أن الشركة سوريه ودفعت أجرة المقعد من بغداد إلى دمشق وقدرها ليرة عثمانية ذهب وكان سعرها في ذلك الوقت أقل من الجنيه الإسترليني أو الدينار الذي لم يبدأ التداول به بعد في العراق إلا في عام 1932. وكانت معظم الدول الكبرى في ذلك الوقت لا تزال متمسكة بقاعدة الذهب أي ان الجنيه الورق يساوي جنيها ذهبا. إلا أن بريطانيا خرجت عن هذه القاعدة بعد عام أي 1932 حيث أصبح الجنيه الذهب يعادل جنيهين من الورق.

وكان سفرنا من بغداد في الصباح الباكر وكنا سبعة ركاب منهن ثلاث نساء لبنانيات علمت أنهن مدرسات في مدارس البنات في العراق وقد أخبرتني إحداهن أنها مدرسة في إحدى مدارس البصرة وأنها من مدينة بيت مرى في لبنان وكان اسمها على ما أذكر (ليندا).

وكانت السفرة في غاية الإزعاج والتعب حيث لم يكن الطريق بين بغداد والشام معبداً بل كانت الحفر والأتربة التي ملأت السيارة وكل شئ فيها وقد تنفسنا الصعداء قليلاً عندما وصلنا إلى الرطبة عند الظهر وكانت على أجسامنا طبقات من الغبار والتراب الأحمر وأخذنا شيئا من الراحة وتناولنا وجبة خفيفة ثم واصلنا السفر إلى دمشق فوصلناها عند المغرب. وبعد استراحة قليلة في الفندق الصغير القريب من ساحة الشهداء خرجت استمتع باستنشاق الهواء العليل بالقرب من نهر بردي الذي عرفته من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي كما أشرت إلى ذلك في مناسبة سابقة وفي صباح اليوم الثاني ركبت بإحدى سيارات الأجرة المسافرة إلى بيروت وسرنا بذلك الطريق المتعرج المتاخم لنهر بردى إلى ضاحية دمر مروراً بميسلون وهو المكان المشهور الذي وقعت فيه المعركة المشهورة بين الجيش الفرنسي الزاحف من لبنان وبين الجيش العربي للدولة العربية الفتية التي تأسست في سوريا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وعلى رأسها الملك فيصل بن الحسين. وقد كانت نتيجة تلك المعركة غير المتكافئة هزيمة الجيش العربي واستشهاد قائده يوسف العظمة ونهاية الدولة العربية في سوريا حيث تم للفرنسيين احتلال سوريا ولبنان وكان ذلك في عام 1920. وفقا لمعاهدة (سايس بيكو) التي أبرمتها فرنسا وبريطانيا عام 1916.

واجتازت السيارة الحدود السورية إلى لبنان باتجاه المدينة الجميلة شتوره وكنت طول الطريق مبهورا ومشدوها بتلك المناظر التي كنت أراها في الصور أو اسمع عنها من الذين رأوها. كما كنت لأول مرة في حياتي أرى الثلوج فوق قمم الجبال الشاهقة في عز الصيف وقد صدق المتنبي عندما وصف لبنان بان صيفه شتاء حين قال:

وعُقاب لبنان وكيف بقطعها

وهو الشتاء وصيفهن شتاء

الانتقال الى برمانا

وصلت إلى بيروت ونزلت في أحد الفنادق المتواضعة ولا أذكر كيف تم الاتصال بيني وبين الأخ محمد سعيد في برمانا ولكن الذي أتذكره هو أنه حضر بعد ظهر اليوم التالي من وصولي وذهبنا معاً إلى برمانا تلك المدينة الجبلية الجميلة التي ترتفع عن سطح البحر بحوالي ثمانمائة متر وتنتشر في سفوحها ووديانها أشجار الصنوبر وهي عروس جبل المتن الشمالي. كما هي محببة لكثير من الأجانب وكذلك من بعض الأثرياء العرب في ذلك الوقت وخاصة المصريين منهم كما تقع فيها مدرسة برمانا الإنجليزية التي سأتكلم عنها بإسهاب فيما بعد.

ودخلنا على أمين صندوق المدرسة الصيفية الأمريكية ودفعت رسم الدخول وكان خمس دولارات وأظن أني لازلت أحتفظ بذلك الوصل. كذلك حجزت غرفة خاصة (انظر الصورة). وحل وقت العشاء عندما دق الجرس معلنا عن ذلك، فذهبت مع الأخ محمد سعيد وصادفته هناك يجلس على طاوله واحدة كبيرة الكثير من معارفي وأصدقائي، وجدت الشيخ محمد الأحمد الجابر الصباح ووجدت زملائي في الدراسة في البصرة في مدرسة السيف وبعدها في الثانوية كل من برهان باش أعيان الذي أصبح فيما بعد أحد وزراء خارجية العراق وكذلك أحمد عبدالرزاق العامر الذي أصبح نائبا للبصرة ثم نائبا لرئيس مجلس النواب في العهد الملكي بالعراق. وشباب آخرين من بغداد والموصل تعرفت عليهم بمرور الوقت. كذلك وجدت من آل الابراهيم عبدالقادر وعبدالعزيز بن عبدالرحمن الابراهيم.

دامت فتره الدراسة الصيفية حوالي ثلاثة أشهر وكانت من أمتع أوقات حياتي وماذا يريد الشباب في مثل تلك الأيام أكثر من الاستمتاع بتلك المناظر الطبيعية الجميلة والجو المعتدل والأصدقاء الطيبين في تلك المجموعة المختارة منهم.

والتحقت في الصف الذي به الأخ محمد سعيد وكان الصف الثالث إعدادي أو ثانوي. وكانت معظم الدروس تدرس باللغة الإنجليزية من أساتذة أمريكان وكان هناك بعض المدرسين العرب للغة العربية مثلاً الذي كان يدرسنا فيها الأستاذ كنعان الخطيب وكان من دروسنا معه مراجعة كتاب "الأيام" للدكتور طه حسين. وكنا نحضر محاضرات يلقيها علينا بعض أساتذة الجامعة الأمريكية بين حين وآخر وكنا نخرج في نهاية كل أسبوع في رحلات تدوم النهار بكامله إلى القرى والمدن المجاورة ولا أنسى تلك الرحلة التي قمنا بها الى جبل صنين حيث تناولنا الغداء عند سفحه بجوار مجرى ماء كما لن أنسى ذلك العسل والخبز المرقوق الذي كان من ضمن وجبة الغداء.

لقد صادفت بعض الصعوبة في بداية الدراسة بدروس اللغة الإنجليزية مع أني كنت من المتفوقين بها في مدارس العراق. ولكن مع مرور الأيام والدراسة المكثفة استطعت أن أتغلب على بعض المصاعب وجاءت الامتحانات في نهاية الدورة الصيفية وكانت درجتي باللغة الإنجليزية (60) وتعتبر أقل من المستوى المطلوب في مقاييس الجامعة الأمريكية في ذلك الوقت.

الالتحاق بمدرسة برمانا

كانت رغبتي أن أدخل في أحد الصفوف التي تؤهلني للالتحاق بالدراسة الجامعية في الجامعة الأمريكية ولكني كما ذكرت كانت درجتي باللغة الإنجليزية تحت المستوى المطلوب لذلك الصف. وقررت أن أحاول دخول الصف الرابع في برمانا على أساس أني ناجح من الصف الثالث في دراستي الصيفية. وكان المسئول عن التسجيل رجل بريطاني من أصل أيرلندي اسمه المستر ديفيدسن وهو أيضاً مدرس التاريخ في المدرسة وزوجته مدرسة اللغة الإنجليزية في مدرسة برمانا وكانت كذلك تدرسنا في المدرسة الصيفية لهذا فكانت تعرفني وتعرف مستواي الدراسي.

ودخلت على المستر ديفيدسن ولم أكن غريبا عليه فقد كان يراني بين حين وآخر وقلت له إني أريد أن التحق بالمدرسة وبالصف الرابع بالذات. وبعد أن اطلع على درجاتي في امتحانات المدرسة الصيفية قال لي لا أستطيع قبولك في هذا الصف إلا إذا وافقت المسز ديفيدسن (زوجته) واقتنعت بقدرتك على مواصلة الدراسة بموجب ذلك المستوى ثم طلب مني أن أذهب إليها لأخذ موافقتها. والواقع أني شعرت بشيء من الإحباط والارتباك وأنا في طريقي إليها. وعند دخولي إلى مكتبها أخبرتها بما جرى مع زوجها وانتظاره جواباً منها.

فقالت لي أنا أعرف أنك كنت مجتهدا خلال الدورة الصيفية وأنك بذلت المستطاع ولكنك لا تزال في المستوى اللغوي الذي هو دون المطلوب قلت لها انك رأيت التقدم الذي حصلت عليه خلال فترة الصيف وسأبذل جهداً أكبر إذا تم قبولي في الصف الرابع وليس من المعقول أن أخسر سنة كاملة بسبب ضعفي في مادة واحدة. وكانت السيدة ديفيدسن في حدود الخمسينات من عمرها رقيقة الطباع عطوفة طيب القلب وهي أمريكية الجنسية. واستمر الحديث والنقاش فترة من الوقت قالت بعدها، قد أوافق على قبولك في الصف الرابع على شرط أن تكد وتعمل كالعبد! (UNLESS YOU WORK LIKE A SLAVE) فقلت لها بعزم وتصميم سأعمل كالعبد. بعد هذا النقاش الجاد تناولت السيدة ديفيدسن ورقة وكتبت عليها بعض العبارات الموجهة إلى زوجها معلنة بذلك موافقتها على قبولي في الصف الرابع.

وذهبت الى المستر ديفيدسن وسلمته الورقة فطلب إلي الجلوس وأخذ يوجه إلي بعض الأسئلة ويدون الأجوبة إلى أن سألني هل أنت مسلم، فأجبته OF COURSE بالتأكيد وقد خرجت مني الكلمة بصورة عفوية وبدون قصد معين. فرفع رأسه إلي مستغرباً قائلا ولماذا تقول بالتأكيد وقد حرت في إيجاد الجواب المناسب في هذا الموقف الحرج ولم يتم تسجيلي في المدرسة المعروف عنها أنها مدرسة تبشيرية!

وكان السكوت أحسن جواب ومرت الأمور بسلام واستمر الرجل في إكمال معاملة التسجيل دون أن يظهر عليه أي أثر للانفعال.

نبذة عن مدرسة برمانا

اسمها الرسمي "مدرسة برمانا العالية" BRUMMANA HIGH SCHOOL وهي مدرسة تبشيرية تابعة لجماعة الأصدقاء FRIENDS وهم مجموعة من الجماعات البروتستانتية في بريطانيا المعروفة باسم QUAKERS فهم جماعة مسالمة مبادئهم ضد الحروب، كما يدعون إلى البساطة في العبادة والتواضع في المسلك والملبس وتوجد جماعة أخرى منهم تسمى "الأنقياء" PURITANS وهي الجماعات التي ظهرت في أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر في بريطانيا وبعض بلاد أوربا. وقد تعرضت هذه الجماعات بوقتها للاضطهاد من قبل مخالفيهم ولذا اضطر بعضهم للهجرة إلى الولايات المتحدة وهناك استمروا في التبشير لمبادئهم.

أما كونهم يدعون للبساطة والتقشف والمسالمة فقد لاحظنا ذلك من تصرفاتهم معنا على كافة المستويات. وهم يؤدون طقوسهم الدينية على طريقة البروتستانت وفي قاعة كبيرة أشبه بقاعة المحاضرات بخلاف ما هو عليه الحال في الكنائس الكاثوليكية وكنا نحضر مثل هذه الحفلات الدينية التي تقام أسبوعيا في بعض الأحيان. كما دعتنا مرة المسز ديفيدسن الى قاعة صغيرة منعزلة قريبة من القاعة الكبرى مقاعدها من الخشب ولا شيء آخر فيها حيث يقضون فيها فترة غير قصيرة جالسين مطأطئي الرؤوس يسمونها فترات التأمل (MEDIATION). ثم يخرجون من هذا المكان صامتين كما دخلوا. وهذه أمثلة على طريقة هذه الجماعة في العبادة.

أما بالنسبة للمدرسة ففيها قسمان القسم الابتدائي والقسم الثانوي المؤلف من أربعة صفوف كما يوجد صف آخر خامس يسمى صف المتريكوليشن MATRICULATION وهو الصف الذي يهيئ الطلاب الذين يرغبون في دخول الجامعات البريطانية مثل أكسفورد وكامبردج، كما علمنا أن أسئلة الامتحانات لذلك الصف تأتي مختومة من لندن ولا تفتح إلا وقت الامتحان.

وبعد افتتاح المدرسة بأسابيع وصلت بعثة من الطلاب العراقيين عددهم حوالي عشرين طالباً كانوا يدرسون في مدينة صفد بفلسطين من أجل الحصول على شهادة المتريكوليشن المشار إليها ليتمكنوا بعد ذلك من الذهاب إلى بريطانيا. والظاهر أنهم اختلفوا مع مدير المدرسة وطلبوا نقلهم إلى بريطانيا وقد فرحنا بمجيئهم حيث تم إسكانهم بالقسم الداخلي. وقد انضم إلى هذه المجموعة بعض العراقيين الذين كانوا يدرسون على حسابهم الخاص. وكنا نقضي بعض أوقات الفراغ معهم وأحيانا نزورهم في الأماكن المخصصة لسكنهم فنستمتع بأحاديثهم ونكاتهم وكان قد أقبل الشتاء البارد فخفف هذا الدفء العاطفي من قسوة ذلك الطقس وشدته.

وكنت قد استأجرت غرفة خاصة لي وقد دفعت أجرة الغرفة وقسط المدرسة بما في ذلك تكاليف المعيشة بالليرات الذهبية العثمانية (أذكر أني دفعت أجرة الغرفة لتسعة أشهر تسع ليرات ذهبية ولكني لا أذكر كم دفعت لقسط الدراسة والمعيشة). علما بأن العملة الورقية كانت متداولة في ذلك الوقت حيث بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان تشكل بنك اسمه "بنك سوريا ولبنان" ويتبع الحكومة الفرنسية وكان يعتبر بمثابة البنك المركزي وقد أصدر هذا البنك الليرة اللبنانية والليرة السورية ولم يكن بينهما فرق في السعر وأذكر أن الليرة الذهب كانت تساوي خمس ليرات لبنانية أو سورية. لكن المشاهد في ذلك الوقت أن الناس في سوريا ولبنان وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام على الاحتلال الفرنسي كانت تجري أكثر معاملاتهم بالليرة الذهبية وكانوا يقولون مثلاً اشتريت كذا وكذا بكذا ليرة عصملية أي عثمانية وأتذكر أني دفعت لصانع أحذية في برمانا بعد وصولي ليرة ذهب قيمة حذاء صنعه لي على القياس.

الجو العلمي والثقافي في المدرسة

إن نظام الدروس كان يتبع إلى حد ما النظام الإنجليزي مع بعض التعديلات التي تلائم المنطقة وكان من المشاهد وجود تعادل وثيق بين المدرسة وبين الجامعة الأمريكية في بيروت. فكثيراً ما يأتينا بعض أساتذة الجامعة لإلقاء بعض المحاضرات. وكانت لقاءاتنا مع الأساتذة مستمرة حيث معظمهم يسكن في مساكن قريبة من المدرسة. وكانت السيدة ديفيدسن واسمها الأول PEARL لؤلؤة. تدعونا إلى بيتها بين حين وآخر لتناول الشاي معها ومع زوجها وكنا في تلك الفترة نخوض بأحاديث متشعبة كان القصد منها توسعة مداركنا وأتذكر كيف كانوا يحدثوننا عن تأسيس المجالس وطرق الانتخاب إلى غير ذلك من الأمور التي لها علاقة بحياة الفرد المتمدين اليومية. حيث كانوا يعتقدون أن الثقافة ليست دروسا تلقن في الصف فقط.

وكانت الدراسة في المدرسة مختلطة وتظهر بوضوح في الصفوف الابتدائية وكانت معنا بالصف بنت واحدة اسمها (ماري خوري) من أهل برمانا. ولكونها الوحيدة في الصف فقد كانت تشعر بشيىء من الحرج لا سيما عندما ينتقل الحديث بين الطلاب إلى النكات والمزح ولكن الجميع كانوا يحترمونها ولم تكن تخرج النكات والأحاديث عن مستوى اللياقة.

كما كانت هناك بعض المدرسات اللبنانيات لصفوف الأحداث. وفي إحدى زياراتنا إلى بيت ديفيدسن سمعت لأول مرة إذاعة خارجية من جهاز كبير يشبه البيانو وكان الصوت يأتي من أنقرة أو اسطنبول حيث كان الحديث والغناء باللغة التركية وكان ذلك في أوائل عام 1932.

وكانت عندنا سيدة لبنانية اسمها مدام قرطاس مسئولة عن قسم التغذية في المدرسة وقد اشتكينا لها مرة عن كثرة ما يقدم لنا في وجبات الغداء من الرز واللبن وطلبنا شيئا من التغيير. فقالت لنا ضاحكة بلهجتها اللبنانية المحببة ولو! نحن هون في لبنان إذا أردنا وصف شيء جميل قلنا انه مثل الرز مع اللبن!

وفي تلك الأيام حل شهر رمضان المبارك وأظن أن ذلك كان في شهر يناير (كانون الثاني) في ذلك العام وقررنا أن نصوم أنا وأحد الزملاء العراقيين واسمه هاشم الباجه جي من عائلات بغداد المعروفة وتقرر أن نذهب أنا وهو لمقابلة المدير الإنجليزي واسمه NAISH ناش وعند اللقاء به أخبرناه برغبتنا بالصوم وطلبنا منه أن يخبر إدارة مطعم المدرسة بأن يهيئوا لنا وجبة الإفطار التي تحل قبل موعد تقديم العشاء الاعتيادي وكذلك فتح المطعم لنا وقت السحور. وأخذ الرجل يناقشنا في صعوبة الصوم بالنسبة لنا في ذلك الطقس البارد ثم قال لنا بأن الدين الإسلامي سمح للمسافر بالإفطار وأنتما في عداد المسافرين. وكنا نزداد اصراراً كلما أتانا بحجة، وأخيراً لما رأى من قوة عزمنا وإصرارنا وافق على إصدار تعليماته لإدارة المطعم وتم ما أردناه وبدأنا بالصوم أنا وصاحبي وفي تلك الأيام بدأت الثلوج تتساقط على الجبل وكنت لأول مرة في حياتي أرى فيها الثلج ينزل كالقطن المنفوش ويتراكم ويسد الطرقات والمسالك. وحسب ما سمعنا فان شتاء ذلك العام كان قاسيا وشديداً. أما نحن الاثنين فقد واصلنا الصيام وكنا نستيقظ في الساعة الثالثة صباحاً نتناول فيها السحور ثم ننتظر حتى وقت صلاة الفجر وفي تلك الأيام التي أشرت إليها باشتداد البرد لم نكن لنجد ماء للوضوء بسبب تجمد الماء في الحنفيات في حمامات المدرسة العامة حيث لم تكن هناك حمامات خاصة في الغرف ولذلك فكنا نستعين بالماء الموجود بالمطبخ من أجل الوضوء. وكنا ننام قليلا بعد صلاة الفجر وأحياناً لا ننام إذا كانت لدينا بعض الواجبات المدرسية التي تتطلب الإنجاز.

وهنا لا بد من سؤال وهو لماذا هذا الإصرار على الصوم في مثل هذه الظروف القاسية وان الدين يسر وليس عسرا، والجواب هو الآتي:

أولا: لقد كنت أنا والذين هم في جيلي نعيش في مجتمع تسوده الحياة المبسطة والقناعة بما قسم الله من وسائل العيش في ظروف صعبة قاسية ومع ذلك فقد كانت قلوب الناس عامرة بالإيمان والتمسك بشعائر الدين مما ساعد على استمرار قوة الاحتمال عند الناس في تلك الأيام.

ولن أنسى خلال فترة طفولتي أنه حل الشهر الفضيل في عز الصيف في ذلك العام ولم يكن في الكويت في تلك الأيام الخالية شييء من وسائل الراحة إلا ماء البئر الذي كنت أرى الوالدة ومن في البيت من الكبار يسكبونه فوق رؤوسهم وعلى ثيابهم لتخفيف وطأة الحر ومشقة الصوم. وسرعان ما تنشف الثياب المبللة من شدة الرياح الجافة كما كان الوالد رحمه الله يحرص في الأوقات المناسبة على أن يصحبني معه إلى المسجد القريب من بيتنا حتى انه من كثرة ترددي معه على المسجد لا سيما أيام الجمع حفظت الكثير من نصوص خطبة الجمعة التي كانت تتكرر معظم فقراتها كل جمعة تقريبا. كما كنت أحفظ ولازلت بعض الآيات القرآنية التي كان يتلوها الإمام أثناء الصلاة.

ومن عادة الوالد قراءة القرآن كل صباح بعد صلاة الفجر وكان يوقظني بعد ذلك وكنت اقرأ على يده بعض الآيات وأظل أقرأ حتى يأمرني بالتوقف وذلك عندما يحين موعد الإفطار، ثم بعد ذلك وقت المدرسة.

واستمر الحال بعد وفاة الوالد وتولي الأخ عبدالله أمر الوصاية علي وكان في أسلوبه مشابه لطريقة الوالد في تمسكه بشعائر الدين وقد بدأت الصوم في سن الرابعة عشرة وكنت أفطر خلسة إذا شعرت بالتعب أو العطش خشية الانتقاد واللوم.

لقد كان لهذه النشأة وهذا النمط من الحياة وفي ذلك الإطار من التربية الدينية أثره في أعماق النفس فظل القلب عامراً بنور الإيمان وان كان لا بد من الاعتراف من أجل الحقيقة بأني مررت بفترات كثيرة متقطعة كنت فيها مقصراً في تأدية الفرائض المطلوبة.

ثانيا: من المسلم به أن لكل عمل نتيجة وردة فعل قد تكون مجارية أو معاكسة لذلك العمل ولا شك أن أسلوب التبشير ومحاولة إقناع الناس بتغيير معتقداتهم الدينية ليس بالأمر السهل ولهذا فشلت الحملات التبشيرية في مهماتها لا سيما في المجتمعات الإسلامية وهذا ما كان واضحا في منطقتنا.

وكون هذه المعاهد العلمية لها أسلوبها وطابعها التبشيري ما كان منه ظاهراً أو باطناً. لذلك كان لزاماً أن تكون هناك ردة فعل تظهر بصورة من الصور. وكذا ما حدث لنا نحن الاثنين من تحول شعورنا الديني العفوي إلى ساحة التحدي والإصرار كلما حاول الطرف الآخر محاولة إقناعنا بالعدول عما كنا قد اتفقنا عليه.

ومن الإنصاف القول بأن تلك المعاهد لم تكن تركز نشاطاتها على التبشير بالدين المسيحي وهي التي تعرف مدى تمسك المسلمين من طلابها بدينهم واعتزازهم به، لهذا كانت لها أساليبها الأخرى في التحدث عن المفاهيم الأخلاقية والقيم الحضارية والإنسانية التي تشترك فيها معظم الأديان السماوية بما فيها الإسلام والمسيحية.

وبهذه المناسبة أذكر أن المستر ديفيدسن الذي اعتاد أن يلقي بعض الخطب والمواعظ الدينية في أيام الآحاد عند تجمع الطلاب في قاعة المحاضرات تطرق إلى موضوع التمسك بالمبادئ وأشار إلى موضوع إصرارنا على الصيام نحن الاثنين دون أن يذكر أسماءنا. وقال ما معناه انهمع اختلافه معنا في العقيدة فانه أكبر فينا الثبات والإصرار على المبدأ. وهذا نموذج من طريقة التعامل بالأسلوب الحسن والتي نادى بها الإسلام كما جاء في القرآن الكريم {وجادلهم بالتي هي أحسن}.

كذلك أود أن أشير هنا إلى الجامعة الأمريكية في بيروت التي تأسست في النصف الأول من القرن التاسع عشر بأموال جمعيات خيرية تبشيرية واستمرت كذلك ومع هذا فقد تخرج من تلك الجامعة نخبة لا يستهان بها من الشباب العربي المعتز والمتمسك بمعتقداته وقوميته في وقت كانت فيه معظم المعاهد في البلاد العربية عاجزة عن تخريج مثل أولئك الرجال الذين تولى الكثير منهم أعلى المراكز في بلادهم.

أم كلثوم في بيروت

وذهب الشتاء بثلجه وبرده وعواصفه وأقبل الربيع بطقسه المعتدل وسمائه الصافية. ونبتت الأعشاب والأزهار البرية المختلفة الأشكال والرائحة على الروابي وفي بطون الوديان. فإذا نزلت من الجبل باتجاه الساحل فاحت من حولك رائحة زهور البرتقال والليمون تملأ الأنوف بتلك الروائح المعطرة. وكنت في عطلة الأسبوع بين حين وآخر أنزل إلى بيروت لزيارة الأصدقاء في الجامعة الأمريكية وهناك علمت أن الآنسة أم كلثوم -كما كانت تسمى في تلك الأيام- ستحيي قريباً بعض الحفلات الغنائية في بيروت. واتفقت مع الأخ محمد سعيد النقيب ان هذه فرصة بالنسبة لنا لن تعوض ولا بد من حضور إحدى هذه الحفلات. وانتظرنا الموعد لإحدى تلك الحفلات وحضرناها وقد دفعنا ثمن كل بطاقة ليرة ذهب التي كانت تساوي خمس ليرات لبنانية في الدرجة الأولى. وكانت حفلة من حفلات العمر. فقد كانت أم كلثوم في عز شبابها تلبس ذلك اللباس المحتشم المؤلف من بالطو أسود طويل وغطاء أسود على رأسها يشبه نوع العصابة أو العمامة يخفي كل شعر رأسها ويظهر وجهها الأسمر المستدير وتمت الحفلة في ملهى الكت كات في حي الزيتونة وكانت تصحبها فرقة من العازفين لا يزيد عددهم على أصابع اليد. كما كانت أم كلثوم تجلس على المسرح قبل بدء الغناء على كرسي متواضع وخلفها فرقة العزف وجلس معهم أخوها خالد الذي كان يلازمها في تنقلاتها في تلك الأيام وأظنه كان أيضاً يتولى إدارة شئونها المالية.

وانطلق صوت أم كلثوم وانطلقت معه هتافات الحضور الذين ملأوا تلك القاعة. وغنت بعض أغانيها المشهورة مثل وحقك أنت المني والطلب وأفديه إن حفظ الهوى أو ضيعه وفي أثناء الاستراحة انطلقت الأصوات في بعض المقاعد الخلفية تطلب أغنية (خاصمتني) وكانت ليلة ليلاء كما يقول المثل.

كذلك في تلك السنة شاهدت أول فيلم ناطق باللغة العربية تمثيل الممثلة المصرية عزيزة أمير بالاشتراك مع ممثلين أتراك حيث أخذت بعض مناظر الفيلم في اسطنبول. وجرى عرض الفيلم في سينما التياترو الكبير في منطقة العازارية.

لمحة مختصرة عن الحكم الفرنسي

في سوريا ولبنان

استباحت فرنسا احتلال لبنان وبعده سوريا بعد هزيمة الدولة العثمانية وبموجب المعاهدة السرية التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام 1916 والتي سميت بمعاهدة سايكس-بيكو التي أشرنا إليها في مناسبة سابقة وقد فرضت فرنسا على كل من البلدين نوعا من الاحتلال العسكري ولو أنها سمته (انتداب) وعينت في كل من البلدين مندوبا ساميا يعتبر هو رأس الدولة وكونت في كلا البلدين حكومات شكلية هزيلة تأتمر بأمرها (راجع كتاب "يقظة العرب" للمؤلف الفلسطيني جورج انطونيوس المترجم عن الإنجليزية).

وكانت تعتمد فرنسا في غالبية جنودها في هذا الاحتلال على الجنود السود في مستعمراتها الأفريقية خاصة مستعمرة السنغال حيث كنت ترى أولئك الجنود وقوفاً كالأصنام شاكي السلاح الأبيض فوق بنادقهم وهم يحرسون الأماكن العامة في البلاد. فكان منظرهم يثير الرعب ولكنه بنفس الوقت يثير الطمأنينة في النفوس حيث كان الأمن مستتبا في جميع أنحاء البلاد وكانت للقوانين حرمتها وهذا ما بدأ يفقده لبنان شيئا فشيئاً منذ بداية الحكم الوطني عام 1943 وما الحوادث التي وقعت في السبعينات إلا نتيجة لذلك الانفلات والاستهانة بالقوانين والتي دفع ثمنها مضاعفاً الشعب اللبناني ولازال.

وأي إنسان عرف لبنان وعاش في ربوعه فترة من الوقت يتفطر قلبه حزنا وأسى لما حل بهذا البلد الجميل والعزيز بصورة خاصة على قلب كل عربي ويسأله تعالى أن يزيل عنه هذه الغمة السوداء لكي يعود لبنان إلى أيامه المشرقة وليستأنف دوره الحضاري الذي اشتهر به منذ أقدم العصور.

السنة الدراسية 1931-1932 تقترب من نهايتها

قاربت السنة الدراسية من نهايتها وبدأ الطلبة يضاعفون أوقات دراستهم وتأجلت العاب كرة القدم وغيرها من الألعاب الرياضية باستثناء لعبة التنس التي كنا نزاولها ترويحا للنفس وترويضا للجسم ولم ننقطع عنها وتقرر أن تبدأ الامتحانات مع بداية الأسبوع الأول من شهر حزيران (يونيو) على أن توزع الشهادات في العشرين منه.

وكان على مراجعة دروس السنة الثالثة التي تخطيتها بسبب دراستي الصيفية كما ذكرت بالإضافة الى دروس السنة الرابعة وكانت مهمتي شاقة وكنت أعمل فيها مثل (العبد) كما طلبت مني الأستاذة ديفيدسن ومع كل ذلك فقد جاءت نتيجة الامتحان بدرجة مقبول PASS كما كان الاصطلاح في ذلك الوقت ولكنها كانت نجاحاً على أي حال على قدر المستطاع (انظر صورة الشهادة).

العودة إلى البصرة وثم الكويت

غادرت لبنان في نهاية شهر حزيران (يونيه) ولا داعي لتكرار ذكر مشقة السفر في تلك الطرق غير المبلطة والسيارات غير المريحة ناهيك عن سحب الغبار المتصاعد على طول الطريق. وبعد الوصول إلى بغداد واصلت سفري إلى البصرة بالقطار. وبعد إقامة قصيرة في البصرة واصلت السفر إلى الكويت لزيارة الوالدة والأهل وهناك بدأت الأفكار والآراء النابعة من الواقع تسيطر على مخيلتي وكأنها تسألني وبعد ذلك إلى أين؟.

وظل هذا السؤال يلاحقني لفترة من الوقت. وقبل الإجابة أود أن أتطرق إلى أنه بعد انتهائي من تلك المرحلة الدراسية التي كانت في مسيرتها نموذجا من القفزات والطفرات، إن صح هذا التعبير، لشاب وجد عنده شيئاً من الحرية في التصرف في مصيره منذ الوقت المبكر من حياته مع وجود المادة التي كان لها الدور الأم في إذكاء ذلك التصرف وفي اتخاذ القرارات المصيرية كما سيأتي ذكره فيما بعد. وهي تختلف في مسيرتها عن الأسلوب التقليدي المألوف. الذي يخضع له الشباب أمثالي.

فمن مغادرتي للصف الثاني ثانوي في البصرة قبل الامتحانات النهائية من أجل الالتحاق بالمدرسة الصيفية في لبنان إلى الالتحاق بالصف الثالث الإعدادي في تلك الدورة ثم الالتحاق بالصف الرابع في مدرسة برمانا كما سبق ذكره.

كذلك فلم تتوفر عندي الرغبة في مواصلة الدراسات العليا لأن النظرة لها في تلك الأيام بالنسبة للشباب لم تكن كما هو عليه الحال في الوقت الحاضر وأنا أتكلم عن العام 1932 فمجال الوظائف في البلاد العربية كان ميسوراً حتى لمن هم دون حملة الشهادة الثانوية كما سبق وأشرت في مناسبة سابقة. ولم تكن الجامعات قد توفرت بالكثرة التي عليها الآن بل كانت في معظم البلاد العربية كليات لدراسات معينة. وكان أكثر طلبة الدراسات العليا في ذلك الوقت نخبة من الشباب المتفوق من ذوي المعدلات العالية في الدراسات الثانوية وكان غالبية هؤلاء يلتحقون في بعثات الدولة للخارج. وما ذكرته سابقا عن المواضيع التي كنا ندرسها في الصفوف الابتدائية يوضح للقارئ المستوى الذي كانت عليه الأمور في ذلك الوقت بالمقارنة بحالة الوقت الحاضر.

وأعود إلى ما كنت عليه في تلك الأيام فأقول بأن تلك الحرية النسبية التي كنت أتمتع بها خلقت عندي جوا من الضياع في الوقت الذي كنا فيه أنا وأمثالي في تلك السن المبكرة في أشد الحاجة إلى من يحدد لنا تلك الحرية حتى لا تخرج عن مسارها المعقول.

ولكن النشأة المنضبطة التي عشتها في بداية حياتي والأعراف والتقاليد التي كانت سائدة ومعروفة في المجتمعات في تلك الأيام كانت هي بذاتها تحدد إلى حد ما تصرفات الشباب في ذلك الوقت. لهذا لم يكن من المستغرب علي مع تلك الحرية التي أشرت إليها وتوفر المادة أن أقف بثبات عند حدود معينة لم أكن أفكر يوما ما ان أتجاوزها. ولم يخطر ببالي في ذلك الوقت إلقاء العصا والاستقرار في مكان معين في تلك السن المبكرة كما لم يخطر ببالي البحث عن وظيفة أو الاشتغال بأي عمل تجاري شأني بذلك شأن الجماعة من الأقارب والأصدقاء وغالبتهم من التجار لأن مجال التوظف في الكويت في ذلك الوقت ضيق إلى أبعد الحدود ولكني كنت أشعر بأن هناك قوة تدفعني لأن أعمل شيئا حتى أنهي حالة انعدام الوزن التي كنت أعيشها إن صح هذا التعبير.

السفر إلى الهند

قلما تجد بين الكويتيين في ذلك الوقت من لم يسافر سواء للتجارة وهي أحد الأسباب الرئيسية لسفرهم أو للترويح عن النفس. ومن المدن التي كانت تجتذب الكويتيين وأقربها لهم مدينة البصرة وعلاقة البصرة التجارية مع الكويت معروفة وقد تطرقنا لها في عدة مناسبات.

كذلك فقد كانت البصرة في تلك الأيام مكاناً مفضلاً بالنسبة لهم للترويح عن النفسي والاستجمام. فشط العرب وبساتين النخيل والمقاهي والمطاعم والملاهي ودور السينما كانت كلها أماكن لمختلف الأذواق والميول.

وقد أشرت فيما سبق عن فتح الطريق الصحراوي للنقل بالسيارات وهذا ما سهل الانتقال حيث كان باستطاعة أي فرد أن يسافر من الكويت إلى البصرة في الصباح الباكر وينجز عمله هناك ثم يعود في المساء إذا شاء.

وعلى ذكر الترويح والترفيه ففي عام 1928 على ما أذكر وصلت إلى البصرة فرقة الممثل الكبير جورج أبيض ومعه زوجته دولة أبيض وبعض الممثلين المصريين. ومثلوا عدة مسرحيات منها واحدة حضرتها ولم أفهم منها شيئا غير لعلعة الأصوات الجهورة وصخبها وأتذكر أن اسم تلك الرواية كان "في سبيل التاج". ثم تلتها في عام 1929 فرقة فاطمة رشدي المشهورة وزوجها عزيز عيد ومثلت عدة مسرحيات منها مسرحية (كليوباترة) تأليف أمير الشعراء أحمد شوقي. وأذكر أيضا أن الممثل العراقي الناشئ في ذلك الوقت حقي الشبلي اشترك في التمثيل وغنى الأغنية المشهورة التي غناها الأستاذ محمد عبد الوهاب "أنا أنطونيو وأنطونيو أنا" (كانت فاطمة رشدي تسمي نفسها "صديقة الطلبة" وقد زرناها وتصورنا معها).

والمدينة التي تأتي بعد البصرة حسب البعد الجغرافي هي مدينة كراجي في الهند قبل تأسيس دولة الباكستان فكانت تتوقف فيها البواخر القادمة من الخليج والسفن الكويتية كذلك وفيها جاليات عربية لا سيما من منطقة الخليج.

أما مدينة بومباي فهي عاصمة الهند التجارية والتجمع العربي والخليجي فيها أكثر. حيث كانت معظم البضائع الآتية من الغرب أو الشرق لمنطقة الخليج تمر بمدينة بومباي بسبب مرور البواخر التجارية الكبيرة إليها بصورة منتظمة ثم تنقل تلك البضائع بواسطة السفن التجارية المخصصة للخليج أو بواسطة السفن الشراعية إلى الأماكن التي أوصت عليها.

كذلك فان بومباي كانت مركزاً هاما لتجارة اللؤلؤ الذي يأتيها من مغاصات الخليج. لذلك كان من الطبيعي أن تتأسس في مدينة بومباي ومدن أخرى في الهند بيوتات عربية وخليجية. فمن الكويت كان بيت الابراهيم والسديراوي والفوزان والعبدالرزاق والشايع والقناعات، كما كان لعائلة الصقر مراكز تجارية لتصريف التمور في بعض المدن الساحلية بين كراجي وبومباي.

أما البيوتات العربية فكان بيت ابن مشاري وهم من عرب جزيرة قيس في الخليج وبيت الفضل والبسام من نجد وبيت الزواوي من عمان وبيت زينل من الحجاز.

وكانت مدينة كليكوت في جنوب الهند من المدن الرئيسية التي تتردد عليها سفن الكويت والخليج وكانت البضائع التي تصدر من هناك الأخشاب والبهارات والحبال المصنوعة من ليف نخيل جوز الهند، وقد أسس المرحوم يوسف الصقر بيتا تجاريا هناك كان يؤمه الكثير من التجار لا سيما الكويتيون وأهل الخليج وقد اشتهر المرحوم يوسف الصقر بالكرم والتسامح وطيبة القلب (كذلك فقد كان لعائلة المرزوق المعروفة بالكويت نشاطا تجاريا هناك وهم تجار وأصحاب سفن).

وبسبب كثرة تردد الكويتيين وأهل الخليج على الهند فقد تأثروا ببعض عادات أهل تلك البلاد في طرز اللباس وفي تأثيث بيوتهم وحلي نسائهم حتى أن بعضهم كان يستعمل بعض الكلمات الهندستانية أثناء الكلام عن شيء معين مثال ذلك استعمال كلمة (جوكم) وتعني الخطر باللغة الهندستانية والتي كان يجيدها الكثير من الكويتيين المترددين على الهند. ثم اختفت هذه الظواهر تدريجيا بعد أن قلت الأسفار إلى تلك الجهات ثم جاء عصر البترول وتدفق سيل الهجرة العربية والأجنبية على الكويت وكثرت المدارس وكانت نسبة المدرسين الكويتيين فيها قليلة بالنسبة للمدرسين العرب وكانت الكثرة للمدرسين والمدرسات العرب فتأثرت بذلك اللهجة الكويتية والمصطلحات واختفت الكثير من الكلمات المحلية وحلت محلها كلمات ومصطلحات أخرى عربية.

وخلال تلك الفترة التي أقمت بها في الكويت أي صيف 1932 علمت أن بعض أصدقائي وأقربائي سافروا الى بومباي، بعضهم للدراسة وبعضهم للتجارة. وكما ذكرت فقد كنت أعيش في فترة انتقالية لم أعرف أين سيكون فيها الاستقرار ومرت علي فترة أشبه بتلك التي مرت علي قبل السفر إلى لبنان. وفجأة قررت السفر إلى بومباي وسافرت الى البصرة حيث البواخر السريعة الأسبوعية تقلع من هناك. وكان سفري على إحدى بواخر الشركة البريطانية الهندية والتي تبلغ حمولتها حوالي خمسة آلاف طن وهي بالغالب سفن للنقل إنما توجد فيها غرف محدودة بركاب الدرجة الأولى والثانية والتي عادة تكون محجوزة لكبار التجار العرب؟ وكبار موظفي الحكومة البريطانية ولذلك فقد كانت غالبية المسافرين يحجزون أماكنهم في الدرجة الثالثة أو كما يسمونها (السطحة) أي سطح السفينة وهو مكان شبه مكشوف تظلله أحيانا سقوف من القماش المشمع السميك اتقاء لحرارة الشمس أو المطر وقد يضيق هذا المكان بالمسافرين في المواسم لا سيما موسم زيارة العتبات المقدسة في العراق حيث يزورها كل عام عدد لا يستهان به من مسلمي الهند. وأذكر من الكويتيين الذين صادف وجودهم في هذه السفره محمد عبدالله السعد ومحمد الداود المرزوق وعثمان بن سري القناعي وراشد بن علي بن راشد وكانا من الذين مجيدان الطبخ وكنت أساعدهم في فرم البصل وغسل الأواني. وقد كانت شركة البواخر تسمح للذين يسافرون على ظهر الباخرة بطبخ طعامهم. علما بأنه كان يوجد في جهة من السطحة طباخ من قبل الباخرة يطبخ الرز والمرق ويبيعه بأسعار مناسبة لمن يريد ولكن الذي شاهدته أن غالبية الكويتيين الذين يسافرون في تلك الأيام يفضلون طبخ طعامهم بأنفسهم حيث يجدون في ذلك متعة يشارك فيها الجميع ومن المناظر المعتادة أن ترى بالقرب من كل جماعة أقفاص الدجاج والخضروات وأحيانا تجد الخراف (قد يصادف أحيانا أن يكون بعض كبار الشخصيات العربية الخليجية مسافراً على أحد هذه البواخر لا سيما تجار اللؤلؤ أيام عزهم وتكون معه عادة مجموعة من رجاله وخدمه فيوجه الدعوة لجميع المسافرين العرب لتناول الطعام على مائدته طيلة السفره)!

وخرجنا من شط العرب ودخلنا في مياه الخليج العربي ومع شدة الحرارة في تلك الأيام فقد كانت نسائم البحر تخفف من شدتها. وكانت السفره مريحة وممتعة حيث يجلس كل واحد منا متكئا على فراشه المطوي وبقربه صندوق أمتعته المصنوع من معدن التنك. أما شنط هذه الأيام فلم تكن قد انتشرت في ذلك الوقت. فإذا جاء المساء مد كل واحد فراشه الذي يكون عادة من النوع الخفيف لكي يسهل حمله هو مع الصندوق.

وبقينا على هذا الحال المريح وكأننا في نزهة أو (كشته) حتى خروج الباخرة من مضيق هرمز إلى البحر العرب حيث استقبلتنا أمواج الرياح الموسمية العاتية. التي تهب على شبه الجزيرة الهندية في مثل هذه الأيام فتثير العواصف والأمطار. وأصبحت باخرتنا كالريشة في مهب الريح وهي تتمايل إلى حافتها حتى ليظن الواحد منا أن تلك الأمواج ستطغى عليها حتما. وبدأت الصناديق والأمتعة تتدحرج وتتلاطم بعضها ببعض وبلل رذاذ الموج أمتعتنا. وكلما تقدمت الباخرة في عرض البحر ازدادت المعاناة حتى اضطررنا إلى النزول إلى أسفل السفينة المخصص للبضائع وقد وجدنا هناك جماعة من التجار العراقيين الذين يتعاطون تجارة الخيول وهم من أهل الموصل ويسمون "بيت طالب" ووجدناهم منهمكين بتهدئة خيولهم المحشورة في مرابطها والتي تأثرت بحركات الباخرة المزعجة وظلت السفينة تترنح وتتمايل حتى تكاد حافتها تلامس مستوى المياه طيلة يومين بلياليهما دون أن نهنأ بطعام أو نوم حتى وصولنا إلى مدينة كراجي حيث ألقت الباخرة مراسيها وبدأ بعض الركاب يغادرونها عند منتصف النهار وكانت حرارة الجو لا تطاق. وقد لفت نظري ضابط شرطة بريطاني بألبسته البيضاء الناصعة وقبعته الاستوائية بشكلها المعروف يقف عند آخر درجة من درجات السلم يدقق في معاملات النازلين والصاعدين فترات طويلة في تلك الشمس المحرقة والجو الخانق وكأنه رمز لأولئك الرواد الذين جاءوا إلى هذه المناطق كمستعمرين والذين جعلوا من بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عن أراضيها الشمس وحازت على لقب "سيدة البحار".

وعندما خفت حرارة الجو عند العصر نزلنا إلى المدينة وذهبنا إلى بيت محمد المرزوق للزيارة ولم نجده هناك ووجدنا أحد كبار الموظفين عنده وهو عبدالله المنصور أبا الخيل ولم أكن قابلته من قبل فلما رآني قال لي هل أنت ابن فلان قلت له نعم، قال والله عرفتك من الشبه. ثم ذهبنا بعد ذلك إلى مكتب عبدالرحمن بن شاهين الغانم ووجدناه هناك وعندما علم أن الباخرة ستتأخر إلى بعد ظهر اليوم التالي دعانا على الغداء على الطريقة الكويتية الذي كان من السمك والرز (المحمر) وكانت وليمة لا تنسى بعد تلك الفترة المزعجة التي قضيناها قبل الوصول إلى مدينة كراجي.

وقبل غروب الشمس من ذلك اليوم أقلعت الباخرة وما أن غابت عنا معالم المدينة حتى أصبحنا في خضم تلك الأمواج العاتية التي سبق وصفها. وعلى ذكر هذه العواصف فان موسمها يبدأ عادة في النصف الأول من شهر يونيه (حزيران) وهي رياح جنوبية غربية تهب على شبه جزيرة الهند والبحر العربي وتتأثر بها سواحل سلطنة عمان الجنوبية. وتصحب هذه الرياح الموسمية أمطار غزيرة قد تصل في بعض مناطق الهند الى ثلاثمائة عقدة في فترة الموسم الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر. أما مدينة بومباي فان نسبة معدل المطر الذي ينزل عليها في هذا الموسم فتصل إلى خمسة وسبعين بوصة ويمكن للقارئ إذا أراد المقارنة أن يعرف أن معدل نزول المطر عندنا في أقصى حد لا يزيد عن سبع بوصات إلا ما ندر!

كذلك وبهذه المناسبة أود أن أذكر بأن خبراء الأرصاد يقولون أن هناك صلة بين رياح الهند الموسمية هذه وبين رياح (البارح) الشمالية الغربية التي تهب على منطقتنا خلال فترة الصيف.

الوصول الى مدينة بومباي

وبعد المعاناة التي أشرت إليها حمدنا الله على وصولنا إلى مدينة بومباي عاصمة الهند التجارية وقد لفت نظري ضخامة الميناء وعدد البواخر الكبيرة الراسية ومنها عابرة المحيطات. ولم نصادف أي مضايقة أو تأخير من سلطات الجمارك أو الجوازات. وقد وجدت في انتظاري بعض الشباب من الأصدقاء والأقارب الذين كانوا يقيمون في المدينة للتجارة أو للدراسة. وركبنا في عربة تجرها الجياد مخترقين شوارع المدينة الواسعة وعلى جوانبها العمارات الضخمة والمحلات التجارية والمطاعم. كما شاهدت عربات الترام التي سبق أن شاهدتها لأول مرة في بيروت.

وكان نزولي في بيت أقاربي حسين بن عيسى وإخوانه الذي يقع في الطابق العلوي في بناية ذات أربع طوابق تقع على شارع رئيسي في أحد الأحياء الشعبية التجارية. وكان البيت كبيرا فسيحا له شرفات واسعة مفتوحة وقد خصص قسم من هذا البيت للمسكن والقسم الآخر للأعمال التجارية. وقد صادفت بعض التجار الكويتيين منهم من كان يقيم كضيف أثناء إقامته القصيرة في بومباي. وكانت عادة نزول التجار عند عملائهم عادة سارية وغير مستغربة في تلك الأيام. وقد يستضاف بعضهم لمجرد القرابة والصداقة دون أن تكون هناك أي علاقة تجارية أو مصلحة ومن الكويتيين الذين اشتهروا بحسن الضيافة محمد سالم السديراوي في بومباي ويوسف الصقر في مدينة كليكوت على ساحل الملبار في جنوب الهند وهذا نموذج حي على تقاليد تلك الأيام التي تدل على الألفة وعدم الكلفة والتعاون بين أبناء المجتمع الواحد.

كان عدد سكان بومباي في تلك الأيام لا يزيد على ثلاثة ملايين نسمة وباعتبارها مدينة تجارية فإنها كانت تعج بمختلف الجنسيات من شرقية وغربية وكان للعرب شأن كبير فيها وأعني بهم عرب الخليج بسبب العلاقات التجارية القوية. كما أن سياسة بريطانيا في الخليج كانت مرتبطة في ذلك الوقت بحكومة الهند وأعني بذلك أمور الحماية على الإمارات وما يتبعها من علاقات.

وكانت غالبية السكان من الهندوس. أما الهنود المسلمين فكانوا يؤلفون حوالي عشرين بالمائة من مجموع السكان. كما توجد في بومباي طائفة نشطة هم طائفة الفرس المجوس عبدة النار الذين يقال انهم رحلوا إلى الهند في بداية الفتح الإسلامي لبلاد فارس وتمركزوا في مدينة بومباي ويبلغ عددهم حوالي المائة ألف نسمة في ذلك الوقت غالبيتهم من الطبقة المثقفة، حيث منهم كبار القضاة والأطباء والمحامين والتجار. ويقال أنهم جلبوا النار معهم التي يعتبرونها مقدسة عند رحيلهم الأول من بلاد فارس.

كما لهم طريقة خاصة في التخلص من الموتى تختلف عن طريقة الهندوس الذين يحرقون الجثة في احتفال مقدس، أما الفرس فيضعون موتاهم في مقابر مكشوفة مسورة ثم يتركونها كطعام للنسور والطيور الجارحة الأخرى التي يراها المارة من هناك جاثمة على الأسوار تنتظر!

أما المسلمون في بومباي فهم طوائف منهم السنة والشيعة والاسماعيلية الذين يتبعون الأغاخان. وبسبب هذه التجمعات الدينية المختلفة ليس في مدينة بومباي وحدها بل في سائر شبه الجزيرة الهندية. فالصراعات الطائفية والخصومات تكاد لا تنقطع وكانت المصالح الاستعمارية تستثمر هذه الخلافات لمصالحها الخاصة من أجل فرض سيطرتها الكاملة بأقل جهد ممكن.

وكانت علامات التعصب عند المسلمين بارزة في حياتهم اليومية وذلك بسبب قلتهم بالنسبة للمجتمع الهندي الكبير. ففي الأحياء الإسلامية تجد الأسماء الإسلامية والعناوين على المحلات التجارية واضحة وقد تصل إلى حد المبالغة فمثلا تجد الأسماء على بعض المطاعم كالآتي "إن الله مع الصابرين أوتيل" "وإنا فتحنا لك فتحا مبينا أوتيل" وفي مصطلحهم المحلي فهم يسمون المطعم أوتيل التي تعني كلمة فندق باللغة الانجليزية.

وخلال تلك الفترة التي كنت فيها بدأت تبرز حركة المهاتما غاندي الزعيم الهندي الأسطوري المشهور وكانت حركته نكسة ضد الاستعمار البريطاني وأساليبه التعسفية وقد ابتدع نظرة فلسفية تنسجم مع الوضع في الهند وكون السلطة الضاربة هي بيد الحكومة وسمي حركته ونظريته هذه بحركة العصيان المدني CIVIL DISOBEDIENCE ومن أهدافها مقاطعة البضائع الأجنبية وتشجيع الصناعات الوطنية. وكان عند تنقله يجمل معه مغزله الذي يغزل فيه خيوط القطن لصنع الملابس الخشنة البسيطة التي كان يلبسها هو وأتباعه ثم انتشرت في جميع أنحاء الهند حتى أصبحت تلك الملابس الخشنة مفخرة لمن يلبسها وعاراً لمن يلبس غيرها من الصناعات الأجنبية التي كانت معظمها ترد من بريطانيا في تلك الأيام. كما كانت ترافقه معزة كان يقتات بحليبها في حياته البسيطة.

ومن الأمور التي استغلها غاندي في حملته السلمية ضد الاستعمار البريطاني الضريبة التعسفية التي فرضتها السلطات الاستعمارية على الملح! نعم ملح الطعام الذي لا يمكن أن يستغني عنه أحد. فقد كانت حملته هذه من أقوى أسلحته في عصيانه المدني.

ولا شك أن ظاهرة الاستعمار تكمن في الطبيعة البشرية التي تتمثل في سيطرة القوي على الضعيف من أجل أن يزداد القوي قوة والضعيف ضعفا. وكان الاستعمار يتحول ويتطور بموجب مفاهيم وأساليب تناسب كل زمان ومكان فمن فرض الإتاوات على البلاد المقهورة إلى أخذ الأسرى والسبايا مثل ما فعلت أمريكا مع شعوب أفريقيا السوداء. وقد استشرى الاستعمار في عهد النهضة الصناعية التي شملت بلاد الغرب وجاءت بريطانيا إلى الهند تبحث عن أسواق لتجارتها وقد رأت أن فرنسا قد سبقتها، وتطور التنافس التجاري إلى صدام عسكري استطاعت بريطانيا في نهايته القضاء على النفوذ الفرنسي والنفوذ البرتغالي الذي سبقه ثم تمكنت بريطانيا بعد ذلك من السيطرة على الولايات الهندية الواحدة بعد الأخرى حيث استطاعت أن تستميل بعض الأمراء للقتال إلى جانبها ضد أبناء وطنهم ثم قضت عليهم جميعا وعوضت بعضهم ببعض الامتيازات ثمنا لمساعدتها وخضوعهم لسلطتها. وكانت تحكم البلاد عن طريق نائب الملك أو الملكة وعاصمته مدينة دلهي ولكل ولاية حاكمها البريطاني الذي يتبع نائب الملك. وظل الحال على هذا المنوال حتى عام 1947 أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث تأسست بعد ذلك دولتان في شبه القارة الهندية هما الهند وباكستان وقد اختارا النظام الجمهوري الديموقراطي لبلديهما.

وجه الاستعمار الآخر

ومن الإنصاف القول بأن الاستعمار الغربي الذي تحدثنا عن تعسفه وقسوته في حكم البلاد المستضعفة، إلا أن هناك آثاراً حضارية زامنت الفترة التي قضاها المستعمر في تلك البلاد ولنعود إلى الوراء قليلا إلى أواخر القرن الثامن عشر فمثلا عندما احتل نابليون مصر ومع أن فترة احتلاله لم تدم أكثر من ثلاث سنوات فان التاريخ يحدثنا عن إنجازات حضارية كثيرة تمت خلال تلك الفترة القصيرة لا مجال لشرحها في هذا المكان.

كذلك فان الإنجليز خلال مدتهم الطويلة في حكم الهند فإنهم وضعوا له الكثير من النظم والإصلاحات الإدارية والعمرانية وقد بهرتني مدينة بومباي لا سيما الحي الغرب منها حيث الأبنية الحديثة والقديمة الفخمة التي تشير إلى العصر الفيكتوري نسبة الى الملكة فيكتوريا. فالسكك الحديدية في الهند ونظامها الذي لا يقل في تلك الأيام عن نظام أي بلد في أوربا ناهيك عن محطة القطار المسماة (بوري بندر) في مدينة بومباي فانك إذا دخلتها تتصور أنك في إحدى محطات قطار لندن المشهورة.

وجريدة التايمس الهندية التي كانت تضاهي جريدة التايمس اللندنية في الإخراج والمواضيع ومبناها الفخم وطباعتها الراقية وحرية الرأي التي كانت تتمتع بها فكانت تنقل خطب غاندي وجواهر لال نهرو والزعيم المسلم محمد علي جناح وغيرهم بما في تلك الخطب من تحديات سافرة لبريطانيا.

كما أن القضاء ونظام المحاكم كان إلى حد ما يشبه ما كان عليه في بريطانيا وكذلك فالشيء نفسه يقال عن النظام الإداري ومستوى الموظفين العالي الذي كانوا يسمونه نظام الخدمة الهندي INDIAN CIVIL SERVICE الذي اشتهر رجاله بكفاءاتهم الإدارية. وكذلك أنظمة الشرطة والجيش حيث استفادت بريطانيا من كل هذه الخبرات في حروبها لا سيما في الحرب العالمية الأولى. فعندما احتلت العراق في بداية الحرب أي في النصف الثاني من عام 1914 كانت غالبية جيشها من الهنود كما جلبت معها مجموعة كبيرة من الإداريين الهنود الأكفاء لإدارة البلاد وتأسيس نظام إداري جديد على أنقاض النظام العثماني المنهار وقد ظهر ذلك واضحا في نظام الشرطة والبرق والبريد والتلفون والمحاكم التي كانت تحكم بموجب القانون المدني الهندي. وبقال أن أول نظام للتلفون الأوتوماتيكي تم تركيبه في البصرة قبل أي بلد آخر في منطقة الشرق الأوسط.

ولم يكن هذا النوع من الاستعمار الإيجابي ان صح هذا التعبير مقتصرا على الأماكن التي ذكرناها بل انه تكرر في بلاد ومدن أخرى مثل عدن وسنغافورة وهونكونك والشواهد على ذلك كثيرة.

فبريطانيا احتلت عدن في النصف الأول من القرن التاسع عشر بموجب ترخيص من السلطان العثماني وذلك لإقامة مخازن للفحم لتزويد السفن البريطانية المتجهة إلى الشرق. وقد ازدادت أهمية الميناء بعد فتح قناة السويس وعندما استعاضت السفن البريطانية بالنفط كوقود لبواخرها في أوائل القرن العشرين بدلاً من الفحم الحجري. أنشأت في عدن مصفاة للنفط من أكبر مصافي النفط في العالم. ولأن الرخصة التي منحها السلطان العثماني حرمت على بريطانيا فرض الضرائب أيا كان نوعها على الأهالي والبضائع فقد أصبحت عدن في وقت من الأوقات مخزناً كبيرا لشتى أنواع البضائع العالمية وكان مردود ذلك على البلد كبيرا وظاهرا. وقد شاهدنا ذلك عندما زار الوفد الكويتي الجمهورية العربية اليمنية في بداية عام 1963 حيث زرنا بعد ذلك مدينة عدن ولذلك قصة طويلة مشوقة سنذكرها في مكانها المناسب ان شاء الله. انما حكم بريطانيا لمدينة عدن والجنوب العرب لم يكن كله بهذه الصورة المضيئة فقد كانت هناك مساوئ لا تغتفر مثل تشجيع الهجرة الأجنبية وغير ذلك من الأحكام التعسفية.

وكما أشرت سابقا فقد كان وصولي إلى مدينة بومباي في عز موسم الأمطار والذي يسميه الهنود موسم (البرصات). كذلك أشرت إلى كميات الأمطار الهائلة التي تسقط على المدينة خلال ذلك الموسم. لكني لاحظت كما لاحظ غيري من القادمين إلى المدينة التقنية المتقدمة لتصريف تلك الأمطار التي تتفجر من السماء وتستمر عدة أيام بلا انقطاع. فما أن يتوقف المطر ونخرج إلى الشارع إلا ونرى أن تلك المياه الغزيرة قد انحسرت وأصبحت الشوارع خالية من أي أثر لتلك الأمطار زد على ذلك أني لم أتذكر خلال تلك الفترة التي دامت قرابة ثلاثة أشهر أن توقفت التلفونات أو انقطع التيار الكهربائي وأرجو أن يتذكر القارئ الكريم أني أتكلم عن عام 1932!

لقد لفت نظري عندما كنت أتجول في المدينة كثرة الناس الذين ينامون على الأرصفة وقد قرأت في إحدى الصحف بوقتها أن عددهم يقارب الثمانمائة ألف نسمه كلهم من الفقراء المعدمين العاجزين أو العاطلين عن العمل حيث تنتشر بينهم الأمراض والعاهات مثل مرض الجذام المنتشر بكثرة في هذه الأوساط. كذلك قرأت عن طبقة تشكل نسبة كبيرة في المجتمع الهندي اسمها طبقة المنبوذين DEPRESSED CLASSES ومن هذه الجماعة تجد الفلاحين في الإقطاعيات الكبيرة والعمال وبعض المهن الواطئة الأخرى. كما أن بعض المتزمتين من الهنود يسمونهم (الأنجاس) ويستنكفون حتى من ملامستهم أو الاقتراب منهم!

كما كنت تجد في أماكن أخرى الأمور تسير على النقيض في قصور الراجوات والأثرياء من كبار الملاكين والتجار وبيوتهم التي بعضها أشبه بالقلاع بما فيها من أثاث ورياش ولا يزال بعضها باقيا إلى يومنا هذا حيث أصبحت متاحف يزورها السياح.

وكان يوجد في مدينة بومبي حي أوربي تحف به الحدائق والقصور وكبار الفنادق مثل فندق تاج محل المشهور الذي سمي على اسم تاج محل في مدينة أكرا بالقرب من العاصمة دلهي. وغالبية رواد هذه الأماكن وسكنتها من الأوربيين. والتمييز العنصري بارزاً في هذه المنطقة حتى إنك ترى الكتابة على دورات المياه للأوربيين فقط EUROPEAN ONLY هذه الظروف وأشباهها هي التي أبرزت الزعماء الهنود أمثال غاندي ونهرو وغيرهم وسارعت في زوال تلك الأنظمة الشاذة.

ولاشك أن التاريخ سيظل يذكر لأولئك الزعماء إخلاصهم وزهدهم وصبرهم على المكاره لما تعرضوا له من مهانة وأذى في داخل سجون الاستعمار أو خارجها فضربوا أروع الأمثلة لشعوبهم وقد كان بإمكانهم لو فكروا في راحتهم ومتاعهم أن يعيشوا في أعلى مراتب البذخ والنعيم ولكنهم أبوا إلا أن يشاركوا شعبهم المقهور أحزانه وحرمانه فاقتدى بهم الشعب وصبر وصابر حتى دقت ساعة الخلاص لتعلن رحيل المستعمر الغاصب وقد تم ذلك في عام 1947 أي بعد فتره استعمار دامت أكثر من قرن ونصف.

لقد فاتني أن أشير إلى طبقة هامة ولو قليلة من سكان الهند وهي طبقة الهنود المولدين أو ما يسمونهم ANGLO-INDIAN وهذه الطبقة نتجت عن الزواج المختلط بين الإنجليز والهنود على مر السنين وبطبيعة نشأتهم وأصولهم فان معظمهم كان يتمتع بثقافة عالية كما أنهم غالبا ما تكون لهم مدارس خاصة عليها الطابع التبشيري المسيحي سواء للمذهب البروتستانتي أو الكاثوليكي. وهم معروفون بأسمائهم الإنجليزية ولون بشرتهم الفاتح المخلوط بين السمرة والبياض. والواقع أنهم كانوا يعيشون في محنة اجتماعية. فهم يرون أنفسهم أرقى من الجنس الهندي وفي الوقت نفسه فالإنجليز لا يضعونهم في مصاف الإنجليز (الاقحاح). لذلك فهم دائما في حيرة من وضعهم الاجتماعي.

دراستي في بومباي

من حسن الحظ والصدف أن جو الحرية والانطلاق التي كنت أعيش فيه في تلك الأيام لم يتعد حدود المعقول كما أشرت في مناسبات سابقة بالرغم من حداثة السن وتوفر المادة. ولكني أينما ذهبت أجد نفسي في أجواء متحفظة وأقرب ما تكون إلى التقشف في حدود إمكانات مادية محدودة. وبعد أن مضى على وصولي بضعة أسابيع انتهت من خلالها فترة التعرف على المنطقة وعلى الأساليب التي يمارسها أبناء الخليج هناك ولا سيما الكويتيين منهم في كسب المعيشة.

فمنهم المقيم الذي يعمل ومنهم التاجر المكافح الذي يقوم برحلات (مكوكية) إن صح التعبير، بين بلاده ومدن الهند حسب نوع تجارته. ناهيك عن أصحاب السفن الشراعية وما نسمعه من قصص البحارة ومعاناتهم. كل هذه العوامل أعطتني نوعا من الحصانة في السلوك تمشيا مع حياة الذين أعيش بينهم كل يوم. وقد ينطبق علي المثل القائل إلى حد ما "مكره أخاك لا بطل!".

وعلى هذا الأساس كان لا بد أن أعمل شيئا وكان أقرب الأشياء إلى نفسي أن أواصل حياة التلمذة وأن لا أقطعها في تلك الفترة المبكرة من حياتي وبدأت أستعرض المدارس التي تناسبني والتي تهيئ طلابها لدخول الجامعات فالتحقت بإحداها. وكان معظم طلابها من أبناء المولدين الذين أشرت إليهم ثم علمت فيما بعد أن هناك مدرسة بنفس المستوى ولكن أرقى منها في مستوياتها الاجتماعية واسمها "مدرسة سانت ماري العالية" فالتحقت بها وكان المشرفون عليها من جماعة الآباء اليسوعيين وغالبية طلابها من أبناء كبار الموظفين والأغنياء. وتتبع النظام الإنجليزي في أسلوب المناهج والتدريس. وقد استأجرت شقة في أحد الأحياء الشعبية القريبة من مساكن الجاليات العربية. وقد شاركني في سكني هذه الشقة فيما بعد الصديق المرحوم الحاج عبدالله الصالح الفلاح وكان يعمل وقتها (دلالاً) في تجارة اللؤلؤ. ثم انتقل فيما بعد إلى بغداد وفتح محلاً تجاريا هناك وفي أوائل الخمسينات عاد إلى الكويت وشغل منصب "مدير البلدية".

التحول الفجائي

جرت العادة في أيام العطل ووقت الفراغ أن أذهب إلى الأحياء الأوربية في مدينة بومباي وكنت أجد متعة وتغييرا على شتى المستويات فالطرق الواسعة النظيفة والمحلات التجارية الراقية التي لم أجد لها شبها إلا عندما زرت أوروبا ولندن بالذات. وكنت أذهب بلباسي الأوربي وكنت أرتاد تلك الأماكن بحرية لا سيما دخول بعض الأماكن المخصصة للأوربيين وكان يظن البعض أني من (المولدين) الذين أشرت إليهم فيتسامحون معي!

وكان الملفت للنظر في تلك الأماكن كثرة المكتبات ووفرة الكتب فيها والصحف الأجنبية وكنت أقضي بعض الوقت في زيارة تلك المكتبات وتشاء الأقدار أن تقع عيني على مجلة مختصة بشئون الطيــران أسمها FLYING (الطيران) وأخــرى بالقـرب منها اسمها (الطيارة) "THE AEROPLANE" فاشترتهما، فالأولى كانت تبحث في قصص الحرب العالمية الأولى وأبطالاً من الطيارين من كلا الجانبين الألمان والحلفاء من الفرنسيين والإنجليز. أما الثانية فهي مجلة فنية تعالج المستجدات في شئون الطيران.

وبدأت أقرأ في مواضيع هاتين المجلتين، لا سيما ما كان في المجلة الأولى من قصص أبطال الطيران في الحرب العالمية الأولى. ومن الأبطال الذين كانوا مثاراً لإعجابي وربما إعجاب الكثيرين الذين قرءوا عنه. هو الطيار الألماني المشهور البارون فون ريختهوفن وكان يلقب بالبارون الأحمر لأن لون طائرته كان كذلك ويقال ان مجرد رؤية تلك الطائرة في الجو كان يثير فزع طياري الحلفاء لا سيما الطيارين الجدد منهم حتى يقال أن بعضهم كان يصرخ فزعا في نومه متصوراً أن (البارون الأحمر) يلاحقه! وقد بلغ مجموع ما أسقطه من طائرات الحلفاء اثنين وثمانين طائرة، إن "عبادة الابطال" واهتمام الناس بأمرهم من الأمور المسلم بها بالنسبة لغالبية الناس لا سيما الشباب منهم. وقد كثر ترددي على تلك المكتبات فوجدت فيها مؤلفات تخص تعلم الطيران ومنها كتاب LEARNING TO FLY الذي بادرت إلى شرائه وحلت هذه الكتب والمجلات عندي محل الكتب المدرسية!

وكانت في الأحياء الشعبية في مدينة بومباي مكتبة عربية يديرها رجل مصري اسمه محمد العدوي وكنا نتردد عليه باستمرار ونشتري منه الكتب والمجلات العربية لا سيما المصرية منها مثل مجلتي المقتطف والهلال. وقد قرأت في إحدى الصحف المصرية خبراً عن تأسيس شركة الطيران المصرية ومدرسة للطيران في مطار ألماظة الذي أصبح عسكريا فيما بعد فحررت رسالة وقتها إلى نادي الطيران الذي تتبعه المدرسة استفسر فيها عن برنامج الدراسة ومدتها وتكاليفها (راجع الجواب من مدير عام شركه مصـر للطيران كمـال علـوي تاريخ 13 يونيو 1933) ومن قراءتي لتلك المجلات الخاصة بالطيران وكتب التعليم وشغفي بها فقد وصلت إلى مرحلة حفظت خلالها الكثير من أمور الطيران النظرية وما بقي إلا التطبيق!

وهكذا وبعد مرور سنة على وجه التقريب منذ وصولي إلى مدينة بومباي وفي مراجعة أسماء وعناوين مدارس الطيران في إنجلترا قررت السفر إلى هناك لمواصلة الدراسة العملية بعد أن تشبعت أفكاري بالنظريات.

ركبت الباخرة المتوجهة إلى البصرة والتي تسافر أسبوعيا بصورة منتظمة وهي تابعة لنفس الشركة البريطانية التي تعمل بواخرها في الخليج. وكانت سفرتي هذه المرة بالدرجة الثانية في غرفة ذات سريرين وكان معي مهندس هندي من جماعة السيك يشغل إحدى الوظائف عند الحكومة العراقية. وكان لطيف العشرة. وكانت بطاقة السفر تشمل الطعام فكنا نلتقي سويا على المائدة. وكانت السفرة في شهر تموز (يوليو) الذي يكون فيه البحر هائجا مائجا كما ذكرت في مناسبة سابقة عندما تحدثت عن رحلة القدوم إلى الهند. ولكن حدة الإزعاج والمضايقة كانت أقل وأخف هذه المرة بسبب وسائل الراحة المتوفرة في الغرفة وكنا بعيدين عن مزعجات المنطقة المكشوفة في الدرجة الثالثة.

وكنت في خلال السفرة أفكر في رحلتي القادمة إلى إنجلترا وما سألاقيه من اعتراضات، وكان اهتمامي منصبا على مفاتحة أخي عبدالله بالموضوع ومقدار تقبله لفكرة سفري الغريبة والتي لو كان الأمر بيده فمن المؤكد أنه لن يقتنع بها أو يوافق عليها لا سيما في تلك الأيام الحرجة والضيق المالي الآخذ برقاب الناس بسبب الأزمة العالمية التي بدأت من عام 1929 ولازالت مستمرة.

والواقع أن هذه الأفكار والتخرصات كانت تؤرقني طيلة السفرة وكنت أتصور ردود فعلها في المجتمع الذي أنا فيه.

لقد كان مقبولاً إلى حد ما أن أذهب إلى لبنان أو الهند للدراسة ولكن بأي حجة وأي منطق أستطيع أن أدافع عن فكرتي الجديدة. واستمرت الرحلة إلى البصرة حوالي ستة أيام. وبعد فترة وجيزة من وصولي ذهبت إلى مقابلة أخي في محله التجاري الكائن في مدينة العشار وفجرت (القنبلة) هناك فأطرق الرجل برأسه فترة وكأنه يبحث عن جواب بعد هذه المفاجأة التي لم يكن ينتظرها أو تخطر له على بال وبدأ يستفسر عن فترة الدراسة وتكاليفها واختصرت الأجوبة خشية الدخول في الجدل ولكنه عرف مقدار عزمي وتصميمي كما أخبرته عن نيتي في السفر بعد العودة من الكويت مباشرة. وكان كعادته معي عطوفا متسامحاً وقد وعد بفتح حساب لي في أحد البنوك البريطانية وكان اسمه "بنك شاهنشاهي ايران" THE EMPERIAL BANK OF PERSIA لذي أصبح فيما بعد يحمل اسم THE BRITISH BANK OF THE MIDDLE EAST البنك البريطاني في الشرق الأوسط ولا يزال يحمل هذا الاسم.

سافرت بعد هذا اللقاء الذي لم يخل من الإحراج واختلاف وجهات النظر بين جيلين مختلفين ولكن انتهى كما ذكرت بما كنت أتوقعه. وأقمت في الكويت فترة قصيرة منها السلام على الوالدة ووداعها ولم أدخل معها في تفاصيل السفرة وقد تعودت على أيام الفراق الطويلة.

أما بعض الأقارب والأصدقاء في الكويت فقد كانت ردود فعلهم متوقعة بعضها مزيج من السخرية والتهكم واتهامي بالسفه وبعثرة المال في تلك الأيام العجاف وازدادت حملتهم علي عندما عرفوا أن ساعة واحدة من التدريب على الطيران تكلف أربع جنيهات إسترلينية أو ما يزيد على خمسين روبية هندية وهو المبلغ الذي كان يكفي لإعاشة عائلة متوسطة الحال والعدد لمدة شهر كامل مع الرفاه!

المهم أنه كلما زاد اللوم زاد العزم عندي والتصميم وكما قال الشاعر:

وزادها شغفا بالحب مذ منعت

احب شيء إلى الإنسان ما منعا

كذلك لا بد من الإشارة إلى أن الشائع في ذلك الوقت أن مهنة الطيران وما يتعلق بها هي أمور لا يقدر عليها إلا أولئك الشياطين الحمر. ولم تكن هذه المعتقدات مستغربة في تلك الأيام التي لم يتجاوز فيها عمر الطيران عن الثلاثين سنة.

غادرت الكويت تاركا خلفي كل ما أثير من شكوك حول رحلتي المثيرة وبعد إقامة قصيرة في البصرة واصلت السفر إلى بغداد ودمشق ثم بيروت التي وصلتها منهكا متعبا فقررت الصعود إلى الجبل لاستريح أياما قصيرة قبل الرحلة إلى أوروبا. وتوجهت إلى مصيف سوق الغرب المشهور حيث يسكن هناك أحد أساتذتي في برمانا واسمه داود صليبا ويدير هو وعائلته نزلاً (بنسيوناً) سماه (بنسيون فاروق) وهو اسم ابنه الأكبر وقد استقبلني أستاذي القديم هو وعائلته استقبالاً طيبا وقضيت في هذا المكان المريح أوقاتا ممتعة بعد مشقة السفر المرهق وربما يستغرب أولئك الذين لم يعايشوا تلك الأيام إذا قلت لهم أن أجرة الإقامة الكاملة في ذلك النزل مع ثلاث وجبات طعام كانت ليرة لبنانية واحدة! وكان الدينار العراقي يساوي أربع ليرات، أي ربع دينار لليوم الواحد للإقامة والطعام. وقد صادف أن وجدت في ذلك النزل سيدتين عراقيتين الأولى كانت السيدة أمة سعيد وهي سيدة فاضلة من أصل سوري وكانت تشغل وظيفة مرموقة في معارف العراق وأخبرتني أن أختها هي زوجة على جودت الأيوبي الذي ترأس الوزارة العراقية عدة مرات في العهد الملكي والثانية ابنة أختها واسمها مديحة وقد تزوجت فيما بعد برجل من رجال السلك الخارجي العراقي اسمه ياسين عمر من أهالي أبي الخصيب في البصرة وقد كان مديراً لمدرسة السيف في البصرة في السنوات الأولى من دراستي فيها.

وفي خلال تلك الفترة كنت انزل إلى بيروت مستفسراً عن البواخر المسافرة إلى أوربا فعلمت أن أقرب طريق في ذلك الوقت إلى بريطانيا أن آخذ الباخرة إلى مارسيليا ثم بالقطار إلى أحد موانئ بحر المانش والعبور من هناك إلى الساحل الإنجليزي وقد حجزت على إحدى البواخر التابعة لشركة فرنسية اسمها (مشاجري مريتيم) وكان اسم الباخرة PROVIDENCE وحجزت على أرخص مكان بمبلغ خمس ليرات ذهب أو ما يعادل عشرة دنانير عراقية بيروت-مرسيليا بما في ذلك الطعام كما تقرر أن يكون يوم 3 سبتمبر هو موعد إقلاع الباخرة.

وكانت الباخرة ترسو خارج أرصفة الميناء لذلك ذهبنا لها في الموعد المقرر بواسطة القوارب المعدة لتلك الغاية. لقد كانت الرحلة ممتعة لاعتدال الجو في تلك الأيام. أما الطعام فكان يقدم لنا في قصعات على طريقة الجنود حيث يأتون البحارة إلى أماكن تجمع الركاب حاملين معهم الطعام في أوان ضخمة من النحاس ثم توزع علينا الصحون ونقف في طابور أشبة بطريقة (البوفيه) في الولائم هذه الأيام وكانت غالبية الطعام من لحم البقر والبطاطة أو المكرونة. وكان مصدر الإزعاج الوحيد في تلك السفرة أماكن النوم التي كانت في عنابر تحت مستوى سطح الباخرة والأسرة مرصوفة بعضها فوق بعض كما يحدث في بعض عربات القطار أو ثكنات الجنود. وأتذكر أنه يوم الثامن من أيلول (سبتمبر) أعلن علينا خبر وفاة الملك فيصل الأول وكان لهذا الخبر رنة حزن واسى عند جميع المسافرين العرب في الباخرة التي كان عليها بعض المهاجرين إلى أمريكا وأفريقيا أو من الطلبة الذين يدرسون في فرنسا وغالبيتهم من السوريين واللبنانيين.

الوصول إلى فرنسا

وصلنا إلى مرسيليا على ما اذكر يوم 13 من الشهر ومن هناك أخذت القطار إلى باريس حيث وصلناها في الصباح الباكر.

وكان معي خلال السفرة تلميذان من سوريا ونزلنا سويا في أحد الفنادق الصغيرة القريبة من محطة القطار وكانت أجرة السرير في ذلك الفندق على ما أذكر في حدود المائة وخمسين فلسا بالنسبة للعملة الفرنسية. وأقمت في باريس يومين بلياليهما وكنت متشوقا لرؤية معالمها المشهورة التي سمعت عنها وقرأت.

نعم ها أنذا أتجول في شوارع باريس عروس الدنيا الذي قرأت فيما قرأت عنها مما كتبه توفيق الحكيم، وزكي مبارك في كتابه "ذكريات باريس".

وكان تجولي مشيا على الأقدام ومعي بعض الخرائط أسترشد بها. فإذا شعرت بالتعب جلست في إحدى المقاهي المنتشرة على الأرصفة أتناول بعض المرطبات وان شعرت بالجوع طلبت بعض الساندويج الذي اكتشفت فيما بعد أن اللحم الذي بداخله كان لحم خنزير!

لقد كنت حريصا منذ بداية السفرة أن أقلص مصاريفي إلى أدق حد ممكن لحفظ القرش الأبيض لليوم الأسود كما يقود المثل وكذلك لأعطي الجواب لأولئك الذين هاجموني بالانتقاد والتهكم ولكي أخيب ظنهم فيما ذهبوا إليه. لقد زرت ما سمح لي الوقت بزيارته وكنت استعين بالتاكسي لزيارة الأماكن البعيدة مثل برج ايفل وغابة بولونيا والحي اللاتيني الذي كان يردد ذكره الدكتور زكي مبارك وكثير من الأدباء العرب والدارسين.

وفي أمسية آخر يوم توجهت إلى ميناء (دييب) بالقطار من محطة (سان لزار) ومن هناك صعدت إلى إحدى البواخر المتوجهة إلى مدينة (نيوهافن) على الساحل البريطاني. ودامت الرحلة حوالي أربع ساعات ونصف كانت مزعجة بالنسبة لي بسبب اشتداد البرد ليلاً حيث كنا في منتصف شهر سبتمبر ومما زاد الطين بله ملابسي الخفيفة ومعدتي الخاوية!

وعند وصولنا المدينة وإنهاء الإجراءات الرسمية ذهبت إلى المحطة انتظر القطار المسافر إلى مدينة (ساوثهامبتون SOUTHAMPTON) وهي من أكبر المواني البحرية في جنوب إنجلترا والتي تقع بقربها ضاحية HAMBLE التي فيها مدرسة الطيران. وكان وصولي المدينة عند مطلع الشمس. فذهبت إلى أحد الفنادق المعروفة هناك. وبعد استراحة قصيرة نزلت إلى المطعم وأنا أتضور جوعا وكان هناك الفطور الإنجليزي المشهور الكامل فملأت المعدة وصعدت رأساً إلى الفراش حيث أخذ منى الإرهاق مأخذه ولم أستيقظ إلا في المساء. وفي اليوم الثاني اتصلت بالمدرسة وأخبرتهم بوصولي. وكنت قد سلمت بعض ملابسي عند وصولي للتنظيف السريع فسألت عنها وقيل لي أنها عند البواب (PORTER) وأشاروا الى مكانه.

فلم أجد في ذلك المكان إلا رجلا باللباس الرسمي (السموكن) يعتمر قبعة سوداء طويلة فتصورته أحد أكابر نزلاء الفندق ينتظر سيارته. فعدت إلى صاحبي وقلت له لم أجد البواب فابتسم إلي قائلا ها هو ذا أمامك وكان هو الرجل الذي تصورته أحد اللوردات. فأخذت ملابسي منه وصعدت إلى غرفتي وفتحت الأوراق التي لفت بها فتصورت لأول وهلة أنها ليست ملابسي وأنها أعطيت لي بطريق الخطأ، من فرط ما ظهر عليها من البياض الناصع وكأنها جديدة لم تمسها يد، تم تبين لي أنها ملابسي. وقبل الذهاب إلى المدرسة قمت في جولة في المدينة وقد افتقدت المقاهي المنتشرة على الأرصفة التي شاهدتها في باريس. والمدينة ميناء بحري مشهور في جنوب البلاد ومنها انطلقت الهجرات الأولى إلى الدنيا الجديدة بعد اكتشاف أمريكا.

والفندق الذي نزلت فيه من الفنادق الأولى في المدينة ولكنه كباقي الفنادق الإنجليزية في ذلك الوقت فالحمامات فيه خارج الغرف وتجلب لك الخادمات في الصباح ماء غسل الوجه بجرة وحوض من الصين وتساعدك في سكب الماء.

الالتحاق بالمدرسة

وغادرت الفندق متوجها إلى المدرسة بواسطة التاكسي وعند الوصول استقبلني السكرتير وحياني ببعض الكلمات العربية وكانت مفاجأة لي واخبرني انه اشتغل خلال فترة الحرب العالمية الأولى في العراق مع القوة الجوية البريطانية وفي مطار الشعيبة بالذات القريب من البصرة. وكان استقباله لي وديا ثم أخذني إلى رئيس المدرسة وقدمني إليه فاستقبلني بنفس الأسلوب الودي وانطلق معي في الحديث وقال لي انه كان قائداً للسلاح الجوي البريطاني في أحد القواعد على حدود الهند الشمالية الغربية وقال انه خدم أيضاً لبعض الوقت في العراق وقد تقاعد مؤخراً وكان برتبة عميد جو GROUP CAPTAIN ثم أخذني السكرتير إلى المحاسب وتمت معاملة التسجيل وأرشدوني إلى الغرفة المخصصة لي في أحد (البلوكات) المعدة للسكن وتقع المدرسة في موقع ملحق بالمطار وتتألف من عدة بنايات. جميعها من طابق واحد منها المكاتب والورش المخصصة للتدريب العملي وتوجد أماكن مسقوفة للألعاب الرياضية مثل السكواش وغيرها. كما يوجد ناد للرماية عدى الأبنية المخصصة للدراسات النظرية وتوجد قاعة كبيرة للاستقبال بالقرب من المطعم الفخم.

وقرية (هامبل) هذه يتمثل فيها الريف الإنجليزي المشهور بأبهى صورة فبيوتها مبنية على طراز الأكواخ الإنجليزية المعروفة بالريف COTTAGES المحاطة بالحدائق التي تفصلها عن بعضها، وتقع على نهر صغير ولا تبعد كثيراً عن البحر. أما المطار فهو كما ذكرت ملاصق لأبنية المدرسة وهو عبارة عن أرض زراعية فسيحة مغطاة بالأعشاب ومحاط بأشجار الصفصاف في بعض أطرافه. وتقع في أحد جوانبه حظائر وأوكار الطائرات المعدة للتدريب.

وغالبية موظفي المدرسة هم ممن خدموا في سلاح الجو البريطاني ومنهم من أكمل خدمته وأحيل على التقاعد مثل الكابتن آدم الشخصية المتميزة الذي يعرفه الجميع ويراه الجميع كل يوم فهو رئيس الخدم والمسئول عن المطعم. تراه عند كل وجبة يدور حول موائد الطعام يسأل ويتفقد أحوال الطلبة ورضاهم على الخدمة، يمزح ويداعب ويتبادل النكات مزاولاً عمله بهمة ونشاط مع أنه جاوز الستين من عمره وفي شكله يشبه إلى حد كبير الممثل الأمريكي المشهور (أنتوني كوين) وعلى ذكر هذا الرجل فقد شاهدت الكثير من أمثاله ممن شغلوا مناصب رفيعة في الدولة ثم شغلوا بعد ذلك مناصب أوطأ بكثير من أعمالهم السابقة ولم يكن كسب المال الهدف الأساسي لامتهانهم تلك الحرف، بل هدفهم ملء الفراغ وعمل شيء نافع فقد صادفت مرة أحد بوابي الفنادق الكبيرة وكان يشغل رتبة عقيد في الجيش قبل تقاعده. كما شاهدت مرة سيدة عجوزا قاربت الثمانين من عمرها في أحد المطاعم الشعبية تعمل في بيع الصحون والأواني الفارغة. ولاشك أن عملها هذا يزيدها صحة ونشاطاً زيادة على ما تكسبه من أجور.

بدء الدراسة

سكرتير المدرسة الذي أشرت اليه واسمه (DAY) والبالغ من العمر حوالي 35 عاما زودني بكافة المعلومات والنشرات المتعلقة بالمدرسة وفروع الدراسة ومدتها. ومنها هندسة الطيران والملاحة الجوية واللاسلكي وهناك المحاضرات للمواد النظرية ثم هناك (الورش) الخاصة بالدروس التطبيقية والمدرسة تسير بموجب نظم وزارة الطيران البريطانية والسلاح الجوي البريطاني حيث جميع مدربي الطيران كانوا ممن خدموا في السلاح الجوي البريطاني وكانوا يخاطبون حسب رتبهم العسكرية لا سيما فيما يتعلق بالأمور المكتوبة. وقد كنت التلميذ العربي الوحيد بالمدرسة وقد اخبروني عن تلميذ مصري أكمل دراسته وترك ورأيت طلابا معي من الصين والنمسا وكندا والهند. كما كانت المدرسة متعاقدة مع سلاح الجو البريطاني لتدريب بعض فئاته.

وبدأت اقرأ تفاصيل مناهج المدرسة وفصول الدراسات النظرية والعملية ومددها وتكاليفها. ومن هذه المراجعة الشاملة وجدت من الأنسب لي أن أبدأ بالالتحاق بدورة هندسة الطيران لكي يكون عندي الإلمام الضروري بخصائص تشغيل الطائرات وصيانتها قبل الإقدام على تعلم قيادتها.

وهندسة الطيران AERONATICAL ENGINEERING تنقسم إلى قسمين رئيسيين الأول يتعلق بهندسة المحركات والآلات التابعة لها والقسم الثاني يتعلق بجسم أو هيكل الطائرة وكل ما يشتمل عليه ذلك الهيكل والمواد الداخلة في صناعته RIGGING وقد يكون التخصص بأحد هذين الفرعين أو كليهما. وقد طلبت الالتحاق بدورة الفرعين معاً. وكانت الدراسة تنقسم إلى قسمين النظري وهو عبارة عن دروس نظرية تتعلق بالمواضيع والأمور المختصة بالمحركات وهياكل الطائرات. أما القسم التطبيقي فمكانه المشغل أو (ورشات) العمل.

وكانت مفاجأة لي عند بدء الدراسة التطبيقية أن استدعانا المدرس وكنا حوالي العشرة في تلك الدورة وصحبنا إلى ورشة هياكل الطائرات وكنا نتصور أنه سيشرح لنا شيئا عنها ولكن بدلا من ذلك أعطانا بعض قطع من الخشب وطلب نشرها وعمل بعض الأشكال الهندسية المتناسقة شرط أن لا يكون فيها عوج وتنطبق على بعضها تمام الانطباق. وتكررت الحالة مع أستاذ الميكانيكا في اليوم التالي فأعطاني قطعة من الحديد الخشن وطلب تسويتها وتنعيمها بواسطة المبرد وبعد أن يتم ذلك نقطعها إلى قطع متناسقة متداخلة بعضها ببعض. ولا أريد أن أسترسل في التفاصيل إنما الذي أود أن أقوله أنه عند انتهاء كل درس من تلك الدروس كانت تتجمع في انفي كتل من نشارة الخشب وبرادة الحديد!

ومع الوقت أدركنا أن هذه المقدمات ضرورية حتى تكون عند المختص خلفية عن أوليات المهنة ومتطلباتها. ومع الأيام بدأنا ننتقل من مرحلة الى أخرى حسب المنهج المقرر وخلال ثمانية أشهر أمضيت أكثر من أربعمائة ساعة في التدريب العملي علاوة على حضور الدروس النظرية ذات العلاقة المباشرة بهندسة الطيران.

بداية تعلم الطيران

وكما ذكرت أعلاه فقد أمضيت أكثر من أربعه أشهر أتدرب بين مشاغل الطائرات والدروس النظرية حتى منتصف شهر شباط (فبراير) من عام 1934 حيث بدأ مرحلة التدريب العملي على الطيران بعد أن تشبعت أفكاري بالنظريات منذ أيام اقتناء الكتب والمجلات في بومباي كما سبق ذكره ومن حسن الحظ أن الشتاء في ذلك العام كان معتدلاً في إنجلترا ومع ذلك فكان لا بد لي من شراء الملابس والأجهزة اللازمة للتدريب الذي يتم على طائرات مكشوفة يتعرض فيها ثلث الجسم العلوي لتيار الهواء البارد الذي تزداد حدته كلما ازدادت سرعة الطائرة. ومن هذه الملابس وأهمها المعطف المصنوع من الجلد وخوذة الرأس والقفازات الجلدية الطويلة (انظر الصورة).

كانت بداية الدورة في منتصف الشهر وكنا على ما أذكر أربعة أو خمسة طلبوا إلينا التواجد على أرض المطار المغطاة بالأعشاب الكثيفة. وأصعدونا في طائرة ذات ثلاث محركات من النوع التجاري لحمل الركاب. وكانت هذه أول مرة أحلق فيها بالجو. وحلقت الطائرة فوق المروج الخضراء ولأول مره أرى الأرض والبيوت والشوارع من ذلك الارتفاع العالي وبدت وكأنها خارطة مجسمة عملاقة من تحتنا وكان الطيار بين فترة وفترة يلتفت إلينا ربما ليقيم الانفعالات التي ترتسم على وجوهنا ثم بدأ يحرك الطائرة بحركات متعمدة كالهبوط السريع من علو شاهق إلى الميلان والدوران بعنف مما جعلني أشعر بشيء من الضيق والملل. واستمرت هذه الرحلة حوالي العشرين دقيقة وبعد الهبوط بدأ الطيار يسألنا ليتعرف على تأثير هذه الرحلة على كل منها. والواقع أن الرحلة كانت مزعجة في مرحلتها الأخيرة ولكن لم يصب أحدنا بالدوار وهو المهم.

وبدأت معي مرحلة التدريب في الأيام التي تلت على طائرات ذات جناحين ومحرك واحد ومقعدين، الأول مخصص للمدرب و الثاني للتلميذ وأجهزة القيادة مزدوجة في كلا المقعدين. وكانت الطائرة التي صعدت إليها من نوع AVRO-CADET وهو النوع الغالب في المدرسة (انظر الصورة). ودامت أول رحلة تدريب حوالي عشر دقائق كان يشرح فيها المدرب بعض وظائف أجهزة القيادة من خلال تلفون مرتبط بخوذة كل من المدرب والتلميذ ويشبه إلى حد ما سماعة الطبيب. وتكررت الطلعات بين يوم وآخر وكنت اجد فيها متعة ما بعدها متعة وكان يتناوب على تدريبي اثنان من المدربين الأول اسمه الملازم الطيار VEALE والثاني الملازم الطيار POPE وكان هذا الأخير أوسع بالا من الأول وكان سروري يتضاعف عندما أجده في انتظاري.

وعند تحليق الطائرة في الجو فإنها تفقد أي اتصال بالأرض لعدم وجود أجهزة اللاسلكي، أما الراديو فلم يكن شائعا في ذلك الوقت. وعلى هذا الأساس فلم يوجد شيء اسمه برج مراقبة. بل كان هناك مكتب في بناية المطار لتسجيل حركة كل طائرة مع ذكر اسم التلميذ والمدرب والمدة التي استغرقتها الرحلة. وقد يصادف أحيانا أن تصاب طائرة بعطب ويضطر الطيار للنزول اضطراريا في أحد المطارات القريبة منه أو أحيانا في أي بقعة من الأرض تصلح للنزول وبعد ذلك يحاول الاتصال بإدارة المطار ليشرح للمسئولين تفاصيل ما حدث. وقد حدثت لبعض التلاميذ عدة حالات من هذا النوع أثناء فترة إقامتي بتلك المدرسة وفي مثل هذه الحالة ترسل الإدارة المهندسين لإصلاح العطل وجلب الطائرة.

وكان المدرب في مراحل التدريب الأولى شديد المراقبة لتصرفاتي وردود الفعل عندي وكنت استشف ذلك من الأسئلة التي يوجهها لي أثناء الطيران وقد يصادف أن يتعرض بعض التلاميذ لحالات أو نوبات عصبية قد تعرض الطرفين للخطر. وفي إحدى طلعات التدريب حدثت حادثة غير مقصودة أفزعت المدرب VEALE حيث بدأ يصرخ علي بعنف قائلا ارفع يدك عن عصا القيادة فرفعت يدي فوراً دون أن اعرف سبب طلبه هذا ولكن عاد وكرر الطلب فرفعت يدي الاثنتين لأؤكد له ذلك. وكنت قبل لحظات قد نزعت القفاز من يدي اليمنى ووضعته في حضني فانزلق مع الحركة وانحشر بين أسلاك القيادة المكشوفة الممتدة بمحاذاة جوانب الطائرة مما أعاق حركة دفة القيادة الحساسة وهذا مما جعل المدرب يصرخ تلك الصرخات العصبية. ولحسن حظي وحظه فقد أراد الله أن التفت في تلك اللحظات الحرجة إلى اليسار فأجد فردة القفاز محشورة بين الأسلاك فانتزعتها بسرعة ولوحت له بها. وعادت الطائرة إلى مجراها الطبيعي بعد أن استطاع المدرب السيطرة التامة عليها في آخر لحظة.

الطيران المنفرد SOLO FLIGHT

وتمر الأيام وتزداد ساعات التدريب ويسلمني المدرب دفة القيادة ويقف مني موقف المتفرج يراقب حركاتي وتصرفاتي ويصدر التعليمات والتوجيهات كلما دعت الضرورة إلى ذلك دون أن يمس عصا القيادة وفي يوم الحادي عشر أو الثاني عشر من شهر مارس (آذار) بعد طلعة قصيرة مع المدرب POPE وبعد أن ترجلنا من الطائرة طبطب على كتفي قائلا وهو يبتسم الآن أصبحت طياراً ماهراً وتهيأ قريبا لكي تنطلق وحدك -SOLO- وقد كانت تلك الكلمات التي سمعتها منه مثيرة للفرحة والرهبة في آن واحد. وذهبت الى المكان المخصص لكل تلميذ لإيداع حوائجه وسلمت المسئول (الباراشوت) مظلة الهبوط المطلوب منا حملها إجباريا قبل كل طيران وإعادتها لأحد المختصين عند العودة لفحصها وجعلها جاهزة للرحلة القادمة.

وعدت إلى غرفتي وجلست استعيد ما قاله لي المدرب وهي الكلمات السارة التي كنت انتظرها. وهنا أود أن اذكر بأن المدرب يستطيع بعد ساعات قليلة من الطيران أن يكتشف مدى استعداد ذلك التلميذ لتعلم الطيران أم لا ولذلك فانهم ينصحون الشخص غير المؤهل لهذه المهنة أن لا يضيع وقته وماله عبثا.

وبعد يومين وعند الظهيرة استدعاني المدرب نفسه وقال تهيأ بعد قليل للطيران حيث الآن وقت الغداء وقد عادت جميع الطائرات إلى أوكارها وقد صفا لك الجو فلننتهز هذه الفرصة وسألحق بك حالاً. ومن حسن الصدف أن ذلك اليوم كان من أيام الربيع الجميلة والشمس مشرقة واتجهت نحو المطار فوجدت الطائرة التي اعتدت الطيران عليها جاثمة وبقربها الميكانيكي الذي اشرف على فحصها حسب البرنامج المقرر وبدأت أدور حولها وأطبطب على أجنحتها وكأني أراها لأول مرة. وكنت أشبه بالفارس الذي يستعد لركوب فرسه إلى حلبة سباق حاسمة أو ربما أكثر.

وما هي إلا لحظات حتى جاء المدرب POPE هاشا باسما وصعد إلى مقعده الأمامي كالعادة وصعدت في المقعد الخلفي وأعطى الإشارة بيده إلى الميكانيكي لكي يدير المروحة التي بواسطتها يستدار المحرك حيث لم ينتشر استعمال المشغل الأوتوماتيكي STARTER على طائرات التدريب في تلك الأيام. واتجهت الطائرة إلى مكان الإقلاع وكنت قد استلمت قيادتها منذ البداية ونظرت إلى مؤشر الريح حيث من المفروض أن يكون إقلاع الطائرة وهبوطها ضد اتجاه الريح وذلك لكي تستفيد عند الإقلاع من المقاومة فترتفع بأقصر مسافة ممكنة وكذلك عند الهبوط ضد الريح لكي تقل سرعتها عند اقترابها من الأرض حيث كلما قلت سرعتها زادت قدرة الطيار على السيطرة عليها والتحكم في توجيهها بالاتجاه الصحيح.

وما هي إلا لحظات حتى انطلقنا في جولة اعتيادية فوق الضاحية والمطار. والذي أود أن أقوله انه خلال أيام التدريب الأخيرة كانت مهمة المدرب إعطاء التعليمات والإرشادات فقط ولم يمس أجهزة القيادة بل كان الأمر كله متروكا لي للتصرف ودور المدرب كان دور المراقب على ذلك التصرف وهذا ما جعله يقتنع أخيراً بأني أصبحت على مستوى من التدريب أستطيع بموجبه من التحليق بمفردي وهي الفترة أو المناسبة التي جاءت نتيجة لتلك اللحظات الحاسمة.

وبعد هذه الجولة الأخيرة أمرني المدرب بالهبوط الذي تم بصورة طبيعية وهو مس الأرض مساً وليس الاصطدام بها، وهذه اصعب مرحلة من مراحل الطيران بالنسبة لتلك الأيام حيث ليست هناك أجهزة مساعدة بل إن كل شيء كان يعتمد على حسن تقدير الطيار للمسافات بينه وبين الأرض مع وضع الطائرة في الزاوية الصحيحة للهبوط. بعد ذلك ترجل المدرب من الطائرة واقترب مني قائلا الآن أتركك تطير وحدك وأنا مطمئن إلى ذلك وتذكر أن عندك محركا جيداً GOOD ENGINE تستطيع الاعتماد عليه، لا تذهب بعيداً وحاول ان لا يزيد ارتفاعك عن ثمانمائة قدم ومع السلامة!

وبدأت أدرج على تلك الأرض الخضراء متجها إلى مكان الإقلاع ثم بدأت التفت يمنة ويسرة لأطمئن الى عدم وجود طائرات هابطة أو محلقة فوق المطار وهي أمور روتينية اعتدنا عليها. وبعدها أعطيت المحرك أقصى سرعته فارتفعت الطائرة بوقت أسرع من المعتاد وسبب ذلك الوزن الذي فقدته الطائرة بسبب غياب المدرب الذي كان وزنه فوق المعدل وقد سبب غيابه شيئا من الارتباك عندي حيث اعتدت أن أراه يملأ المقعد الذي أمامي وفجأة نظرت إلى مقياس الارتفاع فوجدت نفسي أحلق على ارتفاع 1200 قدم بدلا من 800 التي أوصاني بها المدرب وكان ذلك عاملا آخر ساهم في زيادة الحيرة والارتباك وقد عالجت ذلك بأن وسعت دائرة جولتي لكي أستطيع التخلص من زيادة الارتفاع عند محاولة النزول حيث هبطت الطائرة في المكان المقرر لها واتجهت بعد ذلك نحو بناية المكاتب فوجدت المدرب POPE ومدربي الثاني VEALE فتقبلت التهاني منهما.

وهكذا انتهت مرحلة مهمة من حياتي وبدأت مراحل أخرى في طيات القدر المجهول.

وجاء موعد الامتحان

وكان علي بعد ذلك أن أتهيأ لامتحان الشهادة والقيام بالتدريبات اللازمة لذلك كما كان علي أن افحص مدى قوة نظري عند طبيب العيون المختص بفحص المتقدمين لشهادة الطيران وتحدد موعد الزيارة وكنت وقتها واثقا من أن قوة بصري جيدة، وجاء الوقت المحدد ودخلت على الطبيب وبدأ الفحص الروتيني المعتاد وبعده التفت الى قائلاً ان قوة نظر عينك اليمين 6 على 6 أما اليسرى فقوتها 6 على 5 بسبب وجود خلل في العدسة يسمى (الاستجماتيزم) وهذا لا يمكن إصلاحه إلا بلبس النظارات! وكانت مفاجأة لي غير متوقعة تترتب عليها أمور هامة منها عدم استطاعتي التقدم لشركات الطيران التجاري، أي الشهادة التي تخول حاملها احتراف مهنة الطيران كما هو الحال في طياري شركات الطيران. أو الطيران الحربي.

أما شهادة الطيران الخاصة PRIVATE “A” LICENSE فهي تخول حاملها الطيران على جميع أنواع الطائرات وحمل الركاب معه ولكن بدون تقاضي الأجور أو المكافآت -أي بمعنى آخر الاحتراف- ومن قوانين تلك الأيام أن على المتقدم لنيل شهادة الطيران التجاري أن يكون قد أتم على أقل تقدير مائتي ساعة طيران منفرد مع دراسة موسعة في علم الملاحة الجوية والطيران الليلي والطيران (الأعمى) أي الطيران بواسطة الآلات التي كانت متوفرة في تلك الأيام وما أقلها وأبسطها.

أما الحصول على الشهادة الخاصة التي كنت في صدد الحصول عليها فلا تحتاج إلى أكثر من ثلاث ساعات طيران منفرد مع معلومات محدودة عن الملاحة الجوية وقوانين الطيران المدني وكيفية استعمال المظلة (الباراشوت) والنزول الاضطراري والواقع أن نتيجة ذلك الفحص الطبي كانت غير منتظرة بالنسبة لي وصدمتني صدمة عنيفة حيث أغلقت أمامي أحد المجالات التي كنت أطمح إلى تحقيقها وهو الحصول على الشهادة التجارية إذا تهيأت لي الظروف المناسبة وأهمها الناحية المادية ولو بعد حين. ولكن من يدري والإنسان مسيراً وليس مخيراً وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، وعلى أي حال فهذا أحد دروس الحياة وكم غيره من دروس في قائمة الانتظار! أو كما قال الشاعر:

دع المقادير تمشي في أعنتها

ولا تبيتن إلا خالي البال

ما بين طرفة عين وانتباهتها

يبدل الله من حال إلى حال

وبعد الذي حصل قررت مواصلة التمارين للحصول على الشهادة الخاصة واضعا أمام عيني أن يكون ذلك بأقل كلفة ممكنة ثم العودة إلى الوطن.

وبدأت أتدرب على الطيران المنفرد وأحيانا يصعد معي المدرب ليرى تدرجي في المراحل المطلوبة للامتحان الذي أهم متطلباته هي:-

الطيران على ارتفاع معقول ثم الدوران عند ذلك الارتفاع دون هبوط أو صعود و "كتابة" العدد 8 أي كأنك تطير على رقم مرسوم للعدد 8 لعدة دورات لا تقل عن ثمانية ثم تعتدل في طيران مستقيم متجها إلى المطار وهدفك النزول عند نقطة معينة قريبة من وسط المطار كما يتوجب عليك إبطاء دوران المحرك ليكون قريبا من درجة التوقف وتبدأ بالانحدار بزاوية معينة بواسطة ثقل الطائرة GRAVITY أو جاذبية الأرض لها وأنت تقترب من أرض المطار جاعلاً النقطة أو الهدف المعين نصب عينك لتقف عنده أو بالقرب منه بمسافة لا تزيد على (150) ياردة.

أن الغاية من هذا التمرين الصعب هو التعود على الهبوط دون الاستعانة بقوة المحرك وهو ما يسمى بالهبوط الاضطراري ويكون ذلك عادة لظروف قاهرة ومنها توقف محرك الطائرة وهو نادر الحدوث ولكنه يحدث. وقد شاهدت حالة من هذه الحالات حدثت لبعض الطلاب عندما توقف محرك طائرته فوق أرض المطار ولكن تمكن من النزول بسلام.

وفي آخر مرحلة من هذه التمرينات صعد معي المدرب ليرى بنفسه إذا كنت مستعداً لدخول الامتحان قمت خلالها بأداء التمرينات والتعليمات المطلوبة وبعد الهبوط أبدى المدرب ارتياحه من نتيجة التجربة. وبقى علي الآن أن أنتظر مجيء مندوب وزارة الطيران البريطانية حيث أن الوزارة هي المسئولة عن إجراء الفحوص وإعطاء الشهادات لمستحقيها.

وما هي إلا أيام قليلة حتى أخبرتني إدارة المدرسة عن موعد حضور المندوب المشار إليه. وحل الموعد وهيأت لي الإدارة الطائرة التي تعودت الطيران عليها. وجاء الرجل بسيارته ونزل وهو يحمل صندوقا من الزجاج لا يزيد طوله عن أربعين سنتيمتراً داخله اسطوانة التفت حولها ورقة بيانية مخططة حسب العادة وعليها مؤشر يرسم خطوطا تشير إلى حركات الطائرة واتجاهاتها، والصندوق مختوم بختم وزارة الطيران وقام الرجل بوضعه وتثبيته في المقعد الأمامي للطائرة ثم أعرب لي عن تمنياته الطيبة وابتعد عن الطائرة وانطلقت بها إلى الارتفاع المطلوب وأنا أردد الأدعية والصلوات كعادتي في مثل هذه المناسبات الحرجة ومصدر هذه الدعوات الإيمان بالله وبقضائه وقدره. هذا الإيمان الخالص الصادق الذي كنت ولازلت استمد منه طاقة روحية ومعنوية ساعدتني على الوقوف والثبات في الظروف الصعبة والأزمات العاتية.

ووجدت نفسي فوق البحر بمياهه الزرقاء وأمواجه المتلاطمة ولحسن الحظ فقد كان الجو صحواً والشمس مشرقة في ذلك اليوم الجميل من أيام الربيع وأكملت الدوران حسب المنهج المطلوب ولم أعد الدورات التي درتها لانشغالي بمراقبة الأجهزة مثل مؤشر الارتفاع ومؤشر الأفق الذي يدل على استقامة الطائرة في مجراها إلى معدل السرعة وهكذا وأظنني تخطيت الرقم المطلوب. ثم أعدت الطائرة إلى وضعها الاعتيادي واتجهت نحو المطار حيث تم النزول عند المكان المطلوب. واتجهت بعد ذلك إلى المكان الذي تقف عنده سيارة موفد الوزارة فوجدته واقفا بانتظاري فترجلت من الطائرة وتقدم هو إلى المقعد الأمامي الذي ثبت فيه الصندوق الزجاجي وأخرجه من مكانه ونظر إلى المؤشر البياني ثم تقدم مني مصافحا وقال مبروك كل شيء على ما يرام. ثم حمل معه الصندوق المختوم وتركني وأنا أحمد الله وأشكره على هذه النتيجة الطيبة التي جاءت بعد مراحل اختلطت فيها عوامل الشطط والمغامرة والمثابرة. ولكنها على أي حال جاءت بثمره وتحققت فيها رغبه. ومرت الأيام وأنا أنتظر استلام الشهادة التي جاءتني بالبريد المسجل وهي عبارة عن دفتر يشبه جواز السفر وبحجمه تقريبا وكان رقمها 6529 وتاريخها الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو) 1934 (انظر الصورة).

وكنت قبل ذلك قد بدأت الاستعداد للسفر. وقبل أن اختم هذا الفصل من إقامتي في بريطانيا التي دامت حوالي ثمانية أشهر ونصف أود أن أدون مشاهداتي وملاحظاتي خلال هذه الفترة وأظن أن فيها بعض الفائدة.

الحياة في المدرسة

لقد أشرت فيما مضى إلى أن نمط التدريب والدراسة يشبهان الى حد ما ماهو عليه الحال في المدارس التابعة لسلاح الطيران البريطاني باستثناء التدريبات العسكرية. أما المعيشة فموضوع الطعام الذي يقدم لنا كان من الدرجة الأولى من الناحية النوعية والكمية. أما غرف النوم فكانت على مستوى جيد بمقاييس تلك الأيام فقد كانت مجهزة بالتدفئة المركزية ومزودة بمغسلة أما الحمامات فكانت قريبة منها. كما كان لكل مجموعة من الغرف مراسل BATMAN بنفس الطريقة المتبعة في سكن الضباط في الجيش وهو المسئول عن نظافة الغرفة وما يتبع ذلك.

وكنت أدفع مقابل الطعام والسكن اثني عشر جنيها إسترلينيا في الشهر وكان معي في المدرسة بعض الطلبه الهنود واخبروني بأنهم يسكنون عند بعض العائلات الساكنة بالقرب من المدرسة ويدفعون لأكلهم ونومهم خمسة جنيهات شهريا! وقد دعوني لازور أماكنهم وفعلاً قمت بذلك وأقنعوني بأن انتقل إلى بيت مجاور لهم وبنفس التكاليف وجئت إلى محاسب المدرسة وأخبرته بما قررت وأخذت أمتعتي وذهبت. واستقبلتني صاحبة البيت الذي كان على الطراز الريفي الإنجليزي وأرشدتني إلى الغرفة وتوابعها وكانت قد تجاوزت السبعين من عمرها ومعها ابنتها العانس التي قد قاربت الخمسين بجسمها المترهل ووجهها المستدير ذي الحمرة القرمزية.

وجاء وقت الغذاء فذهبت إلى غرفة الطعام التي هي جزء من غرفة الجلوس وجلست وحدي انتظر حتى جاءت الآنسة العانس تحمل الخبز وقليلاً من الزبد ثم ذهبت وجاءت بصحن فيه قطعة من لحم البقر مع الخضار وكان من الخس المسلوق، ثم عادت تحمل قليلا من الفاكهة المعلبة وبس! وحاولت أن أجد المبررات لهذه الوجبة (الحافة) على أساس أن الأوربيين لا يهتمون كثيراً بوجبة الغذاء بسبب قصر فترة الراحة عندهم حيث يواصلون العمل بعد ذلك. وذهبت إلى المدرسة لحضور المحاضرات وعدت في المساء وكانت برودة غرفة النوم لا تحتمل فأخبرت صاحبة البيت بذلك ثم جاءتني ابنتها حاملة بعض الأخشاب وأوقدت المدفأة وتبدل جو الغرفة قليلا وبعد لحظات دعوني لتناول العشاء. الذي بدأ بالشوربة وكانت من الخضار المسلوق الذي لم أجد لها طعما تلتها قطعة من لحم الدجاج مع البطاطة المسلوقة ثم جاءت العجوز تسأل إذا كان كل شييء على ما يرام!

وصعدت إلى غرفة النوم فوجدت النار قد خمدت وأصبحت الرياح الباردة تتسرب من الموقد فعادت بي الذكريات إلى غرفتي والتدفئة المركزية وموائد الطعام الدسمة، وقهقهات الكابتن آدم ومزاح الزملاء على المائدة وأحاديثهم الشيقة.

ويا صبح أصبح حيث لم أذق طعم النوم الهادئ الذي تعودت عليه في تلك الغرفة المريحة. وعند الصباح أخبرت ربة البيت بعزمي على المغادرة وقلت سأعود لدفع الحساب واستلام أمتعتي. وهرولت مسرعاً إلى المدرسة لألحق على وجبة الإفطار لأملأ معدتي الخاوية بذلك الفطور الدسم الذي لو عددت سعراته الحرارية لكانت كافية لسد حاجة الجسم طول النهار ولا حاجة بي لذكر التفاصيل فالفطور الإنجليزي له شهرته العالمية. وأخذت مكاني على المائدة بين الزملاء الذين سألوني عن سبب غيابي فأبديت لهم بعض الأعذار تفاديا للإحراج.

بعد ذلك ذهبت مسرعا لغرفة المحاسب وسألته عن غرفتي وهل لازالت فارغة ولم يستلمها أحد فسألني عن السبب فأخبرته برغبتي في العودة ولحسن الحظ عدت للغرفة نفسها. وقد استخلصت من هذه التجربة القصيرة دروساً وعبراً كثيرة منها أنه من السهل على الإنسان أن يرقى إلى ما هو أحسن ولكن من الصعب عليه أن ينزل إلى ما هو أدق.

ولكي أعطي أمثلة أخرى على نسبة الأجور وتكاليف المعيشة في بريطانيا في تلك الأيام فان أجرة المدرب الأسبوعية كانت ثلاثة جنيهات إسترلينية وهي تشمل المدربين العمليين والمدرسين النظريين في المدرسة.

وفي تلك الأيام نشرت بعض كبار الصحف اليومية والأسبوعية البريطانية إعلانات كبيرة عن افتتاح فندق كمبرلاند المشهور الواقع أمام الماربل آرج ومن ضمن تلك الإعلانات تحديد أجور الغرفة مع الفطور الكامل بعشرة شلنات ونصف أي حوالي نصف جنيه إسترليني. أما الفنادق الأخرى فقد كانت أقل من ذلك فالفنادق التي كانت في شارع كرومويل المشهور كانت تتقاضى علي الغرفة مع الفطور الكامل سبعة شلنات ونصف أي حوالي 375 فلساً حسب سعر الصرف في تلك الأيام! هذه الأرقام والتي سبق أن ذكرتها عن الأسعار في منطقتنا تعطي القارئ الذي لم يعايش تلك الأيام فكرة عن الفرق الكبير الذي حدث بسبب التضخم الذي ظهر بصورة واضحة منذ بداية الحرب العالمية الثانية واستمر بقفزاته حتى وصل إلى ما وصل إليه في أيامنا هذه.

كذلك أود أن أذكر قبل اختتام هذه المرحلة الدراسية أنه بعد وصولي بفترة ساورتني الرغبة في شراء دراجة نارية أتجول بها في أوقات الفراغ في الأماكن القريبة من المدينة ولأوسع دائرة معرفتي بتلك الأماكن وقد تم الشراء بالتقسيط من أحد المحلات المعروفة بالمدينة وقد اخبروني قبل ذلك بأنه يتوجب على أن أتحصل على إجازة قيادة من دائرة الشرطة وهي عادة تكون للدراجة النارية ولسياقة السيارة على حد سواء. وقد ساورني شيء من القلق عند سماعي هذا الخبر لأني لم اكن قد جربت ركوب الدراجة النارية في حياتي إنما كان أمامي أن اعتمد على شطارتي السابقة في ركوب الدراجة الهوائية العادية. أما السيارة فعندي إلمام بسياقتها لم يصل إلى درجة الإتقان. وعلى أي حال فهي روح المجازفة تعيد سيرتها مرة أخرى. ولقد جاءت المفاجأة ومعها الفرج عندما اخبرني البائع أن كل ما هو مطلوب مني أن املأ استمارة معينة لطلب الإجازة اذكر فيها تفاصيل العمر والاسم والعنوان وأذيلها بالتوقيع ثم تصلني بعد ذلك الإجازة بالبريد! وكانت مفاجأة سارة لم أتوقعها.

وبعد فترة قصيرة وصلت الإجازة (راجع الصورة) وتم الترتيب مع الشركة بان يأتوني بالدراجة إلى المدرسة مع أحد المختصين عندهم وبالوقت نفسه لكي يشرح لي كيفية تشغيلها وتم الاستلام وكانت جديدة وأظن أن السعر كان في حدود الثمانين جنيها. وبدأت أتدرب عليها في أوقات الفراغ في تلك الأماكن الفسيحة الخالية من الزحام وكانت لي فيها تسلية كبيرة. ومع الوقت أصبحت عندي الجرأة لكي أذهب بها إلى المدينة أتجول في شوارعها كما كنت أقوم بزيارة المدن المجاورة في عطلة نهاية الأسبوع.

ثم اشتد البرد وكثرت الأمطار وأصبح استعمال الدراجة غير مريح.

التفكير في شراء سيارة

وخطرت على بالي فكرة إعادة الدراجة واستبدالها بسيارة مستعملة مع دفع فرق بسيط بالثمن. وفي الوقت نفسه قرأت في الصحف المحلية عن وجود محلات لتأجير السيارات وقلت في نفسي طالما أني عزمت على شراء سيارة فلما لا اجرب تأجير سيارة خلال أوقات الفراغ لا سيما في عطلة نهاية الأسبوع وتم تنفيذ الفكرة. وفي أحد الأيام بينما كنت أسوق في إحدى شوارع المدينة ظهر لي صبي بصورة مفاجأة في أحد الشوارع الجانبية يدفع عربة صفت فوق رفوفها أكياس صغيرة من الورق فيها بعض البازاليا وقد اربكتني هذه المفاجأة فلم استطع تحاشي الاصطدام بالعربة مما أدى إلى انقلابها وتناثر أكياس البزاليا في عرض الشارع!

وكان الصبي في حوالي الثانية عشرة من عمره فاقترب مني وقد بدت على وجهه ملامح الخوف والانزعاج واخرج من جيبه قلما وورقة وقال لي من فضلك اكتب لي اسمك وعنوانك، فسألته عن سبب طلبه هذا فرد علي قائلا لكي أقدمه لصاحب الدكان الذي تخصه العربة، قلت له وأين الدكان قال ليس بالبعيد عندها سحبت العربة بالقرب من الرصيف وقلت له اركب معي لنذهب سويا إلى صاحب الدكان الذي لم يكن بعيدا من مكان الحادث وكان دكان بقالة فاستقبلتني عند بابه سيدة في الأربعينات ترتدي لباسا أبيضا ناصعا وقد سبقني إليها الصبي وقال لها بصوت عال "لقد حطم العربة!" فأشارت عليه بيدها لتفسح لي المجال بالحديث فأخبرها بتفاصيل ما حدث وأخرجت من جيبي ورقة من فئة الخمسة جنيهات وقلت لها بأني أنا المخطئ ومستعد لتحمل ما يصيبكم من ضرر فردت علي بابتسامة هادئة قائلة لا بأس عليك. وكتبت لها اسمي وعنواني ورفضت أن تأخذ الدراهم التي أعادتها لي بينما كنت أتوسل إليها أن تبقي المبلغ عندها ولكنها رفضت وطلبت من الصبي أن يذهب ليأتي بالعربة وانصرفت على أمل أن تكتب لي عن تكلفة إصلاح الضرر.

ومرت الأيام دون أن يصلني أي شيء فخشيت أن تكون تلك المرأة الطيبة قد فقدت العنوان الذي أعطيته لها أو أن الرسالة قد ضلت طريقها فانتهزت فرصة فراغ وذهبت إلى البقالة فوجدت السيدة نفسها وبجانبها يقف رجل تخطى الأربعين من عمره عرفتني عليه على أنه زوجها وقد استفسرت عن عدم إرسال الجواب المطلوب فضحكت وقالت قبل دخولك علينا كنا نتباحث أنا وزوجي حول الكتابة إليك لإخبارك أنه بعد فحص العربة لم نجد أنها قد أصيبت بتلف. وأما البزاليا فان ثمنها زهيد ولا يستحق المطالبة به. وقد أخجلني هذا الرد المؤدب الذي لم أكن أتوقعه وأخرجت من جيبي مبلغاً من المال ووضعته أمامها ولكنهما رفضا أخذه بكل إصرار مما زاد في حرجي وارتباكي. ولم تكن لدي حيلة سوى تقديم الشكر لهذين الزوجين الطيبين.

وخلال تلك الأيام استلمت السيارة المستعملة التي أوصيت عليها وكانت من طراز (بيبي أوستن) BABY AUSTIN لعام 1932 وكانت بحالة جيدة. وقد أشرت في السابق إلى سكرتير الإدارة المستر DAY حيث توثقت صلتي به مع الأيام فكنا نخرج سوياً في أوقات الفراغ لا سيما في العطل الرسمية وقد ازدادت هذه الصلة واللقاءات بعد شرائي السيارة فقد كنا نقوم برحلات إلى مدن بعيدة ومنها مدينة لندن وقد أفدت منه كثيراً في تحسين لغتي الإنجليزية فقد كان لا يتردد في مقاطعتي ولفت انتباهي إلى أخطائي اللفظية وكنت اشكره وأطلب منه المزيد لأستفيد.

أمور أخرى تعلمتها

أهم شيء كان يلفت النظر في تلك البلاد هو النظام وعدم التجاوز على حقوق الغير لا سيما في الأماكن العامة مثل الطوابير على شبابيك السينما التي أشاهدها لأول مرة. وكانت البلاد عموماً أكثر نظافة مما هي عليه اليوم وأقل زحاماً. وكان الطابع الإنجليزي هو الغالب على مدينة لندن فالأجانب كانوا قلة ومشاهدتهم في الشوارع والأماكن العامة نادرة وأقصد بالأجانب المجموعات الشرقية التي تراها اليوم بكثافة في شوارع لندن. لقد أقمت كما ذكرت أكثر من ثمانية أشهر لم أتكلم فيها باللغة العربية إلا مرة واحدة عندما صادفت بعض الأخوة العراقيين في إحدى زياراتي إلى مدينة لندن! وكانوا من الطلبة الذين يدرسون في المعاهد البريطانية وغالبيتهم كانوا على حساب الدولة وقلة منهم على حسابهم الخاص. وكان هذا شأن غالبية الشباب الأجانب الذين يدرسون في المعاهد البريطانية. كما كنت أشاهد أن العنصر الهندي بين الطلاب الشرقيين هو الأكثر بروزاً.

ولم تكن صناعة السياحة منتشرة في أوربا كما هو عليه الحال اليوم بل كانت مقصورة على الأثرياء الذين بإمكانهم تحمل تكاليفها الباهظة، كما كان هناك عامل آخر يعيق أمر السياحة وهو صعوبة المواصلات في تلك الأيام.

ومن الأمور التي تعلمتها في تلك الفترة وأثناء الدراسة المواظبة والمحافظة على الوقت والتنقل في مراحل المعرفة مثل ما ذكرته عن دورة الحدادة والنجارة حيث أن مفهوم الوصول إلى المراكز الأعلى يجب أن يبدأ في تلك النقطة وليس هناك مجال للقفز فوق الموانع بل إزالتها الواحدة بعد الأخرى. وقد سمعت بهذه المناسبة أن أي مدير عام للبريد مثلاً عليه أن يتدرج من أول درجات السلم كأن يبدأ بتوزيع البريد وذلك من أجل الإحاطة بكل مشاكل الوظيفة لكي تكون عنده القدرة على تفهم تلك المشاكل ومضاعفاتها كذلك تعلمت أن أتقبل الفشل وأتحمل نتائجه بقدر تطلعي إلى النجاح وجني ثماره لا سيما فيما يتعلق في الطيران فكانوا يقولون لنا YOU HAVE TO EXPECT THE WORSE أي عليك أن تنتظر الأسوأ وتستعد له. وقد عرفت معنى هذه الفلسفة أو النظرية عندما داهمتني مشاكل الحياة فيما بعد فكانت خير عون لي على الصمود والثبات في وجه تلك الأعاصير.

كذلك كنت أشاهد العامل يؤدي ما عليه من واجب بكل دقة وعناية سواء كان عليه رقيب أم لا وأظن أن هذا النوع من الإخلاص بالواجب هو ما يسميه بعض خبراء الاجتماع "ضمير المهنة" وهو ما يذكرنا بمضمون الحديث الشريف "رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه" ومما يؤسف له أننا نجد الكثير من تعاليم الإسلام مطبقة في بلاد غير المسلمين ومهملة في بلاد المسلمين والأمثلة على ذلك كثيرة. وأول وصولي لتلك البلاد لفت نظري ارتفاع مستوى النظافة في شوارعها وأماكنها العامة وحرص الناس على المحافظة على تلك المستويات، كما لفت نظري أينما تجولت الإشارات التي تشير وترشد الناس إلى دورات المياه وهي أمور ضرورية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوك الناس اليومي وعدم الغنى عن مثل هذه الأماكن. وفي لندن بالذات كنت أجد في مداخل تلك الأماكن إعلانات تحذر من الأمراض التناسلية مثل الزهري وغيره وترشد المصابين إلى أقرب مكان للعلاج.

كما لاحظت بوقتها قلة السيارات وكثرة الدراجات الهوائية التي كان يستعملها بكثرة عمال المصانع وطلاب المدارس حيث تمتلئ الشوارع بها عند استراحة الظهيرة وحلول وجبة الغداء.

ومن اللمسات الحضارية التي شاهدتها وجود كلاب مدربة في بعض محطات القطار لجمع التبرعات للأعمال الخيرية. حيث فوجئت لأول مرة في إحدى المحطات عندما صعد أحد تلك الكلاب الضخمة إلى عربة القطار وكانت مثبتة فوق ظهره علبة نحاسية تشبه حصالة الأطفال وكان الكلب يقف أمام الراكب الجالس ولا يتحرك إلا إذا سمع رنة العملة المعدنية في العلبة ثم ينتقل إلى الراكب الآخر وهكذا حتى إذا سمع صفارة القطار المنذرة بالرحيل قفز مسرعاً قبل أن يتحرك القطار! كما شاهدت في تلك المحطة كلباً محنطاً من نفس الفصيلة داخل قفص من الزجاج وبجانبه لوحة كتب عليها "لقد جمع هذا الكلب للمؤسسة الخيرية الفلانية ما مجموعه كذا.. جنيه استرليني" وأظن المبلغ كان في حدود الخمسمائة جنيه.

وكان الناس أكثر هدوءاً وانضباطاً مما هم عليه اليوم. فكلامهم كان همساً لا سيما في القطارات والباصات بخلاف ما يشاهد هذه الأيام لا سيما عند طبقة الشباب. وكانت النساء أكثر حشمة وحياء في لباسهن وتصرفاتهن وكان لباسهن في البحر (المايوه) يصل إلى حد الركبة. وكنت استمتع بقراءة الصحف التي تصل بانتظام إلى مكتبة المدرسة وأتابع ما يدور في جلسات البرلمان. وأتذكر في أول وصولي أن حدثت ضجة في البرلمان بسبب ثورة الآشوريين في شمال العراق وعن (القسوة) التي استعملت في قمعها وكان يقود تلك الحملة رئيس أساقفة كنتربري الذي كان يحضر تلك الجلسات مع زعيم الآشوريين الذي هرب من العراق وهو رجل دين اسمه (مار شمعون).

وقد استفدت كثيراً من قراءة تلك الصحف المختلفة المشارب والآراء وكانت تستنفد كثيراً من أوقات الفراغ عندي وكنت استعين بالقاموس عندما تصعب علي بعض الكلمات وهذا مما ساعد على تحسن مستوى معرفتي باللغة.

وقد تولت في بريطانيا تلك الأيام حكومة عمالية برئاسة رامزي مكدونالد الاسكتلندي الأصل ومع ذلك فقد كانت بريطانيا في تلك الأيام تعيش على أمجاد وبقايا العصر الامبراطوري الفكتوري نسبة الى الملكة فكتوريا التي حكمت بريطانيا قرابة الستين عاماً عاشت خلالها بريطانيا أجمل عصورها الذهبية. وفي تلك الأيام ظهر هتلر كزعيم أوحد للشعب الألماني ومزق معاهدة فرساي التي أذلت ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى حيث جردتها من مستعمراتها واقتطعت قسما من أراضيها الأصلية وضمتها إلى جاراتها. وتحدى هتلر تلك الدول وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وقصته مع الحرب العالمية الثانية معروفة.

بداية عصر الطيران

إذا جاز لنا القول بأن القرن التاسع عشر هو عصر الاستفادة من قوة البخار في تسيير القطارات والمراكب عبر البحار واختراع المركبات التي تسير بالبنزين -السيارات- فيحق لنا القول أيضاً أن مطلع القرن العشرين كان بداية عصر الطيران وذلك عندما استطاع الأخوان الأمريكيان (رايت) WRIGHT BROTHERS في ديسمبر من عام 1903 من بناء ذلك الجسم الذي هو أثقل من الهواء والتحليق به فوق سطح الأرض لبضع ياردات لأول مرة. وقد كان هذا الحادث العظيم صداه المدوي في جميع أنحاء العالم. ثم بدأ ذلك الجهاز البدائي البسيط يتطور ويتحسن كأي اختراع آخر وذلك عن طريق التعاون والتنافس بين عقول راجحة وعبقريات فذة من جميع أنحاء العالم المتمدين حتى جاءت الحرب العالمية الأولى 1914-1918 عندها تزايد التنافس وتحولت العقول والبحوث في مجالاتها السلمية الى ساحات الحرب والدمار تخطط لكي تجعل من ذلك الجهاز النافع الجديد سلاحاً شرساً فتاكاً من أسلحة القتل والدمار. وإذا صح القول بأن ليس هناك شر مطلق أو خير مطلق فقد خرجت تلك الطائرة بعد أربع سنوات من الحرب أكثر إتقاناً وأصلب عوداً مما كانت عليه عند بداية الحرب وعندها عاد الناس ثانية الى تدجين ذلك الطائر الشرس وتحويله إلى الخدمة النافعة فبدأ التفكير بالنقل الجوي للركاب والبضائع وبدأ ذلك بين مدينة وأخرى ثم بين قطر وآخر كما حدث بين باريس ولندن بعد نهاية الحرب. وبدأ التقدم السريع في صناعة الطائرات في أوربا والولايات المتحدة، حتى فوجئ العالم في عام 1927 بشاب أمريكي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره نحيل الجسم ممشوق القامة يعبر المحيط الأطلسي بطائرة صغيرة ذات محرك واحد متحدياً العواصف والأعاصير فوق ذلك المحيط المظلم المخيف حيث يقلع بتلك الطائرة الصغيرة من مدينة نيويورك ووجهته مدينة باريس فيصلها بعد رحلة دامت 33 ساعة و 27 دقيقة قطع خلالها مسافة تقارب 5800 كيلومترا ذلك هو (شارل ليندبرغ)، الذي عرف فيما بعد بالكولونيل ليندبرغ. الرجل الذي كرس حياته لخدمة الطيران وتطوره حتى وافته المنية في عام 1974 والذي قال عنه بعض من دونوا شيئاً عن حياته أنه كان خجولاً متواضعاً لا يدعي لنفسه شيئاً لا حق له فيه. وعندما كان يسافر كراكب فيما بعد على إحدى الطائرات التجارية كان مكانه في الدرجة السياحية إلا إذا تعذر عليه ذلك وعندها ينتقل إلى الدرجة الأولى مضطراً. كان يجلس بين مئات المسافرين عبر المحيط وقل منهم من كان يعرف أن الجالس بينهم والذي اختفى بعض وجهه خلف صحيفة أو كتاب أن ذلك الرجل هو شارل ليندبرغ قاهر المحيط! وفي تصوري أن الضجة العالمية التي أثارها هذا الرجل في ذلك الوقت تقترب الى حد ما من الضجة التي أثارها نزول رجل الفضاء الأمريكي أرمسترونج على أرض القمر في عام 1969.

ومن غريب الصدف وأجملها أن تمر عشر سنوات على محاولة (ليندبرغ) المثيرة ثم يقوم هذا الرجل بمحاولة أخرى استكشافية إلى الشرق الأقصى وينزل في مطار البصرة للتزود بالوقود وأكون أنا في استقباله! كما سيأتي ذكر ذلك في أحد فصول هذا الكتاب.

حوادث الطيران

كان يقول لنا الأساتذة بأن هناك ثلاثة عوامل أساسية لها دورها في حوادث الطيران. أولاً العنصر البشري والمقصود بذلك المسئولون عن قيادة وصيانة الطائرة والتركيز على المسئول الأول وهو الطيار من حيث الكفاءة والقدرة على التصرف لا سيما في الظروف غير الإعتيادية. ثم يأتي بالدرجة الثانية العنصر الآلي وهو يشمل المحرك وبقية أجزاء الطائرة الأخرى. وثالث هذه العوامل هو عامل الطقس.

وحول موضوع العنصر البشري فالمواصفات المطلوبة للطيار أصبحت معروفة وكذلك الحال بالنسبة لمساعده والملاحين الآخرين. أما العنصر الآلي أو الميكانيكي فقد وصلت الدقة والإتقان إلى مستويات عالية تكاد تقترب من درجة الكمال في كل ما يتعلق بالمحركات وما يتبعها وكذلك شأن العنصر الثالث الذي هو عنصر الطقس بسبب التقدم العلمي الذي وصل إليه الإنسان في معرفة علم الأرصاد الجوية وسهولة الاتصالات التي تتم بين الطيار والكشف عن تحرك الرياح والغيوم عبر الأقمار الصناعية.

وعلى هذا الأساس فان حوادث الطيران قد تناقصت بصورة ملحوظة لا سيما تلك التي يكون سببها فشل العنصر الآلي. ولكن هناك عنصر نفسي سيكولوجي يتعلق بحوادث الطيران التي عادة تهتم بها وسائل الإعلام أكثر من حوادث الطرق التي تتزايد في جميع أنحاء العالم يوماً بعد يوم لا سيما بعد أن ازدحمت طرق العالم بأنواع وسائل النقل، فنسبة إلى ما تحمله الطائرات من عشرات الملايين من الركاب على مدار الأيام والسنين فقد ثبت عن طريق وسائل الإحصاء أن الركوب بالطائرة أصبح أكثر أماناً وأسلم من ركوب السيارة في تلك الطرقات المزدحمة وأعني بذلك ما يحدث من إصابات على مدار الساعة.

وقد شاهدت بعض حوادث الطيران أثناء تواجدي في المدرسة وحوادث أخرى أثناء عملي في مطار بغداد كما سيأتي ذكرها في مكانها المناسب.

أما الحوادث التي جرت لي شخصياً فقد سبق وذكرت حادث القفاز الذي انحشر بين أسلاك القيادة وكاد يشل حركتها.

أما الحادثة الثانية فكانت عندما كنت أقوم بالتمارين المطلوبة للحصول على الشهادة أو الإجازة.. فقد سبق أن ذكرت أنه مطلوب عند الهبوط التوقف عند نقطة معينة على أرض المطار وهو أمر مهم عند كل هبوط. والقصد من ذلك تعويد الطيار على الهبوط الاضطراري على أرض محدودة المساحة. وفي أحد الأيام وبينما كنت أقوم بمثل هذه التمارين وبعد أن وضعت الطائرة في زاوية الانحدار المطلوبة للهبوط أخطأت في تقدير المسافة بين ارتفاع الطائرة وأرض المطار الذي كانت أرضه محاطة بأشجار الصفصاف العالية وإذا بي أسمع حفيف الأغصان عند ملامسة عجلات الطائرة والأجزاء السفلي وهبطت الطائرة بسلام في مكان بالقرب من تلك الأشجار الذي لم يجرب أحد النزول فيه حيث يعتبر خارج منطقة الأمان. وعند نزولي تفحصت الطائرة فلم أجد فيها أثراً للخدوش.

أما بالنسبة للغير فقد شاهدت حادثتين، الأولى أشرت إليها في مناسبة سابقة حيث بينما كنت انتظر دوري للتدريب وإذا بإحدى الطائرات تمر بالقرب مني دون أن أسمع صوت المحرك لتلك الطائرة الذي اعتدنا سماعه عند هبوط الطائرات وعندما أمعنت النظر وجدت مروحة الطائرة متوقفة وهذا دليل على توقف المحرك وكان من حسن حظ ذلك التلميذ أن توقف عنده المحرك على ارتفاع سمح له بأن يوجه الطائرة في الاتجاه الصحيح والزاوية الصحيحة للنزول (كانت سرعة طائرات التدريب في تلك الأيام لا تتجاوز المائة ميل بحري (عقدة) أما سرعة الهبوط فمعدلها حوالي 45 ميلاً علما بأن الميل البحري أو العقدة المتبعة في قياس سرعة الطائرات والبواخر فتزيد 15% في المائة عن الميل الأرضي أي أن كل 100 ميل بحري أو جوي تساوى 115 ميل أرضي).

وكنا في أحد الأيام في الصف نستمع إلى إحدى المحاضرات وإذا بناقوس الخطر يدق بعنف فعرفنا أن هناك حادثة وحاولنا التطلع من الشباك لمعرفة ما حدث فمنعنا الأستاذ من ذلك وظل يواصل الشرح والتفسير! وكنا على أحر من الجمر ننتظر انتهاء الدرس. وما أن خرجنا إلى ساحة المطار حتى وجدنا طائرتين من طائرات التدريب ركبت إحداهما فوق الأخرى فشعرنا برهبة الحادث ولكن تبين لحسن الحظ انه لم يصب أحد بأذى. وخلاصة الحادثة أن اثنين من الطلاب أحدهما من النمسا والثاني من الصين كانا يتدربان على الهبوط، وكان الدور للنمساوي الذي بدأ الاستعداد للهبوط، ثم جاء بعده الصيني الذي كان نظره منصباً على أرض المطار التي كانت خالية فبدأ بتوجيه الطائرة نحو النزول بينما كان الطالب النمساوي من تحته يقوم بنفس العملية حيث هبط هبوطاً اعتيادياً وما هي إلا لحظات حتى لامس الطالب الصيني الأرض وفوجئ بمنظر الطائرة التي أمامه تدرج بنفس الاتجاه ولكنه لم يستطع عمل شيء حيث أن طائرات التدريب في تلك الأيام غير مزودة بالفرامل أو الكوابح فاستقرت طائرته فوق طائرة زميله وكان منظراً فريداً ونادراً. وفي تلك الأثناء حضر رئيس المدربين وأمر بإزاحة الطائرتين من مكانهما وإحضار طائرتين أخريين ثم طلب من الطالبين النمساوي والصيني مواصلة التدريب!

ومن الواضح أن محاولة رئيس المدربين هذه تدل على تفهم للناحية النفسية وإزالة عقدة الخوف التي استولت على الطالبين بعد هذا الحادث حيث عادا كما كانا في مواصلة التدريب وتخلصهما من عقدة الخوف بوقتها وقبل إعطاء الفرصة لها بأن تتحكم وتستقر في أعماق عقلهما الباطن.

الاستعداد للسفر

في تلك الأيام الأخيرة من شهر مايو (أيار) بدأت أعد العدة للرحيل وقمنا أنا وصديقي DAY برحلة وداعية بالسيارة إلى لندن لأحجز مكاناً على إحدى البواخر المسافرة إلى الشرق. وكان فصل الربيع في تلك الأيام في أبهى حلله في الريف البريطاني الجميل حيث الأزهار والورود في كل مكان وكنا نتوقف بين حين وآخر في تلك القرى الهادئة الحالمة نستمتع بذلك الجو المعتدل والسماء الصافية والشمس المشرقة ووصلنا لندن في المساء حيث رتبت أموري في اليوم التالي مع إحدى شركات البواخر الكبرى واسمها بالحروف الأولى P&O وهي الشركة الأم التي تتفرع منها شركات الملاحة في الهند والخليج. وحجزت على الدرجة الثانية في باخرة المفروض سفرها في أول شهر جون (حزيران) متوجهة عبر البحر الأبيض وقناة السويس إلى الهند ومنها إلى استراليا آخر أطراف الإمبراطورية التي لا تغيب عن أراضيها الشمس في ذلك الوقت. وكان اسم الباخرة NARKUNDA وحمولتها ثمانية عشر ألف طن وعلمت فيما بعد أن غواصة ألمانية أغرقتها في الحرب العالمية الثانية. وعدت في اليوم الثاني إلى المدرسة وسلمت السيارة إلى المحل الذي اشتريتها منه بعد أن تفاهمنا على الثمن.

وغادرت مدينة ساوثهامبتون مقر المدرسة بالقطار إلى لندن حيث من هناك انتقلت إلى الباخرة وكان ذلك بعد ظهر يوم 31 من شهر مايو (أيار) 1934 وفي صباح اليوم الثاني غادرت الباخرة الميناء وكانت وجهتها جبل طارق. وكنت في غرفة وحدي توفرت فيها وسائل الراحة وكنت أشعر بالفارق الكبير بين الدرجة الرابعة يوم سفري من بيروت على الباخرة الفرنسية وبين الرحلة في هذه الدرجة المريحة التي جاءت بمثابة مكافأة لمجهود دام أكثر من ثمانية أشهر في ظروف لم تكن دائما سهلة.

وكنت أشعر وأنا أغادر لندن بشيء من الرضا والاطمئنان بيني وبين نفسي حيث ها أنا ذا أعود إلى بلدي وأهلي ولست خالي الوفاض بعد هذه الرحلة التي يمكن وصفها بالقفزة إلى المجهول أو المغامرة حسب ظروف ومؤشرات تلك الأيام. وكنت أشعر باتساع آفاق مداركي ومعلوماتي العامة بسبب ذلك المحيط الحضاري الذي عشت فيه وما يشتمل عليه من دقة ونظام وانضباط.

كذلك فقد طرأ تحسن ملموس على لغتي الإنجليزية في الكتابة والكلام شأني شأن من جاء ليتعلم اللغة الإنجليزية وهذا وحده يعتبر مكسباً هاماً من مكاسب الرحلة. ولا بد أن القارئ الكريم يود أن يعرف عن تكاليف تلك الرحلة الدراسية من بدايتها حتى نهايتها بما في ذلك أجور السفر وتكاليف المعيشة وأجور الدراسة والمصاريف الخاصة فأقول أن المبلغ بكامله لم يتجاوز الخمسمائة جنيه إسترليني. ومع أن هذا المبلغ ليس بالقليل أو الهين بمعدلات تلك الأيام والتي ذكرت بعض النماذج عنها. فقد كان من الممكن لشاب مثلي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره أن يتلف هذا المبلغ وأكثر منه في أيام معدودات في بلد كثرت فيه المغريات. هذه الأفكار وأمثالها مرت بخاطري بينما كنت أراقب آخر معالم لندن من وراء الأفق البعيد. وخرجت الباخرة بعد فترة من القنال الإنجليزي أو بحر المانش كما يسميه الفرنسيون. ودخلنا عند المساء في خليج بسكاي وبدأت الباخرة تتمايل يمنة ويسرة بسبب شدة الرياح وارتفاع الموج وبعد تناول العشاء الذي كان جيداً بأنواعه كما كانت وجبة الغداء قبله. ولم تكن الدرجة الثانية مزدحمة بالركاب لأن الذاهبين إلى الشرق في موسم الصيف قلة بعكس القادمين من المستعمرات الذين اعتادوا قضاء أجازاتهم في مثل هذا الموسم.

وبعد تناول طعام العشاء ذهبنا إلى صالون الدرجة الثانية أو "قاعة التدخين" كما يسمونها وشاهدت هناك بعض العائلات من البريطانيين المسافرين إلى الهند أو الشرق الأقصى وإلى استراليا، كما كان هناك بعض الشباب الهنود الذين كانوا يدرسون في المعاهد البريطانية ومن بينهم شاب خفيف الظل سريع النكتة كان يدرس في سكوتلاندا.

وفي اليوم الثاني ألقت الباخرة مراسيها أمام جبل طارق وكان الوقت مساء وفي صباح اليوم الثاني أخبرنا ربان السفينة أن هناك مجال لزيارة الجبل ومدينة طنجة. ورحبت مجموعة من الركاب بهذه الزيارات ونزلنا في أحد القوارب أنا والشاب الهندي الذي أشرت إليه وعند وصولنا إلى مدينة جبل طارق استأجرنا عربة تجرها الخيول وتجولنا في المدينة التي كانت شوارعها تعلوا مرة وتنحدر أخرى ولاحظنا العادات والأنظمة الإنجليزية. وكان ذلك بارزاً في لباس الشرطة الذي لم يكن يفرق عن لباس شرطة لندن. والذي لفت نظرنا رخص البضائع في المدينة لا سيما السجاير التي حسب ما علمنا أن الرسوم المفروضة عليها ضئيلة. ومن جبل طارق انتقلنا إلى مدينة طنجة وكانت مدينة صغيرة في ذلك الوقت والحكم فيها شبه دولي على ما أذكر وكان موزعاً بين الأسبان والفرنسيين وبينما كنا نتجول في أحياء المدينة القديمة لحق بنا صبي كان في حوالي الرابعة عشرة من عمره وكان يتكلم بلغة كانت مزيجاً من الأسبانية والفرنسية والعربية وعرفنا أنه أحد الأدلاء أو المرشدين السياحيين. وبعد جولة في المدينة عدنا إلى الباخرة التي أقلعت ليلتها متوجهة الى مارسيليا.

وعند الصباح وجدنا أنفسنا نجري فوق مياه البحر الأبيض الزرقاء الهادئة وسماء صيفه الصافية وتلك النسائم المنعشة وتمنى كل منا أن تطول وتستمر تلك الرحلة الموفقة. ولم أتذكر بالضبط كم أخذنا من الوقت للوصول إلى مارسيليا ولكني أتذكر أننا أقمنا في مينائها يومين بلياليهما حيث كانت الباخرة تنزل بعض حملها وتستلم أحمالاً أخرى. وقد سمح لنا بالنزول مع التحذير من إدارة الباخرة بالابتعاد عن بعض الأماكن المشبوهة لا سيما خلال فترة الليل. وكنت قد مررت بالمدينة في أول رحلتي كما سبق وذكرت. وكنا ننزل لفترات قصيرة أثناء النهار لشراء بعض الفواكه ثم نعود إلى الباخرة.

ومع مرور الوقت ارتفعت الكلفة إلى حد ما بين الذين اعتادوا الاجتماع في صالون التدخين بعد تناول العشاء. وكان صاحبنا الهندي بأسلوبه اللبق في أحاديثه التي يختلط فيها الجد بالهزل يهاجم البريطانيين وينعتهم بالمستعمرين مصاعبي الدماء ويقول وهو يوجه كلامه لبعض الحاضرين منهم "لقد عمرتم بلادكم على خراب بلادنا" فيقاطعه. أحدهم بقوله "لقد جئنا إلى بلادكم فوجدناكم تعيشون في الأكواخ والمستنقعات فعمرنا البلاد وضاعفنا ثرواتها وبنينا سكك الحديد والطرق والمصانع والسدود "فيرد عليه الهندي قائلاً "إن ما تقوله فيه شيء من الحقيقة ولكنكم استوليتم على خيرات البلاد وسخرتم معظم مرافقنا لمصلحتكم، وجعلتم من أبنائنا جنوداً وحطباً لنيران حروبكم الاستعمارية. إن إمبراطوريتكم هذه بنيت على أشلاء الفقراء والبائسين، لقد كنتم قبل ذلك منعزلين في جزيرتكم تعيشون على صيد الأسماك ثم انتقلتم إلى مهنة القرصنة البحرية. إنكم لا شك قرأتم عن القرصان الشهير (دريك) الذي كان ينهب السفن في المحيطات ويأتي ليقدم بعضها هدايا للملوك"!.

ويقاطعه أحد الحاضرين ويقول له "أنت شاب مثقف وتعرف الحقائق ولكنك تغالط عن قصد فالقرصنة في تلك الأيام كانت أسلوباً من أساليب الحرب ولم نكن وحدنا الذين مارسوها فكثير غيرنا قاموا بذلك. وأظنك تعرف أننا أول من وضع أسس الديمقراطية الحديثة وتاريخ البرلمان البريطاني يشهد بذلك. أما الاستعمار الذي تتحدث عنه فقد جاء نتيجة لصراعات دولية على مناطق النفوذ ولم نكن وحدنا المسئولون عنه".

ثم يتدخل آخر في الحديث وأظنه كان أستاذاً في أحد الجامعات وأخذ يتكلم بهدوء وكأنه يخاطب تلاميذه قائلاً أنا لا أريد الدفاع عن الاستعمار البريطاني وأساليبه في الحكم وغيره ولكني أود أن أقول انه في الوقت الذي نتحدث فيه عن الاستعمار ومساوئه يتوجب علينا أن لا ننسى أولئك الرجال البريطانيين الذين خدموا البشرية بعلمهم وأدبهم ومخترعاتهم واكتشافاتهم فلقد كان أولئك الرجال الأفذاذ هم الذين ساهموا في رفع مستويات حضاراتنا المعاصرة. وهنا أطلق أحد الحاضرين نكتة لطيفة أثارت الضحك وأنهت ذلك الجدل الجاد.

وتغادر الباخرة ميناء مرسيليا وتنطلق تتهادى ببطء مبتعدة عن الميناء وضجة وقرقعة الرافعات التي لم تهدأ خلال توقفنا في الميناء ونعود إلى ذلك الجو الهادئ ورياح البحر الصافية المنعشة.

وتمر الأيام والليالي مسرعة ونقترب من ميناء بور سعيد حيث كانت عنده ستنتهي رحلتي البحرية التي دامتحوالي ثلاثة عشر يوماً وودعت الجماعة الذين قضيت معهم وقتاً ممتعاً. وبعد الانتهاء من معاملة الجوازات ذهبت إلى الجمارك وكانت معي علبة TOOLS داخلها بعض الأدوات الصغيرة التي كنا نستعملها لفك بعض أجزاء محرك الطائرة وطلب مني الموظف أن أدفع عليها رسم الجمرك وكان مبلغاً يؤثر على ميزانيتي المحدودة التي يجب على أن أصرف منها طول الطريق فقلت للرجل إني لا أملك المبلغ الذي تطلبه وإني متنازل عن هذه العلبة فاحتفظ بها ودعني أنصرف ولكنه لم يقتنع بما عرضته عليه وألح في طلب المبلغ وفي تلك اللحظة مر أحد كبار مفتشي الجمارك فاستوقفه مأمور الجمرك وشرح له الموضوع فاقترب مني وأخبرته بما عندي فالتفت نحو المأمور وخاطبه بلهجة فيها شيء من التوبيخ ولا زلت أتذكر كلماته عندما قال له إن مطالبتك له بدفع الجمرك هي ظلم وعدوان فهو تلميذ وهذه المعدات جزء من أمتعته الشخصية وفوق هذا فهو مار ببلادنا وليس مقيما فيها فشكرته على تلك اللفتة الإنسانية الكريمة ثم اتجهت بأمتعتي إلى أقرب فندق لأستريح، وأتذكر أن أجرة الغرفة كانت خمسة عشر قرشاً.

التجول في مدينة بور سعيد

مدينة بور سعيد مدينة جميلة من مدن البحر الأبيض وتقترن شهرتها بالقنال الذي افتتح في عهد الخديوي إسماعيل عام 1869 وقصة الاحتفالات التي أقامها الخديوي إسماعيل مشهورة لما تخللها من بذخ وأبهة عندما حضر حفل الافتتاح مجموعة من الملوك وكبار الشخصيات العالمية ويكفي أن يعرف الإنسان أن دار الأوبرا المصرية بنيت لهذا الغرض ومثلت فيها مسرحية عايدة التي ألف موسيقاها الفنان الإيطالي الكبير فيردي VERDI.

استأجرت إحدى عربات (الحنطور) كما يسميها إخواننا المصريون وذهبت أولاً الى محطة القطار لاستفهم عن مواعيد القطار المسافر إلى فلسطين فعلمت أن السفر سيكون بعد الغروب لهذا وجدت عندي الوقت الكافي للتجول. وبعد جولة في أحياء المدينة والأسواق ذهبت إلى شاطئ القنال وشاهدت ذلك البناء الفخم وهو المقر الرئيسي لإدارة القنال ثم اقتربت من تمثال (فرديناند دليسبس) الدبلوماسي والمهندس الفرنسي صاحب مشروع حفر القنال. الذي استطاع أن يقنع حكومته الفرنسية وبعض أصحاب رؤوس الأموال بمشروعه الطموح الذي جعل مياه البحر الأبيض تلتقي وتمتزج بمياه البحر الأحمر.

فقد تم إنجاز هذا المشروع العملاق بعد ما يقارب العشرين عاماً من التمهيد والتخطيط والعمل الشاق. وعندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم القنال في خطابه التاريخي في اليوم السادس والعشرين من شهر يوليو (تموز) 1956 بدوافع سياسية لا مجال لذكرها الآن توجهت مجموعات من الناس الذين غمرهم الحماس بعد سماع الخطاب إلى مكان التمثال ونسفوه باعتبار أنه أحد رموز الاستعمار وكان الأولى بهذا التمثال أن يبقى كشاهد على مرحلة هامة من تاريخ مصر. وقد شاهدت أثناء إقامتي في الهند تماثيل ترمز للاستعمار البريطاني الذي استمر قرابة المائة والخمسين عاماً والذي تمثلت فيه كل مفاهيم وأساليب الاستعمار. ولكن عندما تحررت الهند أبقت على تلك التماثيل في الشوارع والمتاحف وأقامت بجانبها تماثيل لأحرار الهند وزعمائها أمثال غاندي ونهرو وغيرهم. وهذه عبرة من عبر التاريخ.

السفر إلى فلسطين

كان طريق العودة يمر عبر فلسطين وسوريا والعراق فقد سافرت بقطار المساء من بور سعيد عبر القنال إلى القنطرة وقد لفت نظري في القنطرة وجود مكاتب للجوازات والجمارك وكأن المسافر قد انتقل من بلد إلى آخر وكأن شبه جزيرة سيناء ليست جزءاً من الأراضي المصرية. وظل القطار يواصل سيره عبر سيناء طوال الليل حتى وصلنا إلى مفرق اللد عند الفجر حيث في مدينة اللد تتفرع سكة الحديد إلى فرعين فرع يتجه إلى القدس والفرع الآخر يتجه إلى ميناء حيفا وكانت وجهة سفري إلى ميناء حيفا، حيث من هناك ركبت في إحدى سيارات التاكسي المتوجهة إلى دمشق. وهذه أول مرة تطأ فيها قدمي أرض فلسطين العزيزة ولم أشاهد من معالمها شيئاً بينما كنت تواقاً إلى ذلك ولكن ظروفي في تلك الأيام لم تكن مواتية، لكن هذه الرغبة تحققت في عام 1944 حيث أقمت فيها قرابة ثمانية عشر يوماً.

تحركت بنا السيارة من حيفا متجهة شمالاً نحو الحدود السورية بالطريق الموازي لساحل البحر ثم اتجهت يميناً نحو سهول بحيرة الحولة الخضراء. ثم صعوداً إلى المرتفعات السورية. وكان الجو في ذلك اليوم رطباً حاراً ولكننا عندما بدأنا بالصعود والاتجاه نحو مدينة القنيطرة تبدل الطقس بصورة مفاجئة وبدأت النسائم الباردة تهب علينا من تلك المرتفعات ومن سفوح جبل الشيخ. وتوقفت السيارة عند مقهى صغير تحت شجرة ضخمة وارفة الظل من أشجار الجوز وكنت في غاية التعب والإرهاق بسبب مواصلة السفر من القطار إلى السيارة حيث لم أذق طعم النوم تلك الليلة. ولكن تلك النسائم العليلة أنعشتني. وكانت فترة راحة تناولنا فيها طعاماً بسيطاً في ذلك المقهى الريفي الجميل، ثم تركنا القنيطرة انحداراً إلى سهول مدينة دمشق فوصلناها عند العصر.

ونزلت في أحد الفنادق وهناك سألت عن مكتب شركة نيرن NAIRN للسفريات وهي شركة إنجليزية. وقد سمعت أنها تملك سيارات ضخمة مكيفة من طراز (البولمان) (انظر الصورة) وقررت بيني وبين نفسي أن لا أختم رحلة الباخرة المريحة بالعودة إلى تلك السيارات التي سافرت بها من قبل وبكل ما لاقيته فيها من تعب وإرهاق وان أجعل من هذه الرحلة مسك الختام كما يقول المثل. وذهبت إلى مكتب الشركة ومن حسن الحظ اخبروني بوجود مكان على السيارة المسافرة صباح اليوم الثاني فاستبشرت بهذا الخبر وسألت عن سعر المقعد فقيل لي خمس دنانير عراقية، بينما كان السعر في تلك الأيام على السيارات العادية دينارين.

ورجعت إلى جيبي أعد الفلوس التي بقيت معي ووجدت أني أملك الخمسة دنانير بعد أن حسبت حساب الفندق وما يتبع ذلك من مصاريف.

وسألوني عن الأمتعة ووزنها فاستغربت لهذا السؤال وفهمت منهم أن على أن أدفع مبلغاً على أي زيادة تكون في الأمتعة وكانت معي باستثناء الملابس بعض الكتب وكذلك (عدة الشغل) التي أشرت إليها في جمرك بور سعيد. ورأيت أنه حتى لا أحرج في آخر لحظة أن أسلم الأمتعة لهم فأسرعت إلى الفندق ولملمت الأمتعة باستثناء البيجامة وأدوات الحلاقة وعدت إلى مكتب الشركة فاستلموا مني العفش، وبعد الوزن اخبروني أن عندي زيادة وعلى أن أدفع عليها ما يساوي دينارا ونصفاً! وقد صدمتني المفاجأة حيث لم أكن أملك ذلك المبلغ بعد خصم أجرة الفندق والنثريات الأخرى وقلت للموظف الذي طالبني بالمبلغ أني لا أملك المبلغ الذي طلبه فاستغرب من جوابي وظنني أمزح معه، حيث كيف يكون هذا الأفندي الأنيق بلباسه الأوروبي وشعره المصفف والمسافر على شركة نيرن لا يملك مثل هذا المبلغ الزهيد. ولما عرف أني جاد في ما أقول ذهب إلى من هو أرفع منه رتبة ليأخذ رأيه وبعد غيبة قصيرة جاء الاثنان معاً وكان الثاني هو مدير المكتب فأخبرته أني قادم من أوربا وكان معي مبلغاً محدوداً من المال وقد نفذ فطلب جواز السفر فنظر إليه وعرف أني تلميذ، وسألني عن الحل قلت له ليس عندي حل هنا ولكني مستعد أن أدفع المبلغ إلى مكتبكم في بغداد. قال إذن سيبقى عندنا جواز السفر ويمكنك استلامه من مكتبنا في بغداد بعد دفع الدينار ونصف وانحلت المشكلة! وفي أثناء عودتي إلى الفندق قلت لنفسي لو حدثت عندي مشكلة مالية أخرى فماذا أفعل وتذكرت آلة التصوير التي معي وساعة اليد فحمدت الله على السلامة. ارتحت قليلاً في الفندق ورحت في غفوة لا بأس بها شعرت بعدها بالراحة ونظرت إلى الساعة فوجدت أن الليل لا يزال في أوله. فارتديت ملابسي وخرجت أتمشى في شوارع دمشق في تلك الأمسية المنعشة. ومررت أمام ملهى في الهواء الطلق فسألت الحارس الواقف عند الباب عن أجرة الدخول وراجعت (الفكة) التي في جيبي فوجدتها تكفي لشراء بطاقة الدخول ودخلت إلى ذلك الملهى الفسيح الذي انتشرت في فنائه الطاولات والكراسي وجلست على واحدة منها لم تكن بعيدة عن المسرح. وكان الوقت مبكراً فلم يبدأ العرض المعتاد.

وجاء أحد الخدم (الجرسون) وسألني إذا كنت أرغب في شرب شيء فطلبت منه أن ينتظر حتى أطلب منه ولم أكن أنوي شرب شيء محافظة على القروش الباقية وكنت قد وضعت أمامي أحد علب السجاير الإنجليزية التي اشتريتها من جبل طارق وهي من النوع الذي يحتوي على خمسين سيجارة والظاهر أن شكل العلبة الفخم جعل الخادم يعتقد أن صاحبها صيد ثمين لا بد من الإحاطة به حتى لا يهرب. ورأيته يتجه نحو إحدى الفنانات الجالسات في الجانب الآخر وأظنه أشار إلى إحداهن التي رأيتها غادرت المكان واتجهت نحو الطاولة التي أجلس عليها وطلبت الجلوس على أحد الكراسي، وكانت شابة جميلة حنطية اللون شعرها لونه كستنائي كثيف مضفور بضفيرتين متدليتين على ظهرها كعادة تلك الأيام في اعتناء النساء والاهتمام بشعورهن الطويلة. وقدمت إليها سيجارة من العلبة التي رفعتها من الطاولة وبدأت تقلبها ثم أعادتها. وأساليب أمثال هذه الفتاة معروفة في مثل هذه الملاهي حيث الشرب على حساب الزبون ثم تأتي قوائم الحساب أضعاف مضاعفة من الأسعار الحقيقية. وتذكرت احتياطي الطوارئ -الكاميرا والساعة- ومن أحاديثها معي عرفت هي أن لا مجال "لاستضافتها" فلم تطل الجلوس وعادت إلى مكانها. وبعد لحظات عاد إلي الخادم وقال إن المدموزيل فلانة عاتبة عليك لأنك لم تضيفها وان كان ولا بد فقدم لها علبة السجاير، وأخذ العلبة وتمشى، وكل هذا وبرنامج السهرة لم يبدأ بعد فقلت في نفسي أرحل يا رجل قبل أن تنقض عليك فنانة ثانية! وهكذا عدت إلى الفندق سالماً باستثناء علبة السجاير التي كانت بالصدفة أنها آخر علبة.

وعند الصباح غادرت الفندق متجهاً إلى مكتب الشركة حيث كانت الحافلة العملاقة تقف بالقرب من المكتب ووجدت بعض الركاب وقوفاً بالقرب منها انتظاراً للرحيل. وبعد لحظات تحركت باتجاه مركز (أبو الشامات) وهو المركز الرسمي الذي تجري فيه معاملات الجوازات والجمارك للمسافرين الذاهبين إلى بغداد أو القادمين منها. واستلقيت على أحد الكراسي الفخمة المريحة في ذلك الصالون المكيف وفي عزلة تامة عن الغبار والضوضاء وحرارة الشمس عبر تلك الصحاري القاحلة. وقد تكون مثل هذه الأمور عادية ومتيسرة في أيامنا هذه ولكني أتكلم عن أيام 1934 حيث كان التكييف في بداية عهده ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب بل في العالم أجمع. وهنا تظهر مزية الرحلة في تلك الصحاري حيث لا طرق مبلطة بل طبقات من الغبار والأتربة بعضها فوق بعض.

وبعد فترة توقف قصيرة في مركز أبو الشامات واصلت السيارة سفرها متجهة نحو قلعة الرطبة، وكان يتناوب على القيادة اثنان أحدهما بريطاني من أصل اسكتلندي والثاني أرمني. وقد بدأ دور السائق البريطاني مع بداية الرحلة. ومن مزايا هذه الحافلة الفخمة وجود دورة مياه وحنفية لمياه الشرب المبردة وكلها أمور مستحدثة في تلك الأيام. وكانت بعض الكراسي فارغة ولكنها عند العودة تكون أكثر زحاماً بسبب المسافرين الأجانب الأوربيين الذين يشكلون غالبية الركاب في تلك الأيام.

وقبيل المساء وصلنا إلى قلعة الرطبة التي تقع في منتصف الطريق وفيها أول مخفر عراقي للشرطة ومحطة للاسلكي ومطعم صغير يقدم المرطبات وبعض الوجبات الخفيفة، وكان الهواء بارداً منعشاً. كذلك توجد في الرطبة أرض ممهدة لنزول الطائرات للتزود بالوقود. وبعد إتمام المعاملات المطلوبة تحركت الحافلة باتجاه مدينة الرمادي وجاء دور السائق الأرمني لتولي القيادة. أما السائق البريطاني فقد جاء دوره ليرتاح وجلس في أحد المقاعد الخالية القريبة مني ومع مرور الوقت بدأ الحديث يدور بيني وبينه وأخبرته أني قادم من بريطانيا مما زاد في اهتمامه بالحديث معي فأخبرني بأنه يسكن في دمشق وانه متزوج من سيدة سورية. وفي الحديث معه علمت أن NAIRN وهو رجل إنجليزي هو صاحب فكرة تأسيس هذه الشركة وكان ذلك في عام 1925. وتستمر الحافلة في سيرها في ظلام الليل الدامس ويسترخي الركاب في مقاعدهم المريحة وكانت غالبيتهم من الموظفين البريطانيين في شركات النفط بالمنطقة. وبعد شروق الشمس بقليل وصلنا مدينة الرمادي ولم يدم التوقف فيها طويلاً حيث واصلنا السفر إلى بغداد وعبرنا جسر الفلوجة فوق نهر الفرات ثم توقفت الحافلة أمام مكتب الجوازات والجمارك التابعين لمطار بغداد في منطقة الكرخ على الضفة اليمنى من نهر دجلة، وعلمنا أن الحافلة لا تستطيع العبور إلى الضفة اليسرى (الرصافة) حيث الجزء الأكبر والأهم من مدينة بغداد وذلك لأن الجسر المصنوع فوق القوارب لا يتحمل ثقلها ولذلك اتفقت شركة (نيرن) مع إدارة المطار لإبقاء سياراتها من هذا النوع في حظائر المطار. أما الجسر المشار إليه فقد شيده الإنجليز بعد احتلالهم بغداد خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917 وقد تمت تسميته باسم القائد البريطاني الجنرال مود. وبقي منذ ذلك الوقت حتى أواخر الثلاثينات حيث شيد مكانه جسر ثابت أطلق عليه اسم (جسر الملك فيصل الأول) وحال وصولي بغداد اتصلت بأخي في البصرة وأخبرته بوصولي وطلبت منه تحويل بعض الدراهم لأني كما يقول المثل العامي أصبحت (على الحديدة).

ووصلت الفلوس ودفعت دين شركة (نيرن) واستلمت منهم الجواز الذي ظل محجوزاً عندهم كما ذكرت مقابل مبلغ قدره دينار ونصف.

وبينما كنت أعد العدة للسفر إلى البصرة ثم الكويت كان يساورني القلق عند لقائي بالأهل والأصدقاء وعندما يمطروني بوابل من الأسئلة منها الغث ومنها السمين لا سيما إذا تطرقت تلك الأسئلة -وهذا منتظر- إلى موضوع المبالغ التي صرفتها وماذا سيكون رد الفعل عندهم إذا قلت لهم أن ساعة التدريب على الطيران تكلف أربع جنيهات إسترليني أو ما يزيد على الخمسين روبية بموجب العملة المتداولة بالكويت في تلك الأيام علما بأن أجرة العامل العادي في العراق أو الكويت لا تزيد على نصف روبية أو ربما أقل من ذلك هذا إذا وجد العمل. ثم أعود إلى نفسي وأقول لا أحد يستطيع منع الناس من الكلام في الناس حقاً أو باطلاً، حضوراً بالوجه أو غيبة.

ثم أقول لماذا القلق وأنا لست محتاجاً لأحد وان ما بقي لدي من حطام الدنيا على قلته يكفي لسد حاجاتي المحدودة حيث لا شيء في هذه الدنيا أمر وأثقل من الحاجة إلى الناس. بهذا التحليل المنطقي عادت الطمأنينة إلى نفسي. وعند وصولي البصرة علمت أن دائرة الميناء باشرت بإنشاء مطار ضخم سيكون من أحدث مطارات الشرق الأوسط وهذا ما أوجد عندي شيء من الأمل حيث لا بد وأن يكون لي مجال للعمل إذا اكتمل هذا المشروع. وكما يقول الشاعر:

منا أن تكن حقاً تكن أحسن المنى

وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا

وبعد إقامة قصيرة في البصرة سافرت إلى الكويت لزيارة الوالدة والأهل والأصدقاء. وقد حصل ما توقعته من سؤال وجواب حتى أن بعضهم لم يصدق أني حصلت على شهادة الطيران على أساس أن هذا النوع من الاختصاص لا يستطيع العرب إتقانه بل أنه حكر على أبناء لندن وأمثالهم! وكما ذكرت فقد كنت مهيأ لتقبل مثل تلك الانتقادات. وبعد إقامة قصيرة في الكويت عدت إلى البصرة وبدأت أجمع المعلومات عن مجالات العمل ضمن اختصاصي في البصرة أو في بغداد ولم أكن على عجل من الأمر.

دائرة الميناء في البصرة

قبل التحدث عن مطار البصرة الذي باشرت دائرة الميناء بإنشائه ليكون تابعاً لمؤسساتها الضخمة في البصرة أرى من الفائدة التحدث عن تأسيس دائرة الميناء، والحديث عن دائرة الميناء يجر إلى الحديث عن احتلال البريطانيين للبصرة في الحرب العالمية الأولى كبداية لاحتلال العراق بكامله وذلك لارتباط هذه المواضيع بعضها ببعض.

فمن المعروف في تلك الفترة أي بداية القرن العشرين أن الإمبراطورية العثمانية قد شاخت وبدأ الانحلال يشمل مختلف مؤسساتها في بلادها الأصلية -شبه جزيرة آسيا الصغرى- أو في مستعمراتها التي بدأت في الانفصال عنها الواحدة تلوى الأخرى فمنها الدول التي حصلت على استقلالها مثل دول البلقان أو تلك التي وقعت تحت النفوذ الأجنبي مثل دول شمال أفريقيا التي اقتسمتها الدول الثلاث بريطانيا في مصر وإيطاليا في ليبيا وفرنسا في تونس والجزائر والمغرب. وقد بقيت بلاد الشام وهي سوريا وفلسطين والأردن ولبنان وكذلك العراق خاضعة للحكم العثماني المباشر بسبب قربها من تركيا الأم ومع ذلك فقد كان النفوذ الأجنبي ظاهراً في بلاد الشام بين فرنسا وروسيا وفي وادي الرافدين بين ألمانيا وبريطانيا. حيث كانت كل من هذه الدول تحاول التوسع في نفوذها عن طريق المؤسسات التجارية أو الثقافية.

ولا شك أن ذلك التنافس والتزاحم من أجل الحصول على المكاسب ومناطق النفوذ قاد تلك الدول إلى أكبر صراع في تاريخ العالم وهو الحرب العالمية الأولى 1914-1918 التي نشبت بين ألمانيا وحلفائها من جهة وبريطانيا وحلفائها من الجهة الثانية. كما أن تلك الفترة وما قبلها شهدت تطوراً في تركيبة الدولة العثمانية حيث تمكن جماعة من الضباط الشباب الأعضاء في جمعية الاتحاد والترقي أو تركيا الفتاة استطاعوا في عام 1909 إسقاط السلطان عبد الحميد الثاني وإعلان الدستور وتنصيب خليفة آخر بدله وهو السلطان محمد رشاد أو محمد الخامس. وقد تولى بعض أولئك الضباط قيادة الجيوش أو المناصب الوزارية أمثال أنور وطلعت وجمال. وكان بعضهم قد درس في ألمانيا. ولما نشبت الحرب العالمية في منتصف شهر آب (أغسطس) من عام 1914 بين المعسكرين اللذين سبقت الإشارة إليهما وعلى رأسهما ألمانيا من جهة وبريطانيا من الجهة الأخرى بقيت تركيا ظاهرياً على الحياد حتى شهر أكتوبر من ذلك العام حيث دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا وحلفائها.

ويذكر بعض الذين أرخوا لتلك الفترة بأن بريطانيا كانت تحسب ألف حساب لدخول تركيا الحرب لا خوفاً من قوتها العسكرية بل خشية من النفوذ الديني على اعتبار أن الدولة العثمانية هي مركز الخلافة الإسلامية كما أن في الجيش الإمبراطوري البريطاني نسبة كبيرة من الضباط والجنود المسلمين الهنود (إن قيام الشريف حسين بن علي بثورته المشهورة ضد الدولة العثمانية في منتصف عام 1916 ومساعدة البريطانيين له لها علاقة بتداخل هذه الأحداث -راجع كتاب "يقظة العرب" تأليف جورج أنطونيوس- دار العلم للملايين بيروت).

أهمية نفط عبادان

لم تكن بريطانيا غافلة عما كان متوقعاً بل كانت تخطط وتستعد للحفاظ على مصالحها ومناطق نفوذها ومن ذلك نفط عبادان الذي تملكه الشركة البريطانية الفارسية حيث كان لهذا النفط أهميته بالنسبة لإدارة عجلة الحرب وكذلك فان أهمية النفط لبريطانيا بدأت تتعاظم حيث منذ عام 1913 بدأت بريطانيا تستبدل الفحم الحجري بالنفط كوقود لبواخرها التجارية وسفنها الحربية.

وعبادان كما هو معروف كانت خاضعة في تلك الأيام الى حكم أمير عربي هو الشيخ خزعل بن مرداو الذي كان يحكم مقاطعة عربستان -خوزستان فيما بعد- وكانت عاصمته مدينة المحمرة -خورمشهر- التي لا يفصلها إلا نهر كارون الذي يصب في شط العرب عن مدينة عبادان بمصافيها ومنشآتها النفطية الهامة. وكانت علاقة الشيخ خزعل بالبريطانيين جيدة حيث كان الحاكم المطلق في تلك المنطقة مع إعلانه الخضوع الاسمي لسلطة الشاه الضعيفة في طهران.

إحتلال البصرة

بدأت قوات الحملة البريطانية في الدخول إلى نهر شط العرب يوم الثاني عشر من شهر نوفمبر وقد صادفت مقاومة ضعيفة من حامية الفاو قضت عليها في لحظات ثم واصلت الحملة سيرها باتجاه البصرة وكان الشيخ خزعل قد جعل من المحمرة مركزاً لضباط الاستخبارات البريطانية الذين سهلوا للحملة تقدمها حتى تمكنت من دخول البصرة ليلة 21،22 من شهر نوفمبر بعد انهيار مقاومة القوات التركية. وبهذا استطاعت بريطانيا أن تضع يدها على مرفقين هامين بأرخص ثمن وهما مدينة عبادان ومدينة البصرة.

إن مسيرة الحرب بعد ذلك معروفة وهي احتلال العراق بكامله ولكن الذي قصدناه من هذه المقدمة هو إنشاء إدارة ميناء البصرة.

شط العرب

يبلغ طول الشط من بدايته عند مدينة القرنة حيث ملتقى نهري دجلة والفرات إلى مصبه عند رأس الخليج حوالي مائتين كيلو متراً. أما عرضه فيتفاوت حسب مجراه وتعرجاته حيث يبلغ عرضه عند مركز العشار التجاري بمدينة البصرة حوالي أربعمائة متراً (راجع كتاب "شط العرب" للدكتور محمد طارق الكاتب -مطبعة الموانئ في البصرة 1971- الصفحة 10). وبعد أن استتب الأمر للسلطات البريطانية في البصرة أنشئوا لإدارة الميناء مكاتب كانت أشبه بالمعسكرات وذلك في ضاحية التنومة المقابلة لميناء العشار وكانت هذه الإدارة تحت إشراف السلطات العسكرية المباشر وعلى رأسها مجموعة من رجال البحرية الإنجليز تساعدهم في الأعمال الإدارية خاصة مجموعة من المواطنين الهنود العسكريين والمدنيين ولا يخفى أن بريطانيا خلال فترة حكمها الطويل للهند أنشأت إدارة مدنية قوامها عدد من الهنود الأكفاء في شتى المجالات الفنية والإدارية اشتهرت بكفاءتها وانضباطها وهي التي ملأت الفراغ في شتى الإدارات العراقية بعد أن حلت الإدارات البريطانية محل الإدارة التركية التي انتهت بانتهاء الحكم التركي. كذلك فان الإدارة البريطانية أخذت تستفيد من شباب الأقليات من النصارى واليهود الذين تعلموا في مدارسهم الخاصة وأصبح لهم إلمام باللغة الإنجليزية. أما العراقيون المسلمون فكان حظهم أقل في بداية الأمر بسبب عدم معرفتهم للغة الإنجليزية ما عدا قلة منهم ممن درسوا في مدارس البعثات التبشيرية الأمريكية في البصرة وخارجها.

ومن أول الأعمال التي قامت بها إدارة الميناء الجديدة هو جلب الحفارات لحفر قناة عند مصب الشط حيث تتزايد رواسب الطمي عند المصب لا سيما خلال فترة فيضان دجلة والفرات وهذا الطمي أو الغرين كما يسميه البعض والذي تكونت منه منطقة ضحلة عند مصب النهر وتسمى باسمها المشهور (الرقة)، وكانت تمنع البواخر ذات الغاطس العميق نسبياً من دخول النهر. وبفضل هذه الحفريات المستمرة على مدار الساعة أصبح بإمكان البواخر ذات حمولة تقارب العشرين ألف طن وبغاطس يقارب العشرة أمتار أن تدخل الشط خلال فترة المد الأعلى، حيث تصل إلى أرصفة المعقل التي أنشأتها القوات البريطانية بعد احتلالها لمدينة البصرة واستمرت أعمال التوسعة والتحسين فيما بعد.

وتوسعت أعمال الميناء بعد انتهاء الحرب وزاد الطلب على النفط وتضاعف عدد البواخر من ناقلات إلى عبادان أو شاحنات للبضائع إلى ميناء المحمرة والبصرة وبما أن إدارة الميناء كما ذكرنا تتولى الإشراف على الملاحة بكل متطلباتها من وضع الإشارات الملاحية إلى تجهيز المرشدين و الأدلاء للسفن حسب المفاهيم الدولية فقد تضاعف دخلها من الرسوم المفروضة على السفن وعلى خزن البضائع.

ولم تكن الحكومة المركزية في بغداد تتدخل في شئون الميناء ولا في ميزانيته مع أن الإدارة من الناحية الاسمية فقط تابعة لوزارة المواصلات حتى بعد انتهاء فترة الحرب وتأسيس الحكم الوطني في العراق.

ونتيجة لذلك التوسع في المرافق وزيادة الدخل فكر المسئولون عن الإدارة إنشاء مقر دائم للميناء في المعقل بالقرب من الأرصفة وأماكن خزن البضائع وقد تم إنشاء ذلك البناء العتيد في عام 1929 وافتتحه رسمياً الملك فيصل الأول عند زيارته للبصرة في ذلك العام.

وكان لإدارة الميناء مدير عام بريطاني وهو ضابط بحري متقاعد برتبة كولونيل (عقيد) وكان له شخصية طاغية على جميع الموظفين بما فيهم كبار الإنجليز. والداخل إلى دائرة الميناء المشار إليها يشعر بالفارق الكبير بينها وبين أي دائرة حكومية أخرى.

فالمعاملات جميعها تتم باللغة الإنجليزية وبنفس الأساليب المتبعة في الدوائر الهندية أو الإنجليزية ناهيك عن الدقة والانضباط في سير المعاملات على كافة المستويات.

وفي الحق والإنصاف القول بأن المدير العام المذكور واسمه (الكولونيل وارد) (Colonel Ward) كانت لديه نزعة إصلاحية إعمارية للبصرة بصورة عامة ومنطقة المعقل بصورة خاصة التي انشأ فيها المرافق العامة مثل الطرق والحدائق وبناء المنازل الفاخرة لكبار الموظفين ودار للضيافة ولم يكن لذلك مثيل في العراق في تلك الأيام -أقصد في العشرينات وأوائل الثلاثينات- كما ساعد على إيصال الماء والكهرباء إلى المنازل لمدينة البصرة في العشرينات ثم أوصلها إلى ناحية الزبير في الثلاثينات. وكان يحب البصرة ويتعاطف مع أهلها. ومع مرور الزمن بدأ بتعيين الشباب البصري المثقف بالوظائف والمراكز الهامة.

اقتحام الحصن المنيع

عدت إلى البصرة من الكويت في صيف 1934 وأنا مصمم أن أجد لي عملاً في حدود اختصاصي أن أمكن وبدأت استفسر واسأل عن موضوع إنشاء المطار الدولي الذي قررت إدارة الميناء إنشاؤه فتأكد لي الأمر ولذا قررت الذهاب إلى إدارة الميناء وتخطيت حاجز الخجل الذي اعترف بأنه راسخ في طبيعتي وفي تكويني وسألت عن مكتب المدير العام فقيل لي انه في الطابق العلوي من ذلك البناء الذي كان يتألف من طابقين أرضي وعلوي واقتربت من غرفة المعاون الشخصي للمدير العام وأنا أتعثر في خطواتي واسمه (المستر بن) فدخلت عليه وأنا اشعر بهيبة المكان وكان مشغولاً بمراجعة بعض الأوراق أمامه ثم رفع رأسه وسألني بالمصطلح الإنجليزي المعتاد What can I do for you أو أي خدمة كما يقول إخواننا المصريين. فقلت له دون تردد إني قادم من إنجلترا وأني أحمل إجازة طيران مدني وأفتش عن عمل. ورفع نظارات القراءة عن عينيه وبدأت نظراته المستغربة لي وفي هذه الأثناء أخرجت الشهادة أو الإجازة من جيبي فاستلمها مني وألقى نظرة عليها كأنه يريد التأكد من صحتها ثم رفع رأسه ونظر إلي نظرة فاحصة فيها شيء من الاستغراب وأشار إلي بالجلوس ثم نهض من كرسيه ودخل على المدير العام من باب المكتب الذي بداخل غرفته وأخذ معه الشهادة. وبعد لحظات رجع وأشار إلي بالتوجه نحو المدير العام الذي استقبلني ببشاشة لم أكن أتوقعها من ذلك الرجل الذي كنت اسمع عن أهمية مركزه وسلطته التي تتحدى في كثير من الحالات السلطة في بغداد.

وقال لي بلهجة فيها كثير من العطف واللطف "اجلس يا ولدي وحدثني عن رحلتك إلى إنجلترا"، وبعد هذا الترحيب الحار عادت الطمأنينة إلى نفسي وبدأت أتكلم معه بحرية شارحاً باختصار شيئاً عن مكان وزمان الدراسة وكنت ألاحظ على وجهه علامات الرضا. لقد قدرت أنه كان في الخمسينات من عمره مربوع القامة يميل إلى القصر كثيف شعر الرأس الذي تخلله الشيب يلبس بدلة بيضاء ناصعة البياض مؤلفة من بنطلون وقميص قصير الأكمام وبرزت ذراعاه المطرزة بالوشم على طريقة رجال البحر. وبعد أن استمع إلى حديثي قال أنا أحب "الطيران وأود أن أتعلمه ولكن سني لا يساعد" (الغريب أنه بعد مرور سنتين من هذا اللقاء فوجئت بهذا الرجل يهبط في مطار بغداد وحده يقود طائرته الخاصة الصغيرة ذات المحرك الواحد قادماً بها من البصرة وكان وقتها يحضر إلى بغداد حيث شغل وظيفة مدير السكك العام بالإضافة إلى عمله في الميناء).

بعد هذا اللقاء الناجح رأيته يرفع سماعة التليفون ويخاطب شخصاً باللغة الإنجليزية ويحدثه عني ثم نادى على معاونه الشخصي وقال له خذ هذا الشاب إلى الكابتن (بايفورد) وبايفورد هو مدير النقليات في الميناء والذي تأتي أمور المطار تحت إدارته. ودخلت على بايفورد ولم أجد عنده ذلك اللقاء الودي الذي وجدته عند المدير العام وكانت تبدو عليه مظاهر الغطرسة التي كان يتصف بها رجال الإمبراطورية عندما يتولوا المسئولية في مناطق النفوذ البريطانية. كان ممتلئ الجسم اصلع الرأس يلبس نظارات سميكة تلمع من خلفها عيونه الزرقاء، وأشار إلي بالجلوس وأعطيته الشهادة فنظر إليها ثم أعادها إلي وأخذ ورقة وقلماً وبدأ يوجه إلي الأسئلة وأنا أجاوب ومن تلك الأسئلة الاسم والعنوان والعمر والعائلة. والدراسة قبل الذهاب إلى لندن وكان يكتب كل ما أقوله.

ثم وجه إلي سؤالاً يتعلق بالأسباب التي دعتني للذهاب إلى إنجلترا لتعلم الطيران. وكان ردي سريعاً عفوياً وقلت له روح المغامرة SPIRIT OF ADVENTURE ونظر إلي نظرة استغراب من خلال تلك النظارات السميكة ثم قال هل لديك جواب أحسن؟

وشعرت بشيء من الحرج ولكني لم أشعر بالارتباك والفضل في ذلك يعود إلى تلك المقابلة الناجحة مع المدير العام ولذلك كان ردي سريعا حيث قلت له لقد قرأت كثيراً عن فنون الطيران وأصبحت عندي رغبة شديدة في تعلم هذا الفن الجديد لا سيما وان بلادنا أصبحت بحاجة إلى من يجيد هذه المهنة فرد على قائلا هذا جواب أحسن THIS IS A BETTER ANSWER ثم بدأ يشرح لي شيئا عن مشروع المطار الجديد وقال انه سيكون احدث مطار في الشرق الأوسط ولكن المشروع لن يتم قبل ثمانية عشر شهراً وستكون إدارته تابعه لقسم النقليات في إدارة الميناء وإني اقترح عليك أن تبدأ العمل معنا من الآن فتتعرف على أقسام دائرة الميناء واختصاصاتها المتشعبة. ورأيت الفكرة مناسبة لي جدا فأبديت له موافقتي على ما قال.

وعندها رفع التلفون وتكلم مع أحد الموظفين. وبعد لحظات دخل علينا السيد رجب النعمة وكان يشغل منصب مساعد مدير النقليات -قسم الرصيف- والسيد رجب هو من عائلة كبيرة ومعروفة في البصرة ولكن الذي أثار استغرابي أن ذلك الإنجليزي المتعجرف تركه واقفا واخذ يكلمه عني بعبارات تشبه الأوامر ثم انتهى الحديث وخرجت مع السيد رجب الذي أخذني إلى مكتبه على الرصيف وكنت وأنا امشي معه أقارن بين لطف المدير العام وتواضعه وبين تصرفات هذا الرجل الذي اسمه (الكابتن بايفورد).

وبعد حديث قصير مع السيد رجب في مكتبه استدعى أحد مدراء المخازن وعند حضوره اخبرني بأن يصحبني معه ويشرح لي عن كيفية بداية العمل وكان هذا الرجل من جماعة الأرمن ويشغل وظيفة مدير المخزن SHED MANAGER وبدأ يشرح لي عن كيفية استقبال البضائع النازلة من البواخر بأصنافها المختلفة وكيفية رصفها كل نوع على حدة ثم اخبرني عن دوامهم الذي هو ساعة أبكر من دوام مكاتب الميناء ومدته أطول وطلب مني الحضور في اليوم الثاني ابتداء من الساعة السادسة صباحا. وغادرت المكان وأنا اشعر بشيء من الثقة والاطمئنان لأني على أي حال وجدت عملاً.

وأعود لأذكر شيئا عن بناية الميناء الفخمة التي دخلتها ذلك اليوم لأول مرة فالداخل إليها يرى الفرق العظيم في النظام والترتيب كما يشاهد وهو يتجول في أقسامها نظافة المكان وجدية العمل عند الموظفين، وكانت جميع المعاملات تجري باللغة الإنجليزية ولذلك فقد كنت الغالبية العظمى من الموظفين من الهنود واليهود والمسيحيين الذين تعلموا اللغة الإنجليزية في مدارسهم الخاصة، كما ذكرت، وغالبية رؤساء الأقسام كانوا من البريطانيين. وكان منظر البناية من الداخل وأسلوب التجميل (الديكور) لما فيه من مواصفات البحرية في نوعية السلالم الخشبية المكسوة بالنحاس أو البرونز والحبال الضخمة التي تفصل بعض الأقسام عن بعضها ولباس الفراشين الذي يشبه لباس الجنود البحارة وهكذا.

العمل بمرتب لأول مرة

وحسب الاتفاق مع مدير المخزن أو (الشبره) الأرمني حضرت في اليوم الثاني في الوقت المقرر ورأيت بعض الموظفين يتابعون الحمالين الذي يجملون البضاعة النازلة من الباخرة على ظهورهم ويرشدونهم إلى مكان رصفها، كل بضاعة بنوعها فالشاي في مكان والسكر في مكان وهكذا ثم تأتي علامات التجار أي (ماركاتهم المسجلة) فالتاجر الفلاني له ألف كيس وعلامته كذا.. توضع في مكان خاص حتى لا تمتزج مع أكياس السكر العائدة للتاجر الآخر. وهكذا مع كل بضاعة وعلامات أصحابها وكان العمل شاقا ومتعبا لا سيما مع أولئك العمال البؤساء الذين يحاولون التخلص من الأثقال التي على ظهورهم بأسرع وقت ممكن. وما هي إلا فترات حتى اصبح الجو داخل المخزن لا يطاق بسبب شدة الحر والرطوبة والغبار المتصاعد من كثرة الحركة على أرضية المخزن الترابية ولم تنته فترة الدوام حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر (كان الدوام على الأرصفة في فصل الصيف يبدأ في السادسة وينتهي في الثالثة بعد الظهر مع استراحة قصيرة للغداء قدرها نصف ساعة. أما الدوام في المقر الرئيسي للميناء فكان ثمان ساعات) إلا وأنا في غاية التعب والإرهاق وقد امتزج العرق بالغبار من كثرة الحركة والركض وراء الحمالين!

وبقي الحال على هذا المنوال قرابة خمسة عشر يوما، ذهبت بعدها إلى السيد رجب وقلت له لقد مر علي الآن ما يقارب الأسبوعين واعتقد انه حان الوقت لكي انتقل إلى المرحلة الثانية من أعمال الميناء. وقد رد على بقوله ان أمر نقلي ليس بيده بل انه بيد مدير النقليات (الكابتن بايفورد) والواقع أني بوقتها لم أدرك مدى جدية هذا العذر وكنت أتصور انه كان المسئول المباشر عني وكان جوابي له قبول استقالتي فلم يتردد في قبولها. وعدت في اليوم الثاني واستلمت مستحقاتي من أجور. وكنت مسجلا على النظام اليومي، أي الأجور اليومية ولذا لم أقدم استقالة مكتوبة ولم يكن تعييني مكتوبا أيضاً. وأتذكر أن أجرتي اليومية كانت حوالي (450) فلسا وهو مبلغ لا بأس به في تلك الأيام إذا علمنا أن أجرة العامل في الميناء كانت (35) فلسا في اليوم! وكانت المرة الأولى في حياتي التي أتذوق فيها الكسب بعرق الجبين كما يقول المثل، لكن عرقي تجاوز الجبين إلى جميع الجسم كله وامتزج بالغبار أيضا. ومع أن تلك المرحلة كانت قصيرة لكني وجدت فيها تجارب جديدة من تجارب الحياة.

سباق الطيران الدولي

وخلال تلك الأيام بدأت الصحافة الأجنبية والمحلية تنشر أخبار عن بدء السباق الدولي للطيران في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر والذي سيشترك فيه نخبة من هواة ومحترفي الطيران حيث ستكون نقطة الانطلاق مدينة لندن ومدينة ملبورن في استراليا ستكون نقطة نهاية السباق. على أن يكون التوقف في نقاط معينة للتزود بالبنزين وقد أعلنتها اللجنة المشرفة على السباق وكانت مدينة بغداد هي أول نقاط التوقف للتزود بالوقود. وكنت شديد الحرص على مشاهدة وصول الطائرات المتسابقة إلى مطار بغداد. ولا اخفي سراً إذا قلت أن أحد مسببات تقديم استقالتي كان حرصي على مشاهدة السباق! وسافرت قبل الموعد بأيام قليلة ونزلت في فندق متواضع في بغداد كان ينزل فيه صديقي محمد سعيد السيد حامد النقيب الذي كان يدرس الحقوق في ذلك الوقت.

وحل اليوم المنتظر وكان من المعلوم أن وصول الطائرات المتسابقة إلى بغداد سيكون ليلا نظرا لبعد المسافة والسرعة المحدودة للطائرات في تلك الأيام. ومن المعلوم أن نشاط وسائل الإعلام في ذلك الوقت كان محدودا إن لم يكن معدوما في بعض المجالات إنما هذا السباق كان له نصيب من الاهتمام لا سيما في الصحافة الأجنبية والإنجليزية بالذات.

وعند المساء من يوم الرابع والعشرين من شهر أكتوبر (تشرين أول) استأجرت إحدى العربات التي تجرها الخيول لتوصلني إلى المطار الواقع في منطقة الكرخ وهو لا يبعد كثيرا عن مركز العاصمة فالذاهب إلى محطة القطار يشاهد بناية المطار على يمينه. وبالقرب من المطار يوجد معسكر الوشاش كما يرى القادم إليه (الملوية) المشهورة ويقال أنها تضم ضريح السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد. وبعد غياب الشمس أُشعلت الأضوية المحيطة به لتعطي فكرة واضحة عن مساحة المطار للطائرات القادمة. كلما وضعت المشاعل النفطية في وسطه بصورة فنية حسب تعليمات قوانين الطيران المدني الدولية.

ومهمة هذه المشاعل إعطاء فكرة للطيارين القادمين ومساعدتهم لمعرفة بعدهم عن الأرض لتقدير المسافة عند النزول وكانت هذه الطريقة هي المتبعة عالميا قبل انتشار وسائل الإنارة الحديثة في المطارات.

وبدأ عدد المتفرجين يتزايد وغالبيتهم من الأجانب وموظفي السفارات والصحفيين والفنيين الذين قدموا إلى بغداد لمساعدة الطيارين عند هبوطهم.

وقد رسمت الجهات المشرفة على السباق خطوط الطيران والنقاط التي لا بد للطائرة المشتركة أن تحلق فوقها دليلا على اتباعها الخط المرسوم. وبدأت مع الوقت تصل إلى قسم اللاسلكي في برج مراقبة المطار أخبار مرور بعض تلك الطائرات فوق بعض المدن مثل روما وأثينا وقبرص وبقيت مع المتفرجين أترقب سماع الأخبار واعتقد أنى كنت أحد القلائل من المتفرجين الحريصين على معرفة تفاصيل السباق وتتبع أخباره وقد بقيت هناك حتى وصول آخر طائرة عند مطلع الفجر علما بأن بعض المتسابقين فشلوا في الاستمرار بالسباق قبل الوصول إلى بغداد وبعده حيث اضطروا للنزول بسبب بعض الخلل في طائراتهم.

وقبل منتصف الليل بدأنا نسمع هدير أول طائرة تحوم فوق المطار وشاهدنا أضويتها الملاحية الحمراء والخضراء ولم يعرف أحد لمن تكون هذه الطائرة في ذلك الليل الحالك الظلام علما بأن لا أحد من الطيارين المتسابقين يحمل جهازا لاسلكيا باستثناء الطائرة الهولندية التي سيأتي ذكرها.

وهبطت الطائرة في المكان المقرر وبدأت تدرج على ارض المطار مثيرة التراب والغبار حيث لم تكن في مطار بغداد مدارج مبلطة في ذلك الوقت. ثم بدأت تقترب شيئا فشيئا من المكان المعد لوقوف الطائرات TARMAC أمام المبنى الرئيسي وسلطت الأضواء الكشافة عليها وتبين لنا شكلها الممشوق كالسهم ولونها الأسود الحالك كظلام تلك الليلة وبها مقعدين الواحد خلف الآخر وترجل منها رجلان تبين انهما الطيار بلاك BLACK والطيار SCOT البريطانيان وكانت الطائرة من صنع شركة دي هفيلاند ذات محرك واحد وقد دامت رحلتهما من لندن إلى بغداد بدون توقف ستة عشر ساعة. (أنظر صورة الطائرة عند وصولها إلى مطار بغداد) كما لاحظنا الاسم الذي كتب في مقدمتها وهو "السحر الأسود" THE BLACK MAGIC أو ربما أن في الاسم تورية لان الطيار الأول اسمه "الأسود". وبعد استراحة قصيرة قام فيها الميكانيكيون بفحص المحرك ثم التزود بالبنزين غادرت الطائرة متجهة إلى المحطة الثانية التي لا أتذكر هل كانت كراجي أو رانغون عاصمة برما.

وبعد لحظات علمنا ان الطائرة الهولندية وهي من طراز DE.2 التابعة لشركة الطيران الهولندية تقترب من مطار بغداد وهي الطائرة الوحيدة في السباق التي كانت تحمل جهاز لاسلكي (أجهزة اللاسلكي التليفوني لم تكن شائعة في تلك الأيام لهذا كان الاعتماد على الأجهزة التي تبث إشارات ورموز مورس MORSE CODE وهذا النوع من العلم يحتاج إلى دراسة وممارسة طويلة ولهذا اقتصر الأمر على الطائرات التجارية التي تحمل معها عادة موظفا مختصاً بمثل هذا النوع من المراسلة اللاسلكية). وبعد لحظات هبطت الطائرة وكان عليها طاقم كامل من الطيارين والملاحين. وكانت شركة الطيران الهولندية K.L.M قصدت من هذه الرحلة أن تكون استكشافية لهذا النوع الجديد من الطائرات. وجاءت بعد ذلك الطائرة الثالثة في السباق وكان يقودها الطيار البريطاني الذي اشتهر في ضرب الأرقام القياسية JIM MOLISON وزوجته الطيارة المشهورة EMY JOHNSON وكانت طائرتهما هي نفس طائرة بلاك وسكوت وقد انتظرت حتى إقلاع طائرتهما وكان النصف الثاني من الليل قد أوشك على نهايته وبدت طلائع الفجر عند ذلك غادرت المطار وأنا اشعر بنشوة ومتعه أنستني متاعب السهر. وعلى ذكر هذا السباق الدولي فقد فاز كل من بلاك وسكوت بقصب السبق الأول. أما الطيار موليسون وزوجته فقد تأخرت رحلتها لسبب عطل طرأ على طائرتهما وأظن أن الطائرة الهولندية كانت الثانية في السباق.

أول مقال اكتبه في جريدة

في صباح اليوم التالي من السباق لم تبرز الصحافة العراقية اليومية اهتماما بهذا الحدث الكبير واعني به السباق الدولي للطيران بل ذكرته بعضها ببضعة سطور عابرة. وأنا الذي كنت أتتبع أخباره منذ فترة طويلة واعتبرت نفسي من المحظوظين الذين شاهدوا وصول الطيارين إلى بغداد في تلك المناسبة الفريدة، حز في نفسي أن يمر هذا الحادث التاريخي دون إعطاءه شيئا من الاهتمام الذي يستحقه. وبصورة عفوية بدأت اكتب وصفا لبداية السباق وعن المطار وجعلت عنوان المقال "مطار بغداد سر من أسرار الدعاية للعراق" وبعد الانتهاء من المقال ذيلته بكلمة (بدر) كذا حافة بدون الاسم كاملا أو حتى ذكر العنوان حيث كان يسيطر على شيء من الخجل وخوفا من أن لا ينشر المقال وكانت جريدة (البلاد) من ابرز الجرائد اليومية في ذلك الوقت لصاحبها ورئيس تحريرها "روفائيل بطي" وكان صحفيا قديرا معروفا في تلك الأيام وكانت مطبعة الجريدة وجهاز تحريرها يقع في بيت قديم وذهبت إلى ذلك البيت وكان يشتمل على فناء فسيح محاطا بالغرف في الطابق الأرضي ورأيت أحد الموظفين فسألته هل الأستاذ بطي موجود قال نعم قلت رجائي أن تسلمه هذا الظرف وخرجت مسرعا حذرا من أن يلحق بي أحد!

وكم كانت دهشتي في اليوم التالي عندما وجدت مقالي يتصدر الصفحة الأولى مكان المقال الافتتاحي اليومي بكل ما جاء فيه من وصف وتفاصيل عن السباق والمتسابقين والتغيير الوحيد في المقال كان في العنوان فقد أبدل الأستاذ بطي كلمة "سر" بكلمة "وسيلة" فأصبح العنوان كذا "مطار بغداد وسيلة من وسائل الدعاية للعراق" والواقع أن المقال كان استطلاعا كاملا عن ذلك السباق الدولي بمقاييس هذه الأيام.

وبقيت بعد السباق فترة من الوقت أتسقط أخبار المطار وإدارته فعلمت انه تم فتحه في عام 1933 أي قبل سنة فقط. وكانت الطائرات المدنية التي تمر بالعراق في تلك الأيام تنزل في بغداد في مطار الهنيدي التابع للقوات الجوية البريطانية وفي البصرة كانت تنزل في مطار الشعيبة حيث توجد القاعدة البريطانية الجوية الواقعة على بضعة أميال غرب البصرة وهاتين القاعدتين البريطانيتين قائمتان بموجب المعاهدة البريطانية العراقية التي عقدت عام 1930.

وقد علمت انه عند افتتاح المطار المدني تولى إدارته بالتتالي اثنان من الطيارين المدنيين الأول شاب يهودي ثري من بيت دانيال وكانت عنده طائرة خاصة صغيرة من طراز دي هفيلاند وبقي في هذه المهنة فترة اشهر ثم استقال أما الثاني فهو ارمني من بيت طوبليان وقد تعلم في أمريكا وكانت عنده طائرة خاصة وهو أيضا لم تدم خدمته فترة طويلة ثم استقال وظلت الوظيفة شاغرة يدير أعمالها محاسب من اصل يهودي اسمه إبراهيم شوحيط. وعندما علمت بهذه التفاصيل رأيت من المناسب أن أتقدم إلى الوظيفة الشاغرة حيث أني الوحيد المؤهل لهذه الوظيفة. بعد أن استقال منها الاثنان اللذان ذكرتهما.

البحث عن وظيفة في بغداد

وبعد اطلاعي على هذه المعلومات وتأكدي من وجود الشاغر ازداد تفاؤلي بالحصول على هذه الوظيفة بموجب مفاهيمي الساذجة على أساس قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب! شيء واحد كان ينقصني وهو أني لا املك طيارة أسوة بالجماعة اللذين استقالا علما بأن اعز أمنياتي في تلك الأيام هي ان تكون عندي واحدة. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة! كذلك من تحرياتي علمت أن إدارة المطار تتبع وزارة المواصلات التي أحالت أمر إدارته إلى مديرية البرق والبريد العامة بسبب وجود قسم لإدارة اللاسلكي من بين أجهزة المطار.

وكان مدير البرق والبريد العام رجل من رجال الرعيل الأول واسمه الدكتور فائق شاكر وكان مديرا للشئون الطبية في الجيش العراقي في وقت من الأوقات كما انه رجل تتمثل فيه طيبة القلب وحب الخير وميل للمرح. أما كيف يمكن أن يكون الطبيب مديرا عاما للبرق والبريد فهذا يعود إلى منطق الحكم في تلك الأيام. وذهبت إلى الرجل في مكتبه واستقبلني استقبالا طيبا وأخبرته بالغاية التي جئت من اجلها واطلع على الشهادة التي معي فاتصل بمكتب وزير المواصلات الذين لم يكن بعيدا عنه في بناية السراي. ثم ذهبنا إلى الوزير وكان اسمه عباس مهدي وكانت المقابلة قصيرة وعند خروجنا قال لي المدير العام تعال لي بعد بكرة فشكرته على حسن المقابلة التي لقيتها منه وانصرفت وقد تضاعف أملي بالحصول على الوظيفة. وبدأت اعد الساعات والدقائق ولكن كما يقول المثل: تقدرون وتضحك الأقدار.

وذهبت إلى الرجل الطيب في الوقت المحدد وعندما دخلت لاحظت على وجهه ابتسامة فاترة. ثم قال لي حاولت أن أساعدك يا ابني ولكن.. وخرجت من عنده صفر اليدين وبدأت أتساءل مع نفسي وأقول الوظيفة الشاغرة موجودة وهي وظيفة فنية وقد شغلها قبلي اثنان من الطيارين وأنا متأكد أن ليس هناك ثالث غيري يحمل المؤهلات المطلوبة في ذلك الوقت فما الذي حدث؟

وبدأت استشف واسأل واستقصي وتكونت عندي بعد فترة المعلومات الآتية. كانت تلك السنة 1934 سنة تقشف وضغط على المصاريف بسبب الضائقة المالية الشاملة وقد بدأت الحكومة العراقية الاستغناء عن بعض الموظفين وسنوا قانونا سموه قانون (الذيل) وأظنه جاء تفسيرا لبعض قوانين الخدمة والذي أعطي الوزراء صلاحية إحالة الموظفين على التقاعد إذا بلغوا السن القانونية أو قاربوها وكذلك فصل الموظف بموجب أمر يصدره الوزير. وكان على وزارة الأشغال شخص معروف بجديته وصرامته اسمه ارشد العمري وهو من أبناء مدينة الموصل. وقد استغنى عن الكثيرين من موظفي الوزارة لا سيما أصحاب الرواتب العالية. ومن الذين شملهم الفصل رجل مسيحي اسمه (بيير لورانس) ويرتبط هذا الرجل بصلة صداقة أو قرابة مع وزير المالية وهو مسيحي أيضا واسمه (يوسف غنيمة). والظاهر أن الجماعة عرفوا بالشاغر الموجود واتصلوا بيوسف غنيمة الذي بدوره اتصل بالوزير عباس مهدي وتمت الصفقة على حساب الفقير إلى الله! والشيء المضحك المبكي في هذه القضية أن راتب لورانس عند فصله كان 35 دينارا وراتب وظيفة المطار الشاغرة (25) دينار وعندما شغلها لورانس عينوه براتبه السابق الذي هو (35) علما بان الرجل على كفاءته لم يكن يعرف شيئاً عن أمور الطيران.

وتمر الأيام وتسقط الوزارة التي كان يرأسها على جودت الأيوبي في 23/2/1935 وتأتي وزارة جديدة برئاسة جميل المدفعي ثم تسقط بعد أيام لأسباب لا مجال لذكرها في هذا المقام. ثم يؤلف الوزارة بعد ذلك ياسين الهاشمي في 17/3/1935. وأعود إلى بغداد للزيارة والقيام بمحاولة جديدة. وسكنت مع الصديق محمد سعيد النقيب في الفندق الذي أشرت إليه سابقا. وكان المرحوم السيد حامد النقيب موجودا في ذلك الوقت في بغداد بصفته نائبا عن البصرة في مجلس الأمة فذهبت في اليوم الثاني للسلام عليه. وبعدها جاءني الأخ محمد سعيد وقال لي "الوالد سأل عنك وعن محاولاتك في الحصول على الوظيفة فأخبرته بما اعرف وقال انه يريد أن يراك لكي يعرف منك التفاصيل" فاتفقنا على أن نزوره في اليوم الثاني في الفندق الذي ينزل فيه ولم يكن بعيدا عنا. وتمت الزيارة وشرحت للسيد حامد تفاصيل ما حدث وقلت له لقد جئت لأقوم بمحاولة جديدة بعد التبديل الوزاري الذي حدث فسألني عن الوزارة فقلت له وزارة المواصلات فقال لي رحمه الله مر علي بكره وسأذهب معك إلى الوزير (كان الوزير واسمه أمين زكي من خيرة الوزراء خلقا ونزاهة وهو من اصل كردي. حيث كانت العادة في تلك الأيام ان لا تخلو الوزارات العراقية من وزراء أكراد) فشكرته على هذه البادرة الكريمة وعدت إليه في اليوم الثاني وذهبنا سويا إلى الوزير الذي سألني عن الوظيفة التي اطلبها فأخبرته بتخصصي وان مكاني هو المطار المدني فرد علي قائلا أن أمور المطار هي عند مستشار الوزارة المستر ويتلي WHITLY ورفع التلفون وكلمه باللغة العربية، وشكر السيد حامد الوزير على اهتمامه وحسن استقباله. وذهبت أنا للمستشار وقد استقبلني بوجه باش. وكان ودودا في تعامله معي واطلع على الشهادة ووجه إلى بعض الأسئلة ثم قال لي كانت عندنا وظيفة ضابط الحركات براتب 25 دينار وقد تم شغلها ويمكن أن نأخذك بوظيفة معاون للشخص الموجود حاليا والراتب هو اثنا عشر دينارا. فقلت له أن الفرق كبير بين مرتب الوظيفتين علما بأن العمل سيكون واحدا تقريبا فرد علي قائلا هذه هي الدرجة الوحيدة الشاغرة عندنا في الوقت الحاضر ولا أستطيع تجاوزها فقلت له أعطيني فرصة أفكر في الموضوع وخرجت من عنده على أن أعود إليه بعد يوم أو يومين وشكرته على اهتمامه (كان سلم الوظائف في تلك الأيام كالآتي: خريج الثانوية ثمانية دنانير. الشهادة الجامعية بما فيها شهادة الكلية العسكرية ثمانية عشر دينار) بأمري وعدت إلى الفندق وأخبرت الأخ محمد سعيد بما حدث وهو بدوره اخبر والده وتداولنا في الأمر. والواقع أن شعوري بالحاجة للوظيفة كان معنويا اكثر منه ماديا للأسباب التي سبق ذكرها وعلى هذا الأساس ذهبت إلى المستشار وأخبرته بموافقتي بقبول الوظيفة فاتصل بدوره بإدارة المطار واصدر إليهم التعليمات اللازمة. وعلى ذكر المستشار ففد كان لكل وزارة في تلك الأيام ومنذ بداية الحكم الوطني مستشاراً بريطانياً وكان للمستشار صلاحيات واسعة في إدارة شئون الوزارة. حتى إن شاعر العراق الكبير معروف الرصافي قال في إحدى قصائده التي يصف فيها شئون الحكم في العراق في تلك الأيام:

المستشار هو الذي شرب الطل

فعـلام يا هـذا الوزيـر تعربد!

وذهبت إلى المطار في اليوم الثاني للتعرف على الموظفين هناك وأظن أن ذلك كان يوم 6 أو 7 أبريل 1935 وأول من قابلت هناك كان مدير المطار واسمه فؤاد خياط وهو من عائلة مسيحية معروفة في بغداد. وأول ما رأى الاسم قال أنت الذي كتبت المقال عن السباق الدولي قلت له نعم قال لقد اتصل بنا الأستاذ روفائيل بطي بوقته وسألنا إن كنا نعرفك وكان حريصا على أن يراك ويتعرف عليك لأن المقال أعجبه كثيرا. ثم نادى على ضابط الحركات CONTROL OFFICER بيير لورانس وعرفني عليه ثم تعرفت على المحاسب الذي جرى ذكره ابراهيم شوحيط. وقال لي المدير أن باستطاعتك أن تداوم معنا من بكرة لتتعرف على العمل حتى يصدر أمر التعيين إذا شئت فرحبت بالفكرة.

وخرجت من هذا اللقاء وأنا مرتاح البال حيث كان الاستقبال من كلا الرجلين وديا وبدأت الدوام في اليوم الثاني. وكما ذكرت في مناسبة سابقة فان بناية المطار تتألف من الدور الأرضي والعلوي الذي يشتمل على برج المراقبة وغرفة مجاورة لموظفي اللاسلكي وغرفة أخرى للمدير وثانية للمحاسب ثم غرفة مع حمام لاستراحة ضابط الحركات لا سيما عندما تكون الخفارة ليلاً. وتعرفت بعد ذلك على موظفي اللاسلكي وكانوا أربعة مع مشرف عليهم اسمه طالب رفعت وكان هو واثنان من الموظفين قد أرسلتهم الحكومة العراقية إلى بريطانية عند شركة (ماركوني) حيث امضوا مدة سنتين للتدريب على إصلاح أجهزة اللاسلكي عند تلك الشركة وهي التي تستعمل في دائرة البرق والبريد العراقية ومنها قسم لاسلكي المطار الذي كان يتبع تلك الدائرة وباستمرار العمل والمشاركة في مسئولياته أصبحت لي علاقة صداقة وزمالة مع أولئك الشباب ومنهم شاب من البصرة اسمه إسماعيل حسن والذي فيما بعد ساهم في تشغيل إذاعة قصر الزهور التي كانت خاصة بالملك غازي أما الثاني من المتخصصين فكان اسمه نسيم بن يامين وهو يهودي. وطيلة فترة عملي في بغداد التي دامت حوالي السنة كان الانسجام و التعاون والتفاهم يسود الجميع وكأنهم أسرة واحدة. وكنت كل يوم أتوقع استلام الأمر بالتعيين وتمر الأيام وأنا أتحاشى السؤال والإلحاح حتى انتهى الشهر ودخلنا في الشهر الثاني فذهبت إلى المدير وقلت له لقد مضى علي اكثر من عشرين يوما وأنا أواصل العمل كما تعرف وحتى الآن لم استلم أمر التعيين فرد على قائلا يا ابني أنت تعرف روتين الدوائر الحكومية وتعقيداتها ولكن على أي حال فأنا ذاهب اليوم إلى الوزارة وسأتصل بالمسئولين هناك وإن شاء الله ما يكون إلا الخير.

وفي اليوم الثاني استدعاني وقال لي "انه راجع قسم الذاتية المختص بشئون الموظفين في الوزارة وقالوا انه لا يجوز إصدار أمر التعيين في أي وظيفة قبل الإعلان عنها في الصحف لإفساح المجال أمام من لديهم المؤهلات للتقدم إلى اشغال الوظيفة ثم قال ونحن على علم بأن ليس هناك من يحمل المؤهلات التي نريدها غيرك ولكن لا بد من الإعلان تمشيا مع القوانين! وقد وضعنا صيغة الإعلان وسيرسل للصحف" وفي يوم 9/5/1935 صدر الإعلان الذي يجد القارئ صورة منه في ملحق الصور والمستندات في آخر الكتاب والذي جاء فيه أن يكون المتقدم حائزا على معلومات علمية وعملية في تركيب وتشغيل الطائرات ومعلومات بالأرصاد الجوية وكل ما له علاقة بالطائرات! كما طلب الإعلان من الحائزين على هذه المؤهلات التقدم خلال عشرة أيام للاشتراك بالامتحان. ومضت العشرة أيام ولم يتقدم أحد. وخلال هذه الفترة أصبحت مديرية الطيران المدني تابعة إلى وزارة الدفاع وملحقة بإدارة القوة الجوية العراقية ثم صدر كتاب التعيين اعتبارا من 20/5/1935 (انظر الصورة) وقد ضاعت علي خدمة بدون راتب مدتها 43 يوما بسبب هذه التغييرات.

وصف لمطار بغداد الدولي

لقد أشرت في السابق عن موقع المطار وعن موعد افتتاحه وعن أرضه الخالية من المدارج المبلطة باستثناء قطعة صغيرة مخصصة لموقع الطائرات أمام البناية. وتنزل في المطار ثلاث شركات طيران تجارية هي الخطوط الجوية الإمبراطورية (تبدل الاسم فيما بعد إلىB.O.A.C ثم تبدل إلى BRITISH AIRWAYS كذلك انظر صورة المؤلف فوق سلم طائرة الـ K.L.M. في مطار بغداد عام 1936 وهي من نوع DE.2 التي اشتركت في السباق الدولي الذي تم ذكره) IMPERIAL AIRWAYS ثم شركة الطيران الفرنسية AIR FRANCE ثم الهولندية K.L.M وكل هذه الخطوط حكومية وتخدم المستعمرات. فالخط البريطاني إلى الهند والخط الفرنسي إلى الهند الصينية (فيتنام) والخط الهولندي إلى جاوا (أندونيسيا) كما كانت تصل إلى المطار طائرات شركات البترول باستمرار.

وكانت حركة المطار تتوقف إذا هطلت الأمطار لسبب عدم وجود مدارج مبلطة وكنا نعلن عن ذلك لجميع الشركات والمطارات التي تتعامل معنا. أما كيف نعلن عن صلاحية المطار فكنا نخرج إلى أرضه بعد أن نلبس الأحذية الطويلة (الجزم) المطاطية وبيد كل واحد منا رمح نسبر به صلابة الأرض وذلك بعد أن يتوقف المطر وتشرق الشمس فإذا تأكدنا من صلابة الأرض وهي قضية تقديرية فيها كثير من الخطورة والمسئولية نعلن عن صلاحية المطار. لقد فاتني أن أذكر بهذه المناسبة انه كان عندنا فراش في برج المراقبة اسمه (ارحيم) كنا نأخذه معنا عندما نخرج لكشف صلاحية المطار وجفافه وكان يحمل بيده رمحا مثلنا وكنا نكلفه بالذهاب إلى الأطراف البعيدة من المطار ومع الزمن اصبح ارحيم أخصائي في معرفة صلاحية المطار!

وفي أثناء فترة عملي في بغداد وصلها المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح وكان يرافقه سكرتيره عبدالله صالح الملا وبعض الخدم ونزل في فندق مود المطل على نهر دجلة وكان وصوله على الطائرة البريطانية التي باشرت نزولها في الكويت ابتداء من عام 1933. وكنت أتردد على زيارته في الفندق عندما أكون خارج الوظيفة وفي صباح أحد الأيام كنت جالسا عنده بالغرفة ودخل علينا أحد الخدم يحمل بطاقة زيارة سلمها لسموه وبعد أن قرأ الاسم ناولني البطاقة وكانت باسم توفيق الصالح رئيس تحرير (بغداد تايمس) التي تصدر باللغة الإنجليزية فقلت لسموه أني اعرفه بالاسم فقال للخادم دعه يأتي فلما دخل علينا اعتدل الشيخ أحمد في جلسته وكان مستلقيا على أحد المقاعد وبدأ الرجل يوجه الأسئلة لسموه وكانت أجوبته حذره وقصيرة ثم سأل عن عدد المدارس والمستشفيات فما كان من الشيخ أحمد إلا أن أحال السؤال لي للرد عليه فشعرت بالإحراج وكان لا بد من أن أستعين بالخيال للتخلص من المأزق! (أقام الملك غازي حفلة استقبال فخمة للشيخ أحمد في حدائق قصر الزهور علماً بان سمو الشيخ أحمد كان يقوم بزيارة خاصة -انظر الصورة- ومر الشيخ أحمد عند عودته إلى الكويت بالمطار بعد بضعة أسابيع من جولته في أوروبا والشرق الأوسط وكان في معيته السيد عزت جعفر كسكرتير خاص لسموه).

كذلك في صيف تلك السنة وصل إلى بغداد المغفور له الشيخ عبدالله السالم وكان بصحبته محمد ثنيان الغانم وعبدالعزيز السالم البدر معتمد حاكم الكويت في البصرة وذهبت للسلام عليهم ودعوتهم لزيارة المطار وتناول الشاي في احد الأمسيات كما دعوت معهم الشيخ إبراهيم المعمر الوزير المفوض السعودي المعروف وقد صعدوا إلى برج المراقبة وتفرجوا على أقسام اللاسلكي.

والواقع أن عملي هذا سواء كان في مطار بغداد أو بعد ذلك في مطار البصرة أعطاني فرصة اللقاء والتعرف على شخصيات لها مقامها وأهميتها سواء في المجال العربي أو في المجال الأجنبي كما سيأتي ذكره بالتتابع حسب تسلسل الأحداث، فقد قابلت في العراق وتحدثت مع بعضهم أمثال نوري السعيد، جميل المدفعي، جعفر العسكري، رستم حيدر وذلك أثناء مرورهم في مطار بغداد في عدة مناسبات كما زار بغداد في تلك السنة رجل المال والاقتصاد طلعت حرب باشا وزار المطار وصعد إلى برج المراقبة والمعروف أن طلعت حرب هو مؤسس بنك مصر وشركة مصر للطيران ومدرستها.

حوادث تستحق التسجيل

يصادف كل من يعمل وفي كل يوم حوادث منها العادي الروتيني ومنها الغير العادي الذي يستحق التسجيل. ومن هذه الحوادث الغير عادية قصة الطيار الشاب الفرنسي الذي وصل إلى مطار بغداد في أحد أيام شتاء عام 1936 الأولى على ما اذكر وكان هدفه ضرب الرقم القياسي للطيران بطائرته الصغيرة ذات المحرك الواحد بين باريس وسايغون عاصمة الهند الصينية الفرنسية - فيتنام.

وقد عرفنا عن هدفه هذا عندما وصلتنا برقية لاسلكية من قبرص تفيد بمغادرته قبرص في طريقه إلى بغداد واسمه (اندري جايي) ANDRE JAPY. وجاء في البرقية ذكر موعد وصوله التقريبي حيث كما ذكرت سابقا فان الطائرات الخاصة لم تكن تحمل أجهزة اللاسلكي التي كانت تستعملها الشركات التجارية للطيران. وبقينا بانتظار الطائرة حيث قمنا بعمل الترتيبات اللازمة الاعتيادية مثل أخبار شرطة الجوازات وإدارة الجمارك وهي أعمال روتينية كنا نقوم بها عندما نتوقع قدوم أي طائرة من الخارج. ووصلت الطائرة بعد حين وكان من بين الذين استقبلوا الطيار الفرنسي وكيل شركة الطيران الفرنسية واسمه (شمولي) وهو يهودي عراقي. وقد حجز له غرفة في فندق المطار لأن الطيار ذكر انه كان يشعر بالتعب بعد تلك الرحلة الطويلة وانه سيواصل طيرانه في اليوم التالي. وبعد ذهاب الطيار إلى غرفته بدأت الغيوم تتكاثف في سماء بغداد ثم بدأ رذاذ من المطر يتساقط بعد الغروب واستمر يتزايد شيئا فشيئا إلى أن اشتد وزاد هطوله عند منتصف الليل وصاحبنا المسكين الطيار يغط في نومه! وكنت أقوم بمهمة الخفارة الليلية التي تنتهي في الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي وكنت اسكن في إحدى غرف المطار باستمرار وهي من الغرف المخصصة للموظفين وليست تابعة لغرف الفندق التي أظن أن عددها كان لا يزيد عن العشر غرف ويديرها مع مطعم المطار أحد أصحاب الفنادق في بغداد بموجب اتفاق مع الدولة.

واستيقظت في الصباح الباكر وأنا أفكر بمصير ذلك الطيار البائس وإذا بي أجده واقفا بالقرب من طائرته حائرا مشدوها وكان يعلم مسبقا بأن المطار لم يكن صالحا للطيران في تلك اللحظات. وكنت اشعر بما يشعر به من يأس وخيبة أمل ولم يكن لدي شيء أقوله له لان ارض المطار أصبحت كلها مستنقعا من الماء والطين ما عدا تلك البقعة المبلطة أمام المبنى TARMAC التي سبق ذكرها والتي تقع أمام مبنى المطار والتي لم يكن يزيد طوالا على مائتي متر حسب تقديري. وقد فوجئت عندما قال لي انه سيحاول الطيران فوق ذلك الشريط المبلط من الأرض. وفي هذه الأثناء حضر المسئول عن خفارة الصباح وهو ضابط الحركات السيد لورانس وأخبرته بالتفاصيل وسلمته الخفارة النهارية وكان الطيار مصمما على محاولته التي أشار إليها وقال انه يقوم بهذا الأمر على مسئوليته ثم صعد إلى الطائرة وأدار المحرك ليتأكد من سلامته ثم أشار بيده مودعا واتجه إلى بداية الأرض المبلطة ونحن ننظر إليه وأيدينا على قلوبنا ثم أعاد التجربة على المحرك وأعطاه أقصى قوته وكانت أجنحة الطائرة الصغيرة ترتجف وكأنها تعرف المصير. ثم انطلقت بأقصى قوتها ولأنها كانت مثقلة بحمولة الوقود للمسافات الطويلة فإنها لم ترتفع وخرجت من المنطقة المبلطة إلى منطقة الأوحال فهبطت سرعتها ولكنها ظلت مندفعة حتى اصطدمت بسور المطار المبني من الطين فأحدثت فيه فجوة كبيرة وانشطرت إلى شطرين مع ظهور لهب أزرق من محركها واستقر كل شطر في جهة وراء السور وركضنا نحو الطائرة بأقصى سرعة ثم غاصت أقدامنا بالأوحال ولم يكن أحد منا يتوقع أن يجد الطيار حياً.

وكانت المفاجأة عندما وجدنا الطيار في مقعده بالقسم الخلفي المشطور من الطائرة مشدودا في مقعده بالأحزمة ولم يبد عليه انه قد أصيب بأذى ما عدا خدش بسيط في جبهته! فساعدناه على فك الأحزمة والخروج من المقعد الذي لم يتأثر بالصدمة وسار معنا الرجل مشيا إلى بناية المطار وهو يكرر بالإنجليزية وبلهجته الفرنسية "لا اعرف كيف نجوت من الموت" لقد نجا المسكين بجسده وماتت آماله وأحلامه. وظل ينتظر في فندق المطار حتى اصبح المطار صالحا ثم سافر بالطائرة الفرنسية المتوجهة إلى باريس تاركا وراءه طائرته المحطمة.

أما القصة الثانية التي تستحق الذكر فهي لحسن الحظ مضحكة. فقد اتصل بي ذات يوم مفوض الشرطة المسئول عن قسم الجوازات في المطار وقال إن بعض رؤسائه اتصلوا به بناء على خبر جاءهم من شركة الطيران الإمبراطورية البريطانية. إن أحد كبار أمراء الهند من الراجات جمع -راجا- (كانت مستعمرة الهند في تلك الأيام مقسمة إلى ولايات وكل ولاية أو مقاطعة لها زعيم فالولايات الهندوسية يسمى زعيمها "راجا" أما الولايات أو المقاطعات المسلمة فرئيسها يسمى "نواب" باستثناء مقاطعة حيدر أباد الدكن فمع أن غالبيته سكانها من الهندوس فان زعيمها مسلم ويسمى "نظام حيدر أباد"). وقال انه سيطلب زيادة من الشرطة للمحافظة على الأمن ولآداء التحية له. أما أنا فبقيت في برج المراقبة كالعادة عند وصول الطائرة ولم يتصل بي أحد حول هذا الموضوع.

ووصلت الطائرة القادمة من الهند عصر ذلك اليوم على عادتها وبدأ الركاب ينزلون واتخذ الشرطة أماكنهم عند سلم الطائرة لآداء التحية حسب الأوامر التي صدرت إليهم ونزل الركاب وكانوا كلهم بملابسهم العادية وغالبيتهم من الأوروبيين وبعدها نزل شخص باللباس الهندي المعروف وفوق رأسه عمامة مزركشة فصاح المفوض بأعلى صوته سلام الأمراء خذ! وسمعت قعقعة السلاح وأنا انظر من شرفة برج المراقبة ومرت الأمور بصورة طبيعية. وجاءني مندوب الشركة البريطانية حاملا سجل الرحلة العائد للطائرة لختمه بختم المطار والتوقيع عليه وقد علت وجهه ضحكة ثم قال هل عرفت من يكون الرجل الذي أدت له الشرطة التحية قلت طبعا المهراجا واستمر بالضحك قائلا انه طباخ المهراجا!

قلت له وأين المهراجا فقال انزل معي لتراه، وذهبنا سويا الى غرفة الاستقبال وأشار لي خفية إلى رجل طويل القامة ابيض البشرة يلبس بنطلونا ابيض كأنه ذاهب إلى لعبة التنس وخرجنا من القاعة وقلت له كيف تعرفتم عليه وعلى الطباخ فقال من جوازات السفر.

نبذة عن اهتمامات

بعض الدول العربية بالطيران

ذكرت في مناسبة سابقة كيف أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 أسهمت في تطور صناعة الطيران وتقدمها. فما أن وضعت الحرب أوزارها وانطفأت نيرانها حتى وجدت تلك الدول المتحاربة أن لديها وفرة من الطيارين والطائرات، وهنا ظهرت وبدأت فكرة الاستفادة من أولئك الطيارين وتلك الطائرات في الأغراض السلمية. فقد أجريت بعض التعديلات على الطائرات الكبيرة التي كانت تحمل القنابل والمؤن الحربية لجعلها تحمل بعض الركاب وان كان العدد لا يزيد في ذلك الوقت على أصابع اليد. ومع هذا فقد كانت بداية رائدة في كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. أما ألمانيا فبالرغم من هزيمتها في الحرب فإنها طورت نوعا جديدا من أساليب النقل الجوي (مراكب الهواء) أو البالونات التي اشتهر منها اثنان هما (غراف زبلن وهندنبرغ) اللذان استخدمتهما في الثلاثينات في نقل الركاب عبر المحيط الأطلسي الجنوبي.

أما البلاد العربية التي خرجت من سيطرة النفوذ التركي بعد الحرب العالمية الأولى ووقعت في شباك النفوذ الغربي الاستعماري الشريرة. فإنها ظلت مع مرور الزمن تحاول التخلص من تلك السيطرة الأجنبية البغيضة. وفي طليعة تلك الدول مصر وثورتها عام 1919 وما تلاها من انتفاضات. والعراق بثورة 1920 التي كانت نتيجة لها تخلي الإنجليز عن حكم العراق بصورة مباشرة بتشكيل الحكومات الوطنية.

وعندما سنحت الفرصة لهذين البلدين بتشكيل قواتهما الوطنية أرسلت كل من العراق ومصر نخبة من الشباب الذين اكملوا دراستهم العسكرية في أوائل الثلاثينات إلى بريطانيا لتعلم فنون الطيران الحربي.

أما في مجال الطيران المدني فقد كانت مصر سباقة في هذا الميدان عندما أنشأت في أوائل الثلاثينات شركة مصر للطيران والمدرسة التابعة لها والتي سبقت الإشارة إليها.

وعلى المجال الشخصي فقد قام شاب مصري اسمه محمد صدقي القيام برحلة بطائرته الخاصة من برلين إلى القاهرة حيث وصلها في 26 يناير (كانون الثاني) 1930 وقد أنجز تلك الرحلة على مراحل دامت عدة أيام. وقد احتفلت مصر احتفالا رائعاً بذلك الشاب الجريء واعتبرت بوقتها ذلك اليوم عيدا للطيران المصري. وفي العراق أشرت الى الشابين اللذين خدما قبلي في مطار بغداد المدني.

وعلى ذكر الشاب المصري محمد صدقي والاحتفالات التي أقيمت له في ذلك الوقت. فقد نظم شاعر مصر الكبير أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة رائعة بتلك المناسبة من تسعة وثلاثين بيتا اذكر منها الأبيات التالية حيث يقول في مطلعها:

أعقاب في عنان الجو لاح

أم سحاب فرَّ من هوج الرياح

أما بساط الريح ردته النوى

بعدما طوَّف بالدهر وساح

ثم يقول:

يا سلاح العصر بُشِّرنا به

كل عصر بكمي وسلاح

إن عزاً لم يظلَّل في غدٍ

بجنحيك ذليل مستبح

دبت الهمة فيه ومشت

عزمات منك يا (حربُ) صحاح

(إشارة إلى طلعت حرب باشا رجل المال والاقتصاد المصري الذي سبقت الإشارة إليه في تأسيس شركة مصر للطيران والظاهر أن هذا الرجل ساعد الطيار في تحقيق مهمته مما جعل شوقي يشيد بذكره).

كذلك فان الصحف المصرية نشرت بعد ذلك عن فتاة مصرية اسمها لطفيِّة النادي تعلمت فن الطيران في مدرسة الطيران المصرية فكانت أول فتاة مصرية تتعلم هذا الفن.

ومع مرور الزمن تأسست في بعض البلاد العربية خطوط جوية للنقل التجاري حيث بدأ في العراق والسعودية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي الكويت في أوائل الخمسينات.

مشروع نقلي إلى مطار الرطبة

ذكرت قبل هذا عن انتقال وارتباط مطار بغداد ودائرة الطيران المدني من وزارة المواصلات إلى وزارة الدفاع فأصبح قائد القوة الجوية العراقية هو مدير الطيران المدني. والغريب في الأمر أن قائد القوة الجوية في ذلك الوقت كان ضابط خيالة من الضباط العراقيين الذي خدموا في العهد العثماني واسمه (إسماعيل نامق) وكان برتبة زعيم (عميد) بينما كانت العادة المألوفة في ذلك الوقت أن يكون قائد القوة الجوية اقدم الطيارين وهو أمر منطقي لا جدال فيه. أما كيف اصبح ضابط الخيالة قائد القوة الجوية العراقية مع وجود ضباط طيران أكفاء فكان أمر يتعلق بسياسة الدولة في تلك الأيام.

المهم أن ذلك الرجل الطيب القلب كان يتردد على المطار بين الحين والآخر لا سيما في الأمسيات ويدعوني للجلوس معه في حديقة المطار للاستفسار عن سير الأمور في المطار.

وكانت هذه الفترة في الأشهر الأولى من عام 1936 والتي علمت منها من بعض المصادر أن المطار المدني في البصرة قاربت مشاريعه على الانتهاء. وفي أثناء زيارات الزعيم للمطار جرى الحديث معه عن مطار البصرة وأخبرته برغبتي في الانتقال إلى هناك لأني سبق ان تفاهمت مع إدارة الميناء حول هذا الموضوع. ولاحظت أن كلامي لم يعجبه فرد على باللهجة المحلية الدارجة قائلا "سأبوز هذا المشروع" والذي خفف عندي من هذه المفاجأة أن لهجته كانت مزيجا من الجد والهزل. ولكني بقيت في قلق من كلمة (أبوز) هذه التي تعني أعرقل.

وبعد أيام قليلة من ذلك اللقاء وإذا بمدير المطار فؤاد خياط يستدعيني ويطلعني على رسالة مؤرخة في 9/2/1936 موجهة إليه خلاصتها أن رئيس أركان الجيش -وكان وقتها الفريق طه الهاشمي- قد وافق على نقلي إلى محطة الرطبة لتنظيم شئون الطيران هناك‍ (أنظر صورة الأمر) والرسالة موقعة من الزعيم قائد القوة الجوية العراقية. واحتفظت بصورة الأمر الذي أرسل إلى وكنت مصمما على عدم الذهاب إلى الرطبة وبقيت انتظر ما سيأتي بعد هذا الأمر. وتشاء الصدف في تلك الأيام أن يصل إلى المطار صاحبنا مدير الموانئ العام بطائرته الخاصة التي يقودها بنفسه والذي أشرت إليه فيما يمضى بأنه اصبح يشغل وظيفة مدير السكك الحديدية في العراق بالإضافة إلى عمله في ميناء البصرة فاستقبلته حسب العادة وإذا به يسألني والابتسامة تلوح على وجهه كعادته ويقول ما معناه حضر نفسك للمجيء إلينا فالمطار سيفتتح قريبا وأنا سأكتب لوزارة الدفاع حول هذا الموضوع. ونزلت هذه الكلمات بردا وسلاما على قلبي وارتفعت معنوياتي التي تأثرت بسبب أمر النقل إلى الرطبة. وقلت في نفسي إذا أعادت الوزارة طلبها وألحت على بالذهاب إلى الرطبة فسأقدم استقالتي وأنا مطمئن إلى أني سأجد العمل في مطار البصرة بعد الذي سمعته من المدير العام.

وتمر الأيام وبينما كنت في أحد الليالي في غرفتي وإذا بأحد الفراشين يطرق الباب ويقول لي أن الزعيم إسماعيل نامق يسأل عني وهو جالس في الصالة. فنزلت إليه حالا ووجدته بملابسه المدنية فسلمت عليه وجلست على أحد المقاعد بالقرب منه وكان قد طلب شايا قبل وصولي وبدأ الحديث عن سير العمل وأمور أخرى وكنت بين لحظة وأخرى أتوقع منه السؤال عن موعد ذهابي إلى الرطبة ولكنه لم يفعل وهذا مما زاد في استغرابي وارتياحي في آن واحد. وبعد فترة من الوقت غادر القاعة ومشيت معه حتى الباب الخارجي حيث كانت تنتظره سيارة الجيش يقودها أحد الجنود. والزعيم إسماعيل نامق مربوع القامة خفيف شعر الرأس الذي خالطه الشيب وكان حسب تقديري في حوالي الخامسة والخمسين من العمر.

المفاجأة الثانية

كان ذلك في بداية شهر أبريل (نيسان) عندما اخبرني أحد الأصدقاء في وزارة الدفاع انه وصل إلى الوزارة كتاب من مدير الميناء العام في البصرة يخبر فيها دائرة الطيران المدني عن قرب افتتاح مطار البصرة ويطلب من الوزارة نقل خدماتي لأكون موجودا هناك يوم الافتتاح. وأفاد الصديق أنه عندما عرض الكتاب على رئيس الأركان طه الهاشمي شرح عليه بالقلم الأحمر "إن مديرية الطيران ليست مدرسة لتدريب الموظفين ثم أعارتهم إلى جهات أخرى" (راجع كتاب مدير الميناء في البصرة تاريخ 6/4/1936) وقد وقع على هذا الخبر وقوع الصاعقة. وقلت في نفسي سبحان الله أين أولئك الذين سلقوني بألسنتهم الحادة أول عودتي من الدراسة وقالوا أنني ضيعت وقتي ومالي. وهاأنا الآن في منطقة الجذب بين البصرة وبغداد. وبدأت احلل الأسباب التي دعت الفريق الهاشمي برفض طلب نقلي إلى البصرة علما بأن الأمر لا يتعدى نقل موظف من مدينة إلى أخرى ولماذا هذا التعليق الذي ذكرته وحسب تحليلي للظروف في تلك الأيام توصلت إلى النتيجة الآتية:

أولاً- لقد صدر أمر نقلي إلى مطار الرطبة قبل مدة وأنا تجاهلت أمر النقل.

ثانيا- أن الفكرة المأخوذة في بغداد عن دائرة ميناء البصرة أنها دائرة منفصلة تتبع حكومة العراق بالاسم وتدير أمورها وميزانيتها بمعزل عن رقابة الحكومة المركزية في بغداد -وهذا هو الواقع- لذلك كان التعاون معها لا يثير الاهتمام عند غالبية كبار رجال الدولة في بغداد وكان بعضهم يطالب بتغيير ذلك الوضع الشاذ الذي بدأ مع احتلال البصرة كما سبقت الإشارة وظل مستمرا.

أما بالنسبة لي فمع هذا الرفض الذي لم اسمع عنه بصورة رسمية إلا أني كنت مطمئنا إلى عودتي إلى البصرة إما عن طريق النقل أو الاستقالة. وتمضي الأيام بسرعة وفي يوم 19/4/1936 على وجه التحديد وإذا بمدير المطار يطلبني في مكتبه ويفاجئني بكلمة مبروك قلت له على ماذا قال موافقة وزارة الدفاع على نقلك للبصرة فاستعد للسفر بكره حيث مطلوب منك أن تكون حاضرا عند افتتاح المطار يوم 21/4/1936 يا للمفاجأة وما الذي حدث؟ ولا بد انه تجددت الاتصالات بين دائرة الميناء ومديرية الطيران المدني في بغداد خلال تلك الفترة وتم التفاهم على النقل.

المهم أني سافرت يوم 20/4/1936 ومعي كتاب النقل بعد أن ودعت الزملاء في المطار سواء في إدارة المطار أو في قسم اللاسلكي الذين كانت لي معهم أطيب الذكريات خلال عام كامل من العمل الجاد الملتزم التي كانت تتطلبه طبيعة ذلك العمل الدقيق الحساس المرتبط مباشرة بحياة الناس في كل يوم.

كلمة للشباب

وعلى ضوء التجربة التي مررت بها أرى من الواجب المحتم على أن الفت انتباه الشباب المقبل على الحياة والذي عادة ينظر إليها بمنظار التفاؤل وهذا شيء جميل، إنما يكمن الخطر في الإفراط في التفاؤل الذي يتجاهل قوانين الحياة ونواميسها والأيام ليست كلها سمن وعسل ولو كانت كذلك لما كانت الحياة التي نعيشها كل يوم بل قد تكون شيئا آخر خلاف ما أراده الله لهذه الأرض ومن عليها. وقد قال الشاعر العربي بهذا المعنى:

فيوم لنا ويوم علينا

ويوم نساء ويوم نُسَرّ

وقال مثل آخر (إذا كانت الدنيا يوما لك ويوما عليك فقد أنصفتك) ولهذا فان أي إنسان يفكر في الإقدام على أي عمل ما فلا بد له ان يحسب حساب الفشل كما يحسب حساب النجاح. أو بمعنى آخر حساب الأرباح والخسائر. وان من أهم عوامل النجاح الصبر والثبات وبعكسها التردد واليأس. وعلى ذكر اليأس فيقال أن أحد القواد المكلف بحصار إحدى المدن المسورة واقتحامها أصابه شيء من اليأس لسبب مناعة الأسوار وبسالة المدافعين فاتجه نحو ظل شجرة وبدأ يفكر بالمصير وبينما كان غارقا في حيرته ويأسه شاهد نمله تحاول تسلق ساق تلك الشجرة الأملس ولكنها كانت تسقط عند كل محاولة ثم تعيد الكرة حتى نجحت في تسلق ذلك الساق الأملس. وكان وهو يراقب تلك النملة في محاولتها يتصور حالته في محاولاته الفاشلة في اقتحام أسوار المدينة واعتبر محاولة تلك النملة ونجاحها مصدر إلهام له وموعظة فقفز من مكانه راكضاً نحو جنوده شاهرا سيفه طالبا منهم أن يتبعوه ولم يفشل هذه المرة.

وفاء كلب

أود وأنا في ذكر المراحل الأخيرة في إقامتي في بغداد عاصمة الرشيد أن أسجل القصة الطريفة الآتية. ترك أحد الأجانب الذين أقاموا فترة في المطار قبل سفره كلبا وظل هذا الكلب بعد ذهاب صاحبه يأتي عندي وقت الطعام ظهرا فأطعمه بما يتبقى من فتات واستمرت عادته هذه. وفي أحد الليالي وكان الوقت صيفا وكنت أنام فوق السطح كسائر الناس في تلك الأيام أوصيت الفراش (ارحيِّم) أن يوقظني في الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي من اجل إرسال التقرير الجوي إلى إحدى الطائرات التي كانت ستغادر البصرة في الساعة الرابعة. وكنا نطلب التقارير الجوية بالتلفون من المطار العسكري البريطاني في الهنيدي (الرشيد) حاليا. ثم نرسله باللاسلكي للجهة المعنية. حيث لم تكن في العراق دائرة أرصاد جوية مدنية في تلك الأيام.

وبينما كنت غاطاً في نومي وإذا بي استيقظ فزعا على صراخ ارحيم ونباح الكلب الذي تسلق على جسمه وكاد ينهش رقبته لولا أن سحبته بكلتا يدي بعد أن مزق ثياب الفراش المسكين وسبب له بعض الخدوش وفي تلك الليلة عرفت أن ذلك الكلب الوفي كان يأتي بعد أن آوى إلى الفراش وينام تحت السرير.

أمر النقل إلى مطار البصرة

وهكذا عدت إلى مدينة البصرة البلد الذي قضيت فيه شطراً كبيراً من أيام دراستي الابتدائية وجزءاً من الدراسة الثانوية. كما كانت لتلك المدينة العريقة مكانة خاصة في نفسي.

وبدأت بمقابلة كبار المسئولين من موظفي دائرة الميناء لا سيما أولئك الذين لهم علاقة بإدارة المطار وعلى رأسهم مدير النقليات البريطاني (الكابتن بايفورد) الذي جاء ذكره سابقا. واطلعت على مواعيد الطائرات التي قررت النزول في المطار بصورة منتظمة أسبوعياً ولعدة سفرات. ومنها الشركة الإمبراطورية البريطانية والشركة الفرنسية ثم الشركة الهولندية. وكذلك طائرات بعض شركات النفط في المنطقة. حيث كل شركة لها طائراتها الخاصة لنقل موظفيها. وكانت سرعة طائرات النقل في ذلك الوقت تتراوح بين المائة والمائة والخمسين ميلاً في الساعة، ولذلك فإنها كانت مضطرة للنزول في عدة محطات من أجل التزود بالوقود، فمثلا الطائرة البريطانية القادمة من الغرب تنزل في غزة بفلسطين والرطبة في العراق وبغداد ثم البصرة، أما القادمة من الشرق فكانت تنزل في كراجي وجوادر والشارقة والبحرين وأحياناً الكويت (بدأت الخطوط البريطانية تنزل في الكويت في عام 1933 على أرض ممهدة عند بوابة الشعب "البريعصي" خلف السور مباشرة) ثم البصرة. أما الطائرات الفرنسية والهولندية فكانت تنزل في مطار بوشهر قبل المجيء إلى البصرة. وقبل افتتاح المطار كانت الطائرات تنزل في مطار الشعيبة العسكري البريطاني غرب البصرة.

استلمت مسئولية إدارة المطار الفنية في 21 أبريل 1936 وكنت الوحيد المسئول عن حركة الطيران والمراقبة (CONTROL). وكنت مضطراً للبقاء في المطار طول الوقت ماعدا فترات في بعض الأيام انتهز فيها الفرصة فأنزل إلى البصرة، وقد اشتريت سيارة مستعملة من طراز بويك (BUICK) بمبلغ خمسين ديناراً وكانت بحالة جيدة علما بأن السيارة الجديدة كان سعرها في ذلك الوقت في حدود مائتي دينار. وبعد فترة رأى المسئولون أن ينقلوا أحد موظفي دائرة النقليات لمساعدتي في الخفارة لا سيما في الأوقات التي تخف فيهـا حركة الطيران.

وكان البناء الرئيسي في طور الإنشاء إنما كانت هناك بناية صغيرة ذات طابق واحد جعلت من إحدى غرفها سكناً لي ومن الثانية مكتبا. كما نصبنا جهازاً فوق السطح داخل غرفة من الزجاج وذلك لقياس اتجاهات الريح (ANEMOMETER). كما كانت تلك الغرفة الزجاجية بمثابة برج للمراقبة. وبسبب تعذر الاتصال بينا وبين الطائرة عندما تكون على الأرض فكنا نستعمل الضوء الأخضر للسماح بالإقلاع والضوء الأحمر للتوقف والانتظار! ومع أن بناية المطار لم تكن قد اكتملت إلا أن مدارج المطار الرئيسية وفروعها كانت مبلطة كما كانت صالحة لنزول الطائرات في كل الفصول خلافاً لما كان عليه الحال في مطار بغداد كما سبقت الإشارة.

وفي أواخر ذلك العام أو في أوائل العام الذي تلاه اتصل بي من بغداد الصديق خلف محمود الجنابي الذي تعرفت عليه عندما كان يأتي مع ابن عمه ناصر الجنابي أحد الطيارين العسكريين الخمسة الأوائل (وأتذكر منهم أربعه وهم محمد علي جواد الذي أصبح قائدا للقوه الجوية العراقية وقتل مع بكر صدقي عام 1937. وأكرم مشتاق وموسى علي وناصر الجنابي. كذلك فقد كان يتردد على مطار بغداد طيار عسكري اسمه إبراهيم ناجي من يهود العراق وربما كان هو الطيار الخامس) لزيارة المطار في بغداد وقد علمت منه وقتها أنه كان موظفاً في الكلية العسكرية وأنه يرغب في تعلم الطيران وطلب مني أن أعطيه عنوان المدرسة التي درست فيها فزودته بكافة المعلومات ثم سافر وحصل على الشهادة. وقد فرحت بخبر وصوله وحصوله على الشهادة، وسألني إذا كان بالإمكان أن يعمل معي بمطار البصرة فأبديت له سروري بحصوله على الشهادة أولاً ثم وعدته بأن اتصل بالمسئولين لأخذ رأيهم وما أظنهم سيرفضون لأن أجهزة المطار في حاجة إلى زيادة في الموظفين لا سيما الفنيين أمثاله. وعند اتصالي بالمسئولين حصلت الموافقة. ووصل صاحبي إلى البصرة وأنزلته معي في الغرفة حيث، كما ذكرت، لم تكن عندنا سوى غرفتين. وقد فرحت بوصوله كثيراً حيث خفف عني كثيراً من أعباء المسئولية التي كان يقدرها أكثر من غيره. ولكن لشدة أسفي فلم تدم إقامته معي طويلاً حيث بعد بضعة أشهر عاد إلى بغداد والتحق بالقوة الجوية العراقية. وبسفره فقدت صديقاً وزميلاً في مجال الوظيفة.

مسألة الراتب

عند استلامي العمل في مطار البصرة أجرت لي دائرة الميناء راتباً شهرياً قدره ستة عشر ديناراً. أي أكثر من راتب بغداد بأربعة دنانير، وفي الوقت نفسه حصلت على وعد بنقلي إلى درجه كبار الموظفين التي كانوا يطلقون عليها درجة "الضباط المسجلين GAZETTED OFFICERS" حيث يبدأ راتب هذه الدرجة بواحد وعشرين دينار شهرياً أي ما يقابل راتب ملازم أول في الجيش العراقي.

وقد وفت دائرة الميناء بوعدها فأرسلت رسالة مطولة إلى وزارة المالية تطلب فيها الموافقة على تعييني براتب 21 ديناراً بسبب طبيعة الوظيفة الفنية ومسئولياتها، كذلك جاء في الرسالة ذكر الشهادة التي أحملها وأن الراتب الذي كنت أتقاضاه في بغداد كان خلال فترة التجربة وبما أن تلك الفترة قد انتهت فإن دائرة الميناء تطلب الموافقة على اقتراحها بأقرب وقت ممكن وكانت الرسالة مؤرخة في 25/6/1936 وبرقم P.718.

عودة روح المغامرة

وجاء رد وزارة المالية بكتاب مؤرخ في 9/7/1936 ترفض فيها الطلب بحجة أن الموافقة على الترفيع فيها تجاوز على القوانين المتبعة في ملاك (كادر) الدولة وردت دائرة الميناء برسالة مؤرخة في 27/8/1936 خلاصتها أن المؤهلات التي أحملها والوظيفة التي أشغلها تبرر طلب الترفيع كما أشارت الرسالة إلى وجود عدة موظفين تحت أمرتي حيث أن بقائي في نفس الدرجة يسبب صعوبات وخللا في الانضباط الوظيفي.

وعندما علمت برد الوزارة بالرفض شعرت بحالة من اليأس ورغبة في التحدي فكتبت استقالتي وقدمتها للمسئولين ولكنهم لم يقبلوها وأعادوا الكرة إلى وزارة المالية برسالة مؤرخة في 2/3/1937 يؤكدون فيها ويصرون على نفس المطالب السابقة ويشيرون إلى استقالتي.

عند ذلك دبت الرحمة في قلب وزارة المالية في بغداد فوافقت "بصفة خاصة" على الترفيع اعتباراً من 1/4/1937 وأصبح المرتب واحد وعشرون ديناراً.

وتمر الأيام وأسافر إلى بغداد وأزور وزارة المالية واسمع منهم القصة الآتية: عندما كرر الوزير رفض الترفيع متجاهلاً طلبات مدير الميناء الملحة، دخل عليه أحد كبار الموظفين ولم يكن يعرفني أو حتى رآني من قبل وقال للوزير أنت ترفض ترفيع هذا الشاب المؤهل إلى الراتب (21) دينار، فإذا أصر على الاستقالة فان دائرة الميناء ستأتي برجل إنجليزي وتدفع له مائة دينار! وكان لهذه الكلمات المنطقية أثرها وحصلت الموافقة.

وعلى ذكر المغامرة أود أن أذكر -وللشباب خاصة- بأن الإقدام على أي مغامرة يحتاج إلى دراسة وحساب للأرباح والخسائر كما أشرت في مناسبة سابقة، وان تكون تلك المغامرة مرتبطة بهدف نافع يسعى المغامر إلى تحقيقه. وفي الحالة التي شرحتها أعلاه كنت أشعر أن المدير العام لدائرة الميناء السير جون وارد (SIR JOHN WARD) أو الكولونيل وارد، كان متعاطفاً معي منذ اللقاء الأول معه الذي أشرت إليه سابقا. وهذا ما جعلني أشعر بشيء من الطمأنينة، وقد كان موقفه هذا ظاهراً برسائله إلى بغداد منذ طلبه الأول من أجل نقل خدماتي من مطار بغداد إلى البصرة (كذلك فمن الأمور التي دعتني إلى تلك المجازفة أني وضعت أمامي أسوأ الاحتمالات وهي قبول الاستقالة التي لو قبلت فإني لن أموت جوعا. علما بأن حاجاتي كأعزب كانت محدودة وكان باستطاعتي أن اجعلها في أضيق نطاق تمشيا مع البقية الباقية مما ترك الوالد رحمه الله ومتمثلا بقول الشاعر: كل النداء إذا ناديت يخذلني إلا ندائي إذا ناديت يا مالي!).

وصول الطيار العالمي قاهر المحيط

شارل ليندبرغ إلى البصرة

في يوم من أيام ربيع تلك السنة، لا أذكر تاريخه بالضبط، من عام 1937 وصلتنا برقية مستعجلة من جزيرة قبرص تفيد بأن الطيار العالمي ذو الشهرة الكبيرة شارل ليندبرغ CHARLES A.LINDBERGH قد غادر قبرص متوجهاً إلى البصرة بدون توقف، وجاء في البرقية ذكر وقت مغادرته وموعد وصوله، وأظن أن الوقت كان حوالي خمس ساعات ونصف وجهزنا كل إمكاناتنا المتواضعة لاستقباله بعد ظهر ذلك اليوم. وفي الوقت التقريبي لاحت طائرته من بعد وبدأت دورتها المعتادة حول المطار قبل النزول. ولم يكن بيننا وبين الطائرة أي اتصال حيث لم تكن مجهزة باللاسلكي، كما لم يكن التلفون اللاسلكي معروفاً أو شائعاً في تلك الأيام لا سيما على متن الطائرات سواء التجارية منها أو الخاصة.

وحطت الطائرة بالاتجاه الصحيح المعاكس للريح ثم استدارت نحو البناء المؤقت المتواضع، وعندما اقتربت منه توقف محركها وترجل منها شاب طويل القامة نحيف الجسم يحمل تحت إبطه سجل رحلة الطائرة LOG BOOK فتقدمت نحوه وسلمت عليه وعرفته بنفسي ودخلنا المبنى سويا. أما زوجته التي كانت بصحبته فقد بقيت في مقعدها الخلفي ولم تنزل واستلمت منه دفتر الرحلة وختمته حسب الأصول بختم المطار، ثم وقعت عليه وسلمته إليه. ومد يده نحو جيبه وقال لي يا سيدي قل لي كم يجب علي ادفع من رسوم للمطار وكان ردي الفوري، لا شيء. فاندهش من هذا الرد وقال لي ولكن يا سيدي -وكان يردد كلمة SIR- أنا دفعت في أثينا وفي قبرص قلت ولكنا هنا في البصرة لا نأخذ الرسوم LANDING FEES من الكولونيل ليندبرغ فزادت دهشته واحمر وجهه خجلا وهو المشهور بتواضعه ورقة طباعه. فما كان منه إلا أن يكرر كلمات الشكر ثم رافقته إلى الطائرة وسلمت على زوجته التي كانت تعتمر فوق رأسها خوذة. الجلد المعتادة في تلك الأيام، وفوقها النظارات الكبيرة التي تحمي العين من سرعة الرياح القوية (إن الطيار ليندبرغ هو أول من عبر المحيط الأطلسي عام 1927 وفتح آفاقا جديدة في عالم الطيران كما ذكرت في فصل سابق). وبعد أن تأكد أن كل شيء على ما يرام دار دورة حول طائرته الممشوقة وكأنه يريد أن يطمأن مرة أخرى ثم صعد في المقعد الأمامي وأدار المحرك واشر بيده مودعا وكانت وجهته مدينة كراجي.

وطائرة ليندبرغ كما هو واضح في الصورة هي بريطانية الصنع من طراز كوميت ذات محرك واحد بمقعدين وعلى نفس نمط طائرة السباق التي فازت بسباق 1934 والتي سبقت الإشارة إليه بقيادة كل من سكوت وبلاك.

وفي اليوم الثاني اتصلت بالمسئولين في دائرة الميناء وأخبرتهم بوصول الطيار العالمي، كما أخبرتهم بما قمت به من خدمات مع إعفائه من رسوم الهبوط التي اعتدنا أخذها، فسرهم هذا الخبر كثيرا وشكروني على تلك البادرة.

وكنت في الواقع مصمما لو حدث أي اعتراض على عدم أخذ رسم الهبوط أن ادفع المبلغ من جيبي الخاص، والذي كان في حدود ثلاثة دنانير. وهو مبلغ يساوي مرتب موظف صغير في تلك الأيام. كان ليندبرغ في ذلك الوقت في الخامسة والثلاثين من عمره وقد مضى على محاولته الجريئة في عبور المحيط حوالي عشر سنوات.

وبعد مضي أيام قليلة وصلتنا برقيه منه تفيد بموعد وصوله البصرة في طريق العودة. وكان عندي متسع من الوقت لكي اخبر كبار المسئولين في دائرة الميناء. وقد حضروا جميعهم لاستقباله وعلى رأسهم المدير العام الكولونيل وارد. ونزلت زوجته معه هذه المرة وكانت قصيرة القامة، ويظهر قصرها بوضوح عندما تقف بجانبه وتمت تأدية جميع الخدمات اللازمة له ولم يسأل هذه المرة عن ما يجب أن يدفعه من رسوم!

ومع مرور الأيام في ذلك العام، استمرت الأعمال في بناية المطار الرئيسية حتى بدأ شموخها في بداية العام يظهر للعيان. كما بدأت المعدات وصناديق الأثاث وأدوات المطبخ تصل من بريطانيا تباعاً، وتخزن في أماكن قريبه في البناء. وقد تقرر أن يكون عام 1938 هو عام الافتتاح الرسمي للمطار.

يوم الافتتاح الرسمي للمطار

ومع مرور أيام على 1938 بدت الأعمال في داخل البناية على وشك الانتهاء، وآخر تلك الأعمال كان فرش السجاد (الموكيت) الذي وصل من بريطانيا ومعه أخصائيي التركيب وكانوا من الإنجليز. كذلك بدأ التجارب على أجهزة تكييف الهواء في الغرف، وهذا شيء نادر في تلك الأيام ليس في العراق فحسب بل ربما يكون في معظم بلاد الشرق الأوسط.

وكانت البناية مؤلفة من طابقين، طابق ارضي وطابق أول وكانت متناظرة الشكل أي القلب في الوسط، ويحتوي على القاعة الرئيسية في الطابق الأرضي ولها مدخلين، الأول يطل على المطار والثاني على الشارع العام الذي بعده يأتي النهر العظيم شط العرب. كما كان في الوسط في الطوابق العليا برج المراقبة وتحته دائرة الأرصاد الجوية (انظر الصورة).

كما كان يشتمل الطابق الأرضي على المطعم والمطبخ، وعلى يمين المدخل المطل على المطار توجد صالة لاستقبال الركاب، وعلى يسار المدخل المقصف (البار). أما مكاتب الشركات فكانت في القاعدة الرئيسية كما كانت في الطابق الأرضي مكتب للبريد والصحة والجمارك ومكتب لمدير المطار. ولا أتذكر عدد غرف النوم التابعة لفندق المطار ولكن أظنها كانت في حدود 25 غرفة، كما كانت تتبع الفندق دار للاستراحة وهي مجهزة تجهيزاً جيداً لاستيعاب الركاب في حاله زيادة عددهم على عدد غرف المطار.

وقد اتفقت إدارة الميناء مع خبير سويسري لإدارة الفندق وقد كان هو وزوجته يقومون بتلك المهمة واسمه (هوفمان) وهذا ما جعل الفندق بجميع مستوياته يضاهي فنادق الدرجة الأولى بدون منازع بشهادة الكثيرين من الأجانب وكبار الشخصيات الذين مروا بالمطار وأقاموا في الفندق.

وقد تقرر أن يكون يوم الخامس والعشرين من شهر مارس (آذار) 1938 هو يوم الافتتاح الرسمي للمطار وتوابعه. وقد وافق الملك غازي أن يحضر إلى البصرة ليقوم بافتتاح المطار رسميا في الموعد المقرر.

وقبيل الموعد المقرر بدأت الاستعدادات تجرى في المطار للاحتفال بهذا اليوم الكبير ووجهت الدعوات إلى كبار الشخصيات بحضور حفلات الافتتاح وتوابعها. ووصل اليخت الملكي وألقى بمراسيه أمام بناية المطار في شط العرب من اجل إقامة الملك وحاشيته. أما بقية الضيوف فقد أعدت لهم غرف المطار ودار الضيافة وبيوت بعض كبار الموظفين الفخمة التي أخليت بصورة مؤقتة.

وصدرت إلي التعليمات لان أبقى في برج المراقبة لمدة أربع وعشرين ساعة وذلك من أجل الاطمئنان على حركة الطائرات في ذلك اليوم التي كانت غير اعتيادية كما أخبروني بأن جلالة الملك سيزور برج المراقبة بصحبته مدير الميناء وبعض الشخصيات للاطلاع على احدث الآلات التي تم تركيبها في البرج (أنظر الصورة عند زيارة الملك للبرج وقد ظهر المؤلف وهو يشرح للملك بعض التفاصيل عن الأجهزة).

وحوالي الساعة الحادية عشرة من يوم الخامس والعشرين هبطت طائرة الملك الخاصة ثم تبعتها بعض الطائرات تحمل الحاشية ثم بعض طائرات السلاح الجوي العراقي التي رافقت طائره الملك. كما جاء صباح ذلك اليوم بالقطار بعض الشخصيات من بغداد ليكونوا في استقبال الملك ولحضور الاحتفال. ومن كبار الشخصيات الذين حضروا الاحتفال السيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان ورئيس الوزراء جميل المدفعي. وكان ذلك اليوم يوماً لا ينسى في تاريخ البصرة الحديث وربما في تاريخ العراق بما اتسم به من مظاهر الهيبة والأبهة.

كما أبرزت تلك الاحتفالات إمكانات دائرة الميناء الضخمة وما أظهرته دوائرها المختلفة من استعداد وتناسق في العمل لم يكن له أي شبه أو مثيل في دوائر الحكومة العراقية الأخرى.

وبعد اكتمال مرافق المطار والافتتاح الرسمي الذي تم أصبحت للمطار شهره عالميه. حيث لم يكن في المنطقة أي مطار يضاهيه. كذلك فان اكتشافات النفط الجديدة في البلاد المجاورة زاد من أهمية المطار كما ازدادت رحلات طائرات شركات النفط التي كانت تنقل الموظفين باستمرار. ومن البصرة كانوا ينطلقون إلى الكويت وعبادان والظهران في السعودية.

عام المجلس التشريعي في الكويت

في النصف الثاني من عام 1938 وقع حدث هام في الكويت لا يمكن إغفاله لأن حوادثه أصبحت جزءاً من تاريخ هذا البلد وعلينا أن نتقبلها ونتفهم ذلك بمفاهيم ومقاييس تلك الأيام.

وقبل الدخول في تفاصيل ما حدث لا بد أو بالأحرى من الفائدة إعطاء فكره عن وضع الكويت وأوضاع البلاد المجاورة لها في تلك الأيام.

لقد كانت إمارات الخليج العشر وهي الكويت والبحرين وقطر وأبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيره كلها مرتبطة في ذلك الوقت باتفاقيات حماية مع بريطانيا في أوقات متفاوتة منذ القرن التاسع عشر. وكانت تلك الاتفاقيات أو المعاهدات تعطي بريطانيا الحق في إدارة شئون تلك الإمارات الخارجية أما الأمور الداخلية فهي من اختصاص الشيوخ مع مواطنيهم حسب العادات والتقاليد المتوارثة. وبموجب هذه التنازلات لبريطانيا فإنها أي بريطانيا تعهدت لتلك الإمارات بالحماية من أي اعتداء خارجي ونتيجة لذلك التعهد والاتفاقيات سيطرت بريطانيا على الخليج ومنعت الدول الكبرى المنافسة لها من الحصول على موطئ قدم في المنطقة التي اعتبرتها بريطانيا الشريان الحيوي الموصل إلى إمبراطوريتها في الهند وما وراءها.

وكان الحضور البريطاني في المنطقة كان على ركيزتين الأولى عسكرية ممثلة بالقطع البحرية المتواجدة دوما في مياه الخليج بقيادة ضابط بحري عالي الرتبة يسمى SENIOR NAVAL OFFICER. أما على الصعيد السياسي فكانت السلطة العليا بيد المقيم السياسي POLITICAL RESIDENT وكان مقره في مدينة بوشهر حتى الحرب العالمية الثانية التي أصبح بعدها مقره في البحرين. ويعاونه في كل إمارة الوكيل السياسي POLITICAL AGENT. أما شيخ الإمارة فيطلقون عليه لقب RULER أي حاكم (كذلك كانت هناك اتفاقيات بين بريطانيا وسلطنة عمان وكذلك مع سلاطين الجنوب العربي. أما عدن فكانت مستعمره تتبع التاج البريطاني).

وتقع الكويت كما هو معروف بين جارتين عربيتين شقيقتين هما العراق في الشمال والشمال الغربي والمملكة العربية السعودية في الجنوب والجنوب الغربي. وقد تم رسم الحدود مع الجارتين في مؤتمر العقير عام 1922. وهي الحدود القائمة الآن.

وكانت صلات الكويت وارتباطاتها بإمارات الخليج والمملكة العربية السعودية والعراق صلات فرضتها العوامل الجغرافية والتاريخية. كذلك فان الانتقال من بلد إلى آخر في تلك الأيام السالفة لم يكن له حدود أو قيود. وكانت الكويت بسبب موقعها الممتاز على رأس الخليج وازدهار التجارة فيها باعتبارها إحدى منافذ شبه جزيرة العرب الأمة. كذلك كان لصناعة السفن وازدهار صناعة الغوص على اللؤلؤ. كل هذه العوامل وغيرها كانت سببا في تدفق الهجرة على الكويت من المناطق المجاورة والتي لم تكن إلا حدود أو قيود إلا بقدر ما يتيسر للمهاجر من عمل يغريه في البقاء والاستيطان. وبذلك أصبحت الكويت مع مرور الزمن تضم انتماءات قبليه وأسريه مختلفة. وهذا شأن كل بلد في بلاد العالم وهو ما يجب قبوله واعتبار هذا البلد الطيب البوتقة التي تنصهر فيها تلك العناصر وتخرج بمبدأ ثابت وواضح لا غبار عليه وهو الإخلاص والولاء لهذا الوطن ولا شئ غير ذلك.

هذا الوطن الذي شمل خيره العميم كل من وطأت قدميه أرضه الطيبة. وكل من يساوره غير هذا الشعور فأرض الله واسعة وليعود من حيث أتي. فالقاسم المشترك بين الجميع هو الولاء لهذا الوطن.

تطلعات الكويتيين إلى الأحسن

لقد ذكرت في أماكن أخرى من هذا الكتاب عن تطلعات الكويتيين ونشاطهم في الأسفار من أجل كسب العيش الحلال وكذلك عن تأثرهم بما يشاهدونه في البلاد التي يزورونها من مرافق حضارية كانوا يتمنون أن تكون في بلادهم مثلها. ولاشك أن تلك الاتصالات كونت عندهم الشعور بالمطالبة بتحسين أوضاعهم ولكن تحسين الأوضاع مرتبط بالمادة والدولة لا تملك إلا ما يسد الرمق والذي يطلع على إحصائيات الدخل في تلك الأيام يأخذه العجب فالمرحوم خالد سليمان العدساني يذكر الواردات العامة لسنة كاملة (راجع الصفحة 26 من كتاب "نصف عام للحكم النيابي في الكويت -1947م- مطابع مؤسسة فهد المرزوق - حيث يذكر فيه تفاصيل الواردات البالغة 263000 روبيه أي حوالي عشرين ألف دينار!) بأقل من عشرين ألف دينار يضاف إليها (90) ألف روبية حق امتياز شركة نفط الكويت أي حوالي سبعة آلاف دينار سنويا.

ومع ذلك فقد كانت للكويتيين كأفراد ثروات لا بأس بها بالنسبة لتلك الأيام. وكون المجتمع الكويتي منذ بداية نشأته مجتمع تعاوني فقد خفف ذلك التعاون من وطأة الفقر وشدته.

ومن الأثرياء الذين ملكوا ثروة طائلة في فترة ازدهار تجارة اللؤلؤ هو المرحوم هلال بن فجحان المطيري التي وصلت ثروته حوالي ستة ملايين روبية أو ما يعادل أربعمائة وخمسين (450) ألف جنيه إسترليني الذي كان يعادل جنيه ذهب في ذلك الوقت. وبسبب تواجد مثل هذه الثروات الخاصة كنا نجدهم دائما على استعداد لبذل المساعدة التي تقتضيها مصلحة البلد أو مصلحة الأفراد مثل ما فرض الله عليهم من زكاة وغيرها من صدقات ومساعدات.

اتفاقية النفط

في عام 1934 تم الاتفاق بين حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح وبين شركة نفط الكويت التي هي عبارة شركة تتقاسم أسهمها بالتساوي شركة نفط عبادان B.P وشركة الخليج الأمريكية GULF OIL وبموجب هذا الامتياز يتسلم حاكم الكويت سنويا (90) ألف روبية أي حوالي سبعة آلاف دينار حتى ظهور النفط. وبدأت الشركة أعمالها في التنقيب في مختلف مناطق الكويت بموجب حقوق الامتياز.

وكانت تلك السنة في الكويت ومناطق كثيرة سنة كساد وخلل اقتصادي نتيجة للازمة العالمية التي شملت العالم منذ أوائل الثلاثينات ولهذا فقد تفاءل الناس واستبشروا خيراً بهذه الاتفاقية، علما بأن شركات النفط التي كانت تسندها الحكومات كانت تفرض شروطها المجحفة عند عقد أي اتفاق (لقد كانت شركات النفط في منطقة الشرق الأوسط تدفع ثمن شلنات أي ربع دينار كثمن لكل طن من النفط ثم رفعت هذا السعر في أواخر الأربعينات إلى سبع شلنات والشلن يساوي خمسين فلساً وكل طن يساوي سبعة براميل) ولكن من يستطيع أن يقف بوجه بريطانيا العظمى وشريكتها الولايات المتحدة في تلك الأيام. وفي عام 1936 عينت الحكومة البريطانية معتمداً جديداً لها في الكويت هو (الكابتن ديكوري) GERALD DEGAURY ويقال أنه كان يتسم بالغطرسة ولم يكن على علاقات طيبة مع الشيخ أحمد الجابر وكما يقال أن سبب الخلاف كان الضغط على الشيخ أحمد من أجل الموافقة على تعيين مستشار مالي بريطاني في الكويت كما هو الحال في بعض الإمارات وقد اعتبر الشيخ أحمد تلك المحاولة تدخلاً منه في أمور الكويت الداخلية. ولا شك أن مثل تلك المحاولة لم تكن مستنكرة من جانب السلطات البريطانية وهي التي تعرف مقدار ثروة الكويت في عهدها الجديد -عهد البترول- من هذه المقدمة يتضح بأن البلاد كانت مقبلة على مرحلة جديدة وان رياح التغيير بدأت تهب من عدة اتجاهات.

ويذكر السيد خالد العدساني في كتابه المشار إليه بأنه تألفت جمعية سرية من اثني عشر عضواً سميت "بالكتلة الوطنية" وان هذه الكتلة بدأت بتهيئة الرأي العام لتكوين مجلس تشريعي وبذلك وجهت كتابا إلى سمو الأمير بتاريخ 30 ربيع الأول 1357 وبتوقيع "جماعتك المخلصون" وحمل الكتاب إلى سمو الأمير ثلاثة من وجهاء الكويت وهم محمد ثنيان الغانم وسليمان العدساني وعبدالله حمد الصقر (انظر صورة الرسالة في كتاب خالد العدساني "نصف عام للحكم النيابي في الكويت" صفحة 7 و 8 كذلك راجع اليوميات التي كتبها ولا تزال مخطوطة لم تطبع).

ويقول العدساني "إن سمو الشيخ أحمد أبدى ارتياحه من مصارحة المخلصين له ووعد بأنه سيرسل عليهم في الغد ليعطيهم جوابه النهائي. وفي اليوم الثاني ذهب الجماعة الثلاثة لسمو الأمير فوجدوا عنده الشيخ عبدالله السالم ولي العهد. فأبدى سموه موافقته على تشكيل المجلس ثم طلب الشيخ عبدالله السالم من الوفد الإسراع في إجراء الانتخابات. وهكذا خرج الجميع شاكرين لسمو الأمير ما تجلى منه من لطف وافر وتسامح محمود في تلبية المطالب الوطنية".

ثم يقول العدساني "وبعد الذي جرى تألفت لجنة من الحاج أحمد الحميضي والشيخ يوسف بن عيسى ومحمد الثنيان الغانم من أجل إعداد قائمه مختارة بأسماء الناخبين ودعتهم لإجراء الانتخابات المطلوبة في ديوان آل الصقر" (راجع أسماء الأعضاء الذين فازوا بالانتخاب وعددهم (14) عضوا وكذلك أعضاء المجلس الثاني وعددهم (20) الملحق). وتقول التقارير البريطانية التي قدمها الوكيل السياسي في الكويت (المعتمد) بتاريخ السادس من شهر جولاي (تموز) 1938 والتي احتوت على تفاصيل ما حدث خلال تلك الأيام حيث ذكر فيها أسماء الأعضاء الذين تم انتخابهم. ثم أشار إلى المعارضة الضعيفة التي لم تنجح في إقناع الشيخ بعدم الموافقة على ما تم إنجازه.

ويظهر من رسالة المعتمد وهي موجهة إلى المقيم السياسي في بوشهر أنه كان مغتبطا بما حدث والتي يشير فيها إلى أن الشيخ أخذ بنصيحة المقيم السياسي في الموافقة على تشكيل المجلس وقال أن أعضاء المجلس والشعب عرفوا بذلك وهم يشعرون نحونا بالامتنان -الفقرة 18 من الرسالة-. وفي اعتقادي أن الكابتن ديكوري كان متفائلا أو بالأحرى متسرعا بالتفاؤل قبل أن تنكشف الأمور على حقيقتها.

يذكر المرحوم خالد العدساني في المخطوطة المشار إليها "إن المجلس التشريعي طلب منه ومن الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، أحد أعضاء المجلس، تقديم مشروع قانون تحدد فيه صلاحيات المجلس. وعاد الاثنان في اليوم التالي فقرأ يوسف بن عيسى مشروع القانون الذي أعده أمام أعضاء المجلس فإذا به يشتمل على بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والنصائح الأخرى مما لا يتصل بالموضوع المطلوب"، ثم يقول "وقد شكر الأعضاء الشيخ يوسف على اجتهاده ولكنهم اعتذروا منه عارضين مسودة القانون الذي أعددته فوافق الجميع عليه وارتأوا أن يحمله سعادة رئيس المجلس إلى سمو الحاكم للتفضل بتوقيعه" (انظر القانون بمواده الخمسة. عندما قررت دولة الكويت وضع دستور البلاد بعد إنهاء معاهدة الحماية البريطانية عام 1961 استعانت بأحد اشهر أساتذة القانون في البلاد العربية وهو الدكتور عثمان خليل عثمان الذي وصل الكويت وأقام فيها عدة اشهر أجرى خلالها اتصالات مكثفة مع كبار المسئولين وفئات المواطنين تمكن بعدها من وضع الدستور الحالي).

وهنا يحتاج الأمر إلى وقفة تأمل في القانون الذي أقره المجلس كما قدمه العدساني والذي أعده خلال فترة أربع وعشرين ساعة. ومن قراءة أول مادة منه يتبين انه دستور وليس قانونا وكان المفروض إعطاء الفرصة الكافية للتفكير في الأمر وعمل الاستشارات اللازمة مع خبراء ورجال سياسة في بلاد عربية مع الأخذ بالاعتبار علاقة الكويت ببريطانيا ومعاهدة الحماية المعقودة بين البلدين وتقاليد البلد المتوارثة التي تربط الحاكم بالمحكوم. ولكن مع الأسف الشديد لم يحصل شيء من هذا. فالمادة الأولى من القانون تقول -الأمة مصدر السلطات ممثلة في هيئة نوابها المنتخبين-.

أما المادة الثالثة فتقول -مجلس الأمة التشريعي مرجع لجميع المعاهدات والامتيازات الداخلية والخارجية والاتفاقات وكل أمر يستجد من هذا القبيل لا يعتبر شرعيا إلا بموافقة المجلس وإشرافه-.

أما المادة الخامسة فتقول -رئيس مجلس الأمة التشريعي هو الذي يمثل السلطة التنفيذية في البلاد-.

فإذا رجعنا إلى المادة الأولى نجد أن المجلس هو مصدر السلطات والمادة الخامسة تقول رئيس المجلس التشريعي هو الذي يمثل السلطة التنفيذية ومعنى هذا أن المجلس أصبح هو المشرع والمنفذ!

والسؤال هنا أين موقع الحاكم من كل هذا وأين موقع بريطانيا من معاهدة الحماية إذا كانت الامتيازات الداخلية والخارجية بيد المجلس كما تقول المادة الثالثة؟

وتمر الأيام ويطالب أعضاء المجلس بإبعاد بعض حاشية الأمير على اعتبار انهم يستغلون مراكزهم لمنافعهم الشخصية وانهم لا يقدمون إلا الأخبار المضللة التي تزيد من شقة الخلاف بين الحاكم والمجلس. ولا شك أن إثارة مثل هذه الأمور الجانبية بين المجلس والحاكم قد أثارت الشكوك لا سيما بعد أن أصر المجلس على المطالب المشار إليها.

كذلك فان بريطانيا التي رحبت بتأسيس المجلس في البداية طلبت من (المقيم) في بوشهر أن يتوجه إلى الكويت في بداية شهر أكتوبر. ولم يتصل بأحد في أول قدومه على أساس انه قادم بزيارة خاصة للترويح عن النفس! (نصف عام للحكم النيابي في الكويت صفحة 39 - الإنكليز والمجلس) وفي نهاية أجازته طلب الاجتماع بالشيخ أحمد والشيخ عبدالله السالم وبعض أعضاء المجلس ومن حديث المقيم للحاضرين والأسئلة التي وجهها لهم تبين أن بريطانيا تريد أن تستمر في اتصالاتها المباشرة مع الحاكم كما كانت في السابق وليس عن طريق المجلس. كذلك الحال مع شركة النفط. ولكن الجماعة - أي جماعة المجلس الذين حضروا وهم السيد علي السيد سليمان، سليمان العدساني ومشعان الخضير حيث تم الاجتماع في دار المقيم السياسي الذي كان يقوم بدور المترجم. اقترحوا حلا وسطا وهو تكليف اثنين من الأعضاء ليكونا مع الأمير في الديوان كحلقة وصل بين سموه وبين المجلس (العضوان هما سليمان العدساني ومشاري حسن البدر). وقد تم هذا الاجتماع في الخامس عشر من أكتوبر 1938. والظاهر كما تفسره الأحداث فيما بعد أن بريطانيا غسلت يدها من المجلس وعادت حليمة إلى عادتها القديمة.

ومما لا شك فيه أن المجلس منذ بداية توليه السلطة باشر بأعمال إصلاحية كثيرة على النطاق المحلي وعلى قدر الإمكانات المالية المحدودة التي كانت تحت تصرفه والتي أشار إليها العدساني في كتابه المشار إليه. فلا أحد يجرؤ أن ينكر مكانة أعضاء المجلس في المجتمع الكويتي ومقدار إخلاصهم وتفانيهم في خدمة وطنهم ولكن هذه الصفات النادرة التي يشهد له بها الجميع لم تصمد أمام الظروف الصعبة والوقوف بوجه الدسائس الداخلية والخارجية. وتطرف الشباب الذي كان يفتقر إلى تجربة الحكم.

ليس من غرض هذا الكتاب الدخول بكل التفاصيل المتعلقة بالمجلس لان ذلك قد يتطلب كتابا مستقلا ربما يصل حجمه بقدر حجم هذا الكتاب كما أني لا ادعي الاستعداد والقدرة على ذلك. وعلى الباحث الذي يريد الدخول في التفاصيل أن يطلع على تقارير الوكيل السياسي في الكويت وقد أصبحت في المتناول الآن. وكذلك مخطوطة العدساني وكتابه اللذين أشرت إليهما. كذلك أود أن اذكر بأني خلال فترة المجلس لم أكن موجودا في الكويت بل كنت مقيما في البصرة بحكم الوظيفة. ومع ذلك فقد كنا نطلع على أخبار المجلس يوما بيوم بفضل القادمين من الكويت والذين نلتقي بهم في دواوين الكويتيين في البصرة.

وأود أن أختم هذا البحت باللقاء الذي تم بيني وبين الأخ الفاضل عبداللطيف محمد ثنيان الغانم وهو أحد أعضاء المجلس البارزين ومن الخمسة الذين دخلوا السجن (الخمسة هم سليمان العدساني، سيد علي سيد سليمان. مشعان الخضير الخالد. صالح عثمان الراشد. عبداللطيف محمد ثنيان الغانم. وقد ظلوا في السجن قرابة الخمس سنين) وأخبرته بالكتاب الذي بدأت بكتابته والذي يشتمل على تسجيل بعض الحوادث الأمة التي عايشتها، ومن الطبيعي أن تكون فترة المجلس من ضمن ما انوي الكتابة عنها. وقد اتفقنا في أحد أيام خريف عام 1986 أن أزوره في بيته، وقد تم ذلك وبدأ في الحديث بصورة عامة عن تلك الأيام التي أصبحت جزءا هاما من تاريخ الكويت وقد اتفقنا على أن الناس في الكويت سواء من كان في مركز الحكم أو خارجه يدركون أهمية التاريخ وتقصي حقائقه لا سيما بعد أن مرت على تلك الأحداث فترة تقارب الخمسين عاما.

وفي أثناء الحديث سألني هل قرأت مخطوطة خالد العدساني قلت له كلا. قال اقرأها أولا ثم نلتقي ثانية واسألني عما تريد. ومرت الأيام وحصلت على نسخة من المخطوطة وقرأتها.

ويقول المرحوم العدساني أنه كتبها في فترة المجلس الذي هو سكرتيره وانه قبل هروبه إلى البصرة بعد حل المجلسين وضع ما كتبه في علبة من التنك ودفنه في فناء دار بيته وعندما هدأت الأمور بعد سنين عاد إلى الكويت واستخرج علبة التنك من مرقدها وبدأ في جمع ما كتبه في الكراس أو المخطوطة المشار إليها.

والتقيت بالسيد عبداللطيف بعد ذلك وأخبرته بقراءتي للمخطوطة وأخبرته عن رأي فيها وغالبية ما ذكر هو سرد لوقائع تلك الأيام ثم قلت للأخ عبداللطيف أن الذي لفت نظري أن العدساني أثناء شرحه لتلك الأحداث وجه نقدا لعدة شخصيات ولكني لم اعثر على جملة واحدة فيها نقدا أو أي ذكر لأخطاء السياسة التي اتبعها المجلس خلال فترة حكمه التي دامت ستة اشهر مع الاعتراف بالإصلاحات التي أنجزها المجلس والتي تعتبر كبيرة وكثيرة ولكن ألم تكن هناك سلبيات وأخطاء؟

وكان جوابه لي بدون أي تردد وبصراحته المعهودة "أن أحمد الجابر أعطانا كل شيء ولكننا لم نحسن التصرف" ثم أضاف قائلا "لقد كنا نحن الشباب خالد العدساني وعبدالله الصقر وأنا نفرض آراءنا وأفكارنا على المجلس الذي انجرف في تيارنا المتطرف". ولقد سبق لي أن سمعت ما يشبه هذا الكلام من اثنين من أعضاء المجلس وهما يوسف الصالح الحميضي وخالد عبداللطيف الحمد في مناسبات مختلفة وذلك عندما يدور الحديث عن المجلس.

كذلك أود أن أضيف بأن المجلس كان تحت تأثير قوة ضاغطة أخرى كان لها وزنها في الشارع الكويتي وهي كتلة الشباب التي كانت سرية في أول تشكيلها قبل انتخاب المجلس حيث كما جاء ذكرها سابقا بأعضائها الاثني عشر ولكن قاعدتها توسعت بصورة كبيرة وسريعة حيث ضمت الكثير من طلاب المدارس وبعض الشباب.

ولا شك أن أمثال هؤلاء الشباب الذين تشبعوا بالأفكار المثالية في نظرتهم إلى الأطر الوطنية والقومية لم يكونوا على علم بحقيقة الأوضاع في الكويت لكي يتصرفوا في نطاق الواقعية التي فرضتها ظروف البلد الصغير.

لماذا فشلت التجربة

وحسب تتبعي للأمور وبتقديري المتواضع أقول أن فشل التجربة يعود إلى عدم التفاهم والتناسق بين العناصر الثلاثة الرئيسية وهي أولا: السلطة الممثلة بالحاكم وأصحاب النفوذ من أسرته وحاشيته ومفهومهم لأسلوب الحكم المتوارث الذي سارت عليه البلاد منذ عهد صباح الأول. ثانيا: السلطة البريطانية بخبرتها الطويلة بالمنطقة وهيمنتها على مقاليد الأمور بموجب الاتفاقيات المعقودة بينها وبين إمارات الخليج العرب والتي تحرص على تنفيذ بنودها بدقة والحرص على استمرارها. ثالثا: طموحات الطبقات المثقفة الواعية الممثلة بنخبة من التجار وبعض الشباب تلك الطموحات التي دخل بعضها في قالب المثاليات والنظريات والإصرار على أنها لا تقبل التعديل أو المساومة مما نتج عنه فقدان الثقة بين الأطراف المعنية ثم التصادم مع الواقع وكم في الحياة من دروس وعبر.

عام الحرب العالمية الثانية

امتلأ عام 1939 بالأحداث فهو عام الحرب العالمية الثانية وبالنسبة للعراق والعالم العربي كانت المفاجأة بوفاة الملك غازي حيث قيل أنه توفي أثر حادث اصطدام سيارته التي يقودها بسرعة في عامود كهرباء بينما كان مغادرا قصر الزهور إلى قصر الرحاب وذلك في ليلة الثالث والرابع من شهر أبريل (نيسان) حيث في صباح اليوم الرابع تمت المناداة بالأمير فيصل بن غازي ملكا على العراق باسم فيصل الثاني وكان عمره حوالي أربع سنوات كما تقرر أن يكون خاله الأمير عبدالإله بن على وصيا على عرش العراق وذلك تمشيا مع رغبة الملكة عالية أم فيصل.

وكان عبدالإله وقتها موظفا منسيا في وزارة الخارجية ولم يكن يحمل الجنسية العراقية وقد تقرر أن تمنح له فورا وكان يحتفظ بجنسية والده الحجازية الذي كان يوما ما ملكا على الحجاز(انظر كتاب "الأسرار الخفية في حركة سنة 1941 التحررية" للسيد عبدالرزاق الحسني- الطبعة الرابعة- ص 31 و 32) وكانت للملك غازي محطة إذاعة تبث من جهاز يشبه أجهزة الهواة وقد ركبها عام 1938 في قصر الرحاب وكان صوتها مسموعا في كثير من البلاد العربية المجاورة للعراق وذلك بسبب خلو الأجواء في تلك الأيام من تداخل الإذاعات كما هو الحال في هذه الأيام. وكان الملك غازي يعد البرامج حسب مزاجه مما كان يسبب الإحراج للحكومة العراقية. فمن ضمن تلك الأحاديث المذاعة مهاجمة الاستعمار الفرنسي في سوريا وعندما حدثت أزمة المجلس في الكويت بدأ يضرب على هذا الوتر ويذكر توفيق السويدي السياسي العراقي المعروف في مذكراته انه عندما كان يمثل العراق في مؤتمر المائدة المستديرة المتعلق في القضية الفلسطينية أن وكيل وزارة الخارجية المستر بتلر اشتكى له من تصرفات الملك غازي وانه يلعب بالنار! (راجع "نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية" -مذكرات توفيق السويدي ص 326- كذلك راجع الأسرار الخفية للحسني ص 29).

رياح الحرب تهب على أوربا مرة ثانية

لا بد من العودة قليلا إلى الوراء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى التي انتصر فيها الحلفاء على ألمانيا ثم أذلوها إذلالاً فاضحاً بفرض معاهدة فرساي التي سلخت منها جزءا من أراضيها وصادرت مستعمراتها وحطمت اقتصادها وكظمت ألمانيا المهزومة غيظها وبدأت في تضميد جراحها في الداخل بإصلاح اقتصادها المنهار كما فعلت بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية فالشعوب العريقة قد تدميها المعارك وتنهكها الهزائم ولكنها لا تفقد الأمل في استعادة قواها والانتقام من أعدائها.

ففي العشرينات ظهر في ألمانيا شاب اشترك في الحرب العالمية الأولى برتبة جندي بسيط وكانت تحتدم في صدره غصة الهزيمة والإذلال وكانت لديه ملكة الخطابة والاستيلاء على مشاعر السامعين وكانت كل خطبة أو معظمها يدور حول المعاناة التي كانت تعيشها ألمانيا بسبب هزيمتها وقد انضم إليه الكثير من الشباب وشكل حزبا سماه الحزب الاشتراكي الوطني وصار لذلك الحزب دعاة وأنصار وشارك في الانتخابات النيابية وحصل ممثليه على بعض المقاعد وبدأ صوت الحزب يسمع داخل البرلمان (الريخستاغ) بعد أن كان مقتصرا على المقاهي والحانات.

وجاءت انتخابات عام 1933 وفاز الحزب الوطني الاشتراكي، حزب هتلر بالانتخابات واصبح حزب الأكثرية في البرلمان الألماني. وأصبح هتلر مستشار ألمانيا.

وكان رئيس الجمهورية الألمانية في ذلك الوقت المارشال فون هندنبرغ قائد القوات الألمانية الإمبراطورية في الحرب الأولى وشعر هندنبرغ بالتيار الجديد يزحف نحوه فقدم استقالته وحل محله الزعيم الجديد الذي اصبح له لقب (الفوهرر) أي الزعيم أو القائد وصار بعد ذلك رجل ألمانيا الأوحد.

وبدأ الشعب الألماني يستعيد الثقة بنفسه وانتعشت الصناعة لا سيما صناعة الكيماويات والأدوية والصناعة الثقيلة وبدأت ألمانيا شيئا فشيئا تشق عصى الطاعة على معاهدة فرساي وعلى الدول التي فرضتها وانتابت فرنسا جارة ألمانيا المخاوف وهي تعرف قوة العملاق الألماني وجربته في حروبها السابقة فأسرعت إلى إنشاء خط (ماجينو) على طول الحدود الفرنسية الألمانية وحذت ألمانيا حذوها فأنشأت من جهتها خط (سيغفريد) وبدأ رجال الصناعة الثقيلة يشدون أزر النظام الجديد وعادت الحياة إلى مصانع الأسلحة المدمرة وخطط هتلر ومستشاريه لإنشاء الطرق السريعة الطويلة لأول مرة في أوربا وكان لها هدفان الأول استخدامها للحرب الذي كانوا يخططون لها سراً والهدف الثاني تشغيل العمال العاطلين. كذلك أنشأوا مصانع سيارة الشعب (الفولسفاكن) الرخيصة التكاليف التي لا تزال لها شعبية ليس في ألمانيا فحسب بل في كثير من بلدان العالم. وبدأ صوت ألمانيا يرتفع شيئا فشيئا مطالبا بإزالة قيود معاهدة فرساي وإعادة الأراضي التي اقتطعت منها بموجبها وضمت إلى فرنسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا.

وبدأ صوت ألمانيا يسمع في العالم العربي كل مساء باللغة العربية واشتهر في ذلك الوقت المذيع العراقي يونس بحري الذي كان صوته مجلجل كل مساء ولقلة أجهزة الراديو عند الناس في ذلك الوقت فكان التجمع لسماع تلك الإذاعة يتم في المقاهي في معظم البلاد العربية أو في الدواوين كما هو الحال في الكويت مثلا. ثم تبعت ألمانيا إيطاليا بقيادة موسوليني وشريكة ألمانيا في الحلف الذي سموه (المحور) وكانت محطة إيطاليا العربية تقع في مدينة (باري) وكانت إذاعتها تتبع نفس أسلوب إذاعة برلين. وكان الهجوم على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي يجد أذنا صاغية في البلاد العربية حيث هو قائم وملموس يتجسد للعرب في القضية الفلسطينية بشكل واضح لا لبس فيه. بينما ألمانيا لم يكن لها تاريخ استعماري في البلاد العربية.

كذلك بدأت الدعاية الألمانية تضرب على وتر القومية وقد وجد العرب في هذه الدعوة تجاوبا مع طموحاتهم القومية التي بدأت مؤشراتها تظهر منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين متحدية الحكم في الدولة العثمانية حيث بدأ الصراع الخفي والظاهر بين القوتين التركية والعربية.

وتمر الأيام بسرعة وتستكمل ألمانيا استعداداتها وتفاجئ العالم بهجوم كاسح على بولونيا من الجنوب ويقابله هجوم روسي على بولونيا في الشمال وتعلن بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا وذلك في اليوم الثالث من شهر سبتمبر (أيلول) 1939 وقصة الحرب العالمية الثانية معروفة لا مجال لها في هذا المقام إنما ذكرنا هذه المقدمة كمدخل لانعكاسات هذه الحرب على البلاد العربية.

وكانت في العراق حكومة يرأسها نوري السعيد المعروف بميله وثقته المطلقة بالإنجليز وأراد أن يعلن الحرب على ألمانيا فوجد معارضة قوية من وزرائه ومنهم الفريق طه الهاشمي وزير الدفاع وأقنعوه بان المعاهدة العراقية البريطانية المعقودة بين البلدين لا تلزم العراق بإعلان الحرب ومع ذلك فان نوري السعيد سلم الرعايا الألمان المقيمين في العراق باعتبارهم أسرى حرب وتم نقلهم إلى الهند (راجع مذكرات طه الهاشمي ص 315).

وكان لهذا التصرف من نوري السعيد ردود فعل سيئة وعدم رضى في كثير من البلاد العربية وفي العراق بصورة خاصة، كما ازدادت النقمة على البريطانيين ومؤيديهم عند الشباب المثقف العراقي ومجموعة كبيرة في ضباط الجيش وقادتهم أمثال صلاح الدين الصباغ ومحمود سلمان وفهمي سعيد وغيرهم.

وفي 15 من شهر أكتوبر من ذلك العام وصل إلى بغداد خفية الحاج محمد أمين الحسيني قادماً من بيروت حيث كان يقيم هناك منذ هروبه من فلسطين والظاهر أن السلطات الفرنسية هي التي أشعرته بعدم الرغبة في إقامته هناك بعد أن أصبحت حليفة لبريطانيا (راجع كتاب الأسرار الخفية - عبدالرزاق الحسنى - الصفحة 41- الطبعة الرابعة مطبعة منشورات دار الكتب- بيروت 1976).

واصبح بيت المفتى بعد أن استقر به المقام ضيفا على الحكومة ملتقى لكثير من الشباب العراقي والفلسطيني ويستطيع القارئ ان يتصور ظروف العراق في ذلك الوقت فهناك مجموعة من الشباب داخل الجيش العراقي وخارجه متوثب يتأجج عاطفة ووطنية وحكومة تتولى السلطة متعاطفة مع الإنجليز وتسير في ركابهم في تيار شعبي معاكس. ففي تلك الأيام ظهرت علامات ونبتت بذور ثورة عام 1941 التي سأتحدث عنها ضمن مشاهداتي ومعايشتي لها في الفصول القادمة.

وينتهي عام 1939 ويأتي عام 1940 والأطراف المتحاربة تستعد للحرب الفاصلة في أوقاتها المناسبة. وما كاد شتاء ذلك العام ينتهي ويبدأ فصل الصيف بشمسه ودفئه حتى بدأت تلوح في الأفق بوادر ومؤشرات المعارك الفاصلة القادمة فانطلقت أبواق الدعاية في خط ماجينو الفرنسي ترد على أبواق خط سيغفريد الألماني المقابل له والعساكر من وراء الخطين تحتشد للمعركة المنتظرة.

فاتني أن اذكر انه في ربيع ذلك العام 1940 زار البصرة القائد العام لقوات البريطانية الجنرال ويفل وكان بصحبته قائد القوات الفرنسية الجنرال ويغان وبدأ يتفقد الأماكن الاستراتيجية بالمنطقة وزارا منطقة الفاو على الخليج وفوجئت بزيارتهما للمطار والصعود إلى برج المراقبة وكان معهما بعض المرافقين.

أعود الى موضوع الجيوش المتحشدة على الحدود الألمانية الفرنسية في الجانبين وكان الناس يتوقعون هجوما ألمانياً كاسحا على خط ماجينو وإذا بجحافل الجيوش الألمانية تلتف على ذلك الخط عبر هولندا وبلجيكا واحتلت البلدين بعد مقاومة بسيطة ثم تبدأ هجومها مخترقة الحدود الفرنسية من عدة نقاط. وبدأت المعارك الضارية تدور والألمان بقواتهم الآلية المتفوقة تدعمها الطائرات. أما القوات الفرنسية والتي كانت تساعدها القوات البريطانية وعددها كان يقارب الأربعمائة ألف مقاتل فلم تستطع الصمود أمام ذلك الجيش الزاحف وبدأت تتقهقر إلى الخطوط الخلفية. وأظن أن ذلك الهجوم بدأ في اليوم العاشر من شهر يونيو (حزيران) 1940 وفي تلك الفترة أعلنت إيطاليا الحرب على الحلفاء والى جانب ألمانيا ولكنها لم تشارك بالهجوم على فرنسا ودامت تلك المعارك الشرسة حوالي ستة أسابيع استسلمت بعدها فرنسا أما بريطانيا فسحبت ما تبقى من قواتها من ميناء دنكيرك الفرنسي عبر بحر المانش. واعتبرت بريطانيا ذلك الانسحاب نصرا لأنها استطاعت أن تنقذ ما يقارب الثلاثمائة ألف رجل بواسطة مختلف وسائل النقل البحري من القوارب المطاطية إلى السفن من شتي الأنواع.

أما على الجبهة الأفريقية فقد استطاعت القوات البريطانية المتقدمة من مصر أن تهزم القوات الإيطالية المتمركزة في ليبيا حتى جاء ثعلب الصحراء القائد الفذ واستطاع دحر الجيش البريطاني ودفعه إلى الوراء واستمر بمطاردته حتى أوصله إلى منطقة العلمين المشهورة مع قلة الرجال والذخيرة التي كانت تحت تصرفه ذلك هو المارشال رومل الذي كانت أخبار انتصاراته الخاطفة تملأ صحافة الأصدقاء والأعداء على السواء.

ثم حل شهر سبتمبر (أيلول) في ذلك العام وقرر هتلر القيام بهجوم جوي صاعق على مدينة لندن ومعظم المدن البريطانية ولكن السلاح الجوي البريطاني على صغر حجمه النسبي استطاع أن يصمد ويلحق خسائر كبيرة في سلاح الجو الألماني المهاجم وخسرت ألمانيا جزءا كبيرا من طائراتها. كذلك فان موقف الشعب البريطاني على مختلف طبقاته تحمل تلك الضربات الموجعة ببسالة وصبر. وسميت هذه المعركة "معركة بريطانيا".

ومن ناحية البحر فقد نشطت الغواصات الألمانية في مهاجمة السفن القادمة إلى الجزر البريطانية أو المغادرة منها وذلك من أجل فرض حصار بحري على تلك الجزيرة الصامدة. والظاهر أن الذين كانوا يرسمون خطط الحرب في ألمانيا كانوا يريدون إيقاع الهزيمة بعدوهم بأقرب فرصة ممكنة وذلك لان إطالة الحرب ليست في مصلحة ألمانيا ذات الموارد المحدودة ولهذا فإنها بنت استراتيجيتها على الحرب الخاطفة وهي استراتيجية عرفها أعداءها ولهذا كانوا يقولون أن ألمانيا تستطيع كسب المعارك ولكنها لا تستطيع كسب الحرب. لذلك فان دخول الولايات المتحدة الحرب في نهاية عام 1941 بمواردها الهائلة عزز من موقف بريطانيا وحلفائها واضعف الطرف الآخر.

وأعود إلى الأوضاع في منطقتنا فان اشتعال الحرب التي مضى عليها قرابة العام بدت تتأثر بردود فعل تلك الحرب لا سيما من النواحي السياسية والاقتصادية، فقد حدث ارتفاع في مختلف السلع خاصة الغذائية منها ولكن التجارة نشطت لا سيما وان الكويت بالذات في كونها مركزا تجاريا هاما، وبوجود أسطولها التجاري الشراعي الذي سبق وأشرنا إليه في عدة مناسبات، اصبح له دور هام بعد أن جندت بريطانيا وحلفاؤها سفنهم التجارية لأهداف الحرب، وكذلك الأخطار التي كانت تتعرض لها تلك السفن بالهجوم عليها من قبل الغواصات أو الطائرات. ولذلك فان الكويت طيلة فترة الحرب كانت تعيش في فترة رفاه نسبي.

أما في العراق فقد بدأت بريطانيا تشعر بالقلق من سياسة الحكومة العراقية الجديدة برئاسة رشيد عالي الكيلاني التي خلفت وزارة نوري السعيد في 31 آذار (مارس) 1940 ومن أسباب ذلك القلق هو رفض حكومة رشيد عالي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا بسبب إعلانها الحرب على الحلفاء. وكانت حجة الكيلاني في ذلك هو ان المعاهدة البريطانية العراقية المعقودة عام 1930 لا تلزم العراق بذلك، ولكن الإنجليز لم يقتنعوا بهذا المنطق، وهم في ذلك الوضع العسكري المحفوف بالمخاطر ولذلك شددوا في ضغطهم وإلحاحهم، علما بأن الحكومة كانت تحظى بتأييد غالبية الشعب العراقي بما في ذلك الطبقات المثقفة وكبار ضباط الجيش، ما عدا تلك الجماعة المعروفة بولائها للإنجليز. فظلت تلك الجماعة تعمل بالسر والعلن وبالتعاون مع السفارة البريطانية وعملائها في بغداد، من أجل وضع العراقيل في طريق الوزارة بغية إسقاطها.

وقد تحقق لهم ذلك في أوائل عام 1941 وعلى وجه التحديد في 31/1/1941 وكان الوصي عبدالإله على رأس المتآمرين وذلك بتركه بغداد خلسة وذهابه إلى الديوانية جنوب بغداد. حيث من هناك استدعى بعض رجالات العراق للتشاور معهم، ثم صدر الأمر إلى الجنرال طه الهاشمي الذي قبل التكليف، مما أثار غضب الجماهير عليه بالرغم من شعبيته التي كان يتمتع بها داخل الجيش وخارجه (الأسرار الخفية - عبدالرزاق الحسني صفحة 98. لقد أصدر الوصي أمر تكليف الهاشمي بتشكيل الوزارة بنفس اليوم الذي قدم فيه الكيلاني استقالته).

1941 عام العواصف السياسية

والعسكرية في العراق

وهكذا بدأ هذا العام في العراق والبلاد تمر في حالة عدم الاستقرار السياسي، وانقسام واضح في مفاهيم أصحاب النفوذ في ا لعراق، والدور الذي لعبته بريطانيا في حسم الأمور لصالحها، وهي تخوض تلك الحرب المصيرية. ولهذا كنا نراها تطالب العراق بامتيازات لم ترد في المعاهدة المعقودة بين البلدين.

ولا شك أن الهزائم التي لحقت ببريطانيا وحليفتها فرنسا في العام المنصرم، قد وضعت الحلفاء في وضع خطير. فبعد استسلام فرنسا ظهر المارشال بيتان بطل معركة (فردان) المشهورة في الحرب العالمية الأولى، وكان محالاً على التقاعد وشكل حكومة فرنسية تعاونت مع الألمان، الذين دخلوا باريس فجعل مدينة (فيشي) المشهورة بمياهها المعدنية عاصمة له. وتشكلت الحكومة برئاسة المسيو لافال. وعند انتهاء الحرب بهزيمة ألمانيا حوكم الاثنان واتهما بالخيانة العظمى، وتم إعدام (لافال). أما المارشال بيتان فقد حكمت المحكمة عليه بالحبس المؤبد، نظرا لتقدمه في السن وماضيه المجيد في الحرب الأولى. وكانت وجهة نظر بيتان ولافال أن ذلك التعاون تم على أساس تخفيف وطأة الهزيمة على الشعب الفرنسي ولكن ما كل مجتهد مصيب.

ومن هنا يظهر التناقص والتباعد بين الموقفين العراقي والبريطاني، فالوطنيون العراقيون لا يريدون توريط العراق في التزامات نحو بريطانيا، لا تنص عليها بنود المعاهدة. والبريطانيون الذين يخوضون حرب حياة أو موت، يريدون تأمين خطوط مواصلاتهم والدفاع عن آبار البترول، التي لا شك أنها هدف من أهداف ألمانيا من اجل الاستيلاء عليها لاستمرار عجلة الحرب إذا طال أمدها.

ولذلك لم يكن أمام مخططي سياسة الحرب في بريطانيا إلا أمرين لا ثالث لهما. فإما إن تكون في العراق حكومة موالية لبريطانيا قلباً وقالباً، أو الاحتلال العسكري وحماية المراكز الاستراتيجية الحساسة. ولهذا نراهم ظلوا يطرقون أبواب وزارة الهاشمي بعنف وبإلحاح، مطالبين بأمرين هامين. قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وإغلاق سفارتها، الذين يعتقدون أنها أصبحت مركزا للجواسيس وعملاء محور روما-برلين، ثم إبعاد الضباط لا سيما الكبار منهم الذين يخالفون هذه السياسة.

وهكذا نجد طه الهاشمي يقع بين نارين، نار الإنجليز ومطالبهم المعروفة ونار كبار الضباط وبعض الزعماء الوطنيين من عراقيين وعرب، ومنهم الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني الذي قال عنه طه الهاشمي في مذكراته انه يعتبر التفاهم مع الإنجليز خيانة عظمى للقضية العربية. كذلك يذكر الهاشمي أن مندوب المستر روزفلت رئيس الولايات المتحدة الكولونيل وليام دونوفان، الذي زار بغداد والمنطقة، اخبره بعبارة صريحة أن الولايات المتحدة مصممة على مساعدة بريطانيا، لتمكينها من كسب الحرب وأن المندوب المذكور زار المفتى الحاج أمين وابلغه نفس الكلام. (مذكرات طه الهاشمي 1919-1943 ، دار الطليعة بيروت 1967 صفحة 403 و404) وظلت بريطانيا تسير على الخطة التي رسمتها بالتدريج، فقد تقدمت بطلب لتعيين سفير جديد لها هو السير كنهان كورنوالس وهو السياسي البريطاني المخضرم المعروف بدهائه وخبرته الواسعة في الشئون العراقية، حيث هو من الذين رافقوا الملك فيصل الأول منذ وصوله إلى العراق عام 1921 وظل يعمل كمستشار لوزارة الداخلية حتى طرده رشيد عالي الكيلاني عندما اصبح وزيرا للداخلية في وزارة ياسين الهاشمي عام 1935. ولاشك أن هذا التعيين كان مدروسا ومقصودا كذلك مارست بريطانيا ضغطها على حكومة الهاشمي، بعدم إعطاء العراق العملة الصعبة لشراء حاجاته الضرورية ومنها الأسلحة. وهذه نماذج في سياسة الضغط على العراق لقبوله السير في ركابها.

هبوب العاصفة

لم يعترض الوصي ولا رئيس الوزارة طه الهاشمي على قبول كورنوالس سفيراً لبريطانيا في العراق في تلك الأيام الحرجة وربما كان القصد من هذا القبول تخفيف حدة المجابهة بين بريطانيا والحكومة القائمة في العراق. ولكن هذا القبول احدث ردة فعل عند رشيد عالي الكيلاني وكبار ضباط الجيش الموالين له وبعض الشباب القومي المتحمس أمثال يونس السبعاوي الذي كان أشبه بحلقة الوصل بين الكيلاني وضباط الجيش.

والذي زاد الطين بلة أنه كانت هناك رغبة من قبل الوصي وحتى من طه الهاشمي بإبعاد أولئك الضباط عن الخوض في سياسة البلد وذلك بنقلهم إلى مراكز خارج العاصمة، كما أنها حتما كانت رغبة الإنجليز. وبدأت الفكرة بنقل العقيد كامل شبيب إلى الديوانية، ولكن قواد الفرق الثلاثة الباقين وهم صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وكلهم يحملون رتبة عقيد وقد أطلق عليهم الإنجليز لقب (المربع الذهبي) قابلوا رئيس الوزراء واخبروه بتخوفهم من هذا النقل وان في ذلك بداية لتشتيتهم.

ويذكر الهاشمي في مذكراته انه في 1 أبريل (نيسان) 1941 علم ليلاً أن القادة الأربعة أعلنوا الإنذار في جميع القطعات. لأنهم لا يطمئنون إلى الوصي وأنه حاقد عليهم وهو عازم على الفتك بهم بتحريض من خصومهم ويقول أن رئيس أركان الجيش طلب إليه هاتفيا المجيء إليه في ذلك الوقت المتأخر من الليل ثم وصل إلى داره بصحبة العقيد فهمي سعيد الذي اخذ يشرح تخوف الضباط من الوضع الأمر الذي اضطرهم إلى إنذار القطعات، وقال رئيس أركان الجيش إن وحدات الجيش أحاطت بقصر الأمير. ثم يضيف الهاشمي بأن القادة يعلمون بأني لا انوي شراً ضدهم، ولكن الجيش لا يرتاح ما لم يتسلم رشيد عالي رئاسة الحكومة.

ثم يضيف الهاشمي بأنه رأى من العبث إقناعهما حيث فهمي سعيد يصر على رأيه وقد تورط القادة بإنذار القطعات وأحاطوا بقصر الرحاب. ويقول انه حاول الاتصال بالأمير تلفونياً ولكنه لم يتلق جواباً في القصر وبقي رئيس الأركان أمين زكي وفهمي سعيد ينتظران مني الجواب، ثم يقول وقد لاح لي أنهما لن يتركا الدار ما لم يستلما كتاب الاستقالة، لذلك لم أر بداً من كتابة الاستقالة وإعطائها لهما اجتناباً من حدوث أي حركة تؤدي إلى المقاومة وإراقة الدم (نفس المصدر صفحة 420/421).

الأمير عبدالإله يتجه إلى البصرة

بعد أن تسلم الضباط استقالة الجنرال طه الهاشمي حاولوا إيصالها إلى الوصي بقبولها ثم تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف الوزارة ولكن اسقط بيدهم عندما علموا أن الوصي غادر قصر الرحاب إلى جهة مجهولة!

وفشلت خطتهم في إرغام الوصي على قبول الاستقالة وتأليف حكومة جديدة برئاسة الكيلاني.

وتقول المصادر الموثوقة أن الوصي عبدالإله استطاع في تلك الليلة أن يغادر القصر بسيارة كانت تحمل داخلها بعض النسوة المحجبات وتوجه إلى بيت عمته الأميرة صالحة في جانب الرصافة، ثم انتقل إلى السفارة الأمريكية في بغداد ومنها إلى مطار الحبانية غربي بغداد، ومن هناك استقل طائرة عسكرية بريطانية أقلته إلى البصرة ومعه رئيس الوزراء السابق علي جودت الأيوبي ومرافقه عبيد عبدالله المضايفي وهو من العائلات الحجازية المعروفة، وكان والده عبدالله المضايفي مرافقا للملك فيصل الأول والظاهر أن الوصي وصل البصرة يوم الخميس 3 أبريل (نيسان). ففي صباح الجمعة وحوالي الساعة التاسعة صباحاً وكنت وقتها في البيت وكانت خفارتي في ذلك اليوم تبدأ في الساعة الثامنة مساء. ورن جرس التلفون وكان المتكلم أحد موظفي برج المراقبة في المطار واسمه جون ملكوم وهو مسيحي عراقي، وقال لي بالحرف أن المتصرف صالح جبر سأل عنك وقلنا له انك غير موجود، ثم سألنا إذا كان بالإمكان استعمال أجهزة المطار لإذاعة بعض البيانات فأخبرناه بأن الأجهزة غير مهيأة لمثل هذه الأمور، وأنها تستعمل إشارات مورس MORSE CODE في اتصالاتها بالطائرات والمحطات الأخرى واكتفى بهذا الرد، فقلت له هل طلب حضوري إلى المطار فأجاب بالنفي. وصرت أضرب كما يقول المثل أخماساً بأسداس، وكنا في مثل تلك الأيام الربيعية نخرج أيام العطل إلى منطقة الاثل غربي مدينة الزبير وكنا مجموعة من الكويتيين المتواجدين في البصرة نخرج أيام الجمع حيث يتولى أحدنا تجهيز الغداء المتعارف عليه، وكنا مدعوين في ذلك اليوم عند الشيخ أحمد العلي الصباح. وتركت البيت قبل الظهر ولغز تلك المخابرة التلفونية مسيطراً على مشاعري وأفكاري. وعدت قبل الغروب وسارعت إلى التلفون لأستشف الأخبار حيث كانت مسئوليتي في تلك الأيام مزدوجة بسبب غياب المدير الإداري للمطار علي فؤاد حمزة الذي كان في أجازه خارج البلاد وكنت أقوم نيابة عنه بالمهام الإدارية، علاوة على مهماتي الفنية، وقد أدركت أن التلفونات مقطوعة فزاد ذلك من قلقي وحيرتي، أسرعت إلى سيارتي متجها إلى المطار. وعند وصولي إلى هناك وجدت الوضع غير طبيعي خارج المطار، حيث كان بعض الجنود المسلحين منتشرين هنا وهناك ثم دخلت المطار متجها نحو غرفة المدير في الطابق الأرضي، وإذا بي أجد أحد كبار ضباط حامية البصرة وهو الرئيس الأول عامر حسك جالسا في مكتبي فسلمت عليه وسألته عن هذه الألغاز التي تتالت علي منذ الصباح، فأخبرني بأن الوصي عبدالإله هرب من بغداد ووصل البصرة يوم أمس، وأقام في فندق المطار ورأيت انه متحفظا في الرد على أسئلتي، فخرجت من المكتب إلى القاعة الرئيسية التي فيها مكاتب الشركات ثم صعدت إلى برج المراقبة ووجدت كل شيء طبيعيا، فالموظفون في أماكنهم الاعتيادية، والظاهر أنهم لم يعرفوا شيئا عن مجريات الأحداث، ونزلت ثانية إلى الطابق الأرضي فوجدت أن الضباط قد غادروا المكان وعلمت فيما بعد أن الوصي قد هرب من الفندق متخفيا كأحد الخدم ومعه بعض رجالات الاستخبارات الإنجليز وقضى بعض الوقت في بيت مدير الميناء، ثم انتقل هو ومن معه إلى أحد القطعات الحربية البريطانية التي كانت راسية في شط العرب. أما القصة الكاملة التي عرفتها فيما بعد والتي جاء ذكرها في كتاب "الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية" وكذلك في كتاب الرئيس الأول الركن محمود الدرة "الحرب العراقية البريطانية-الطبعة الموسعة 1982"، ومصادر أخرى كثيرة عالجت وسجلت أحداث تلك الأيام فهي تتلخص في التقرير الذي أرسله آمر حامية البصرة العقيد رشيد جودة إلى رئاسة أركان الجيش في بغداد، والذي شرح فيه كيف أن متصرف البصرة صالح جبر اتصل به مساء 3 أبريل (نيسان) حوالي الساعة العاشرة مساء وطلب إليه الحضور إلى فندق شط العرب -فندق المطار- وعندما ذهب إلى هناك وجد الوصي وعلي جودة الأيوبي وصالح جبر والمرافق عبيد المضايفي وضابط الاستخبارات البريطاني في البصرة الذي انسحب من المكان فيما بعد (كان هذا الضابط برتبة "نقيب" في سلاح الطيران البريطاني واسمه EMBLING وكان له نشاط كبير في البصرة في تلك الأيام)، ثم بدأ الوصي بالكلام وشرح كيف أن بعض ضباط الجيش أجبروا طه الهاشمي على تقديم استقالته ثم تطويق القصر الذي كان يسكن فيه وهروبه من بغداد. وكيف انه في صباح اليوم التالي اجتمع بكبار ضباط الحامية وكيف انهم قرروا عدم التجاوب مع رغبة الوصي أو أي محاولة تهدف إلى تقسيم الجيش والشعب. ثم يذكر قائد الحامية عند ذهابه إلى الوصي في الفندق وجد عنده شاكر النعمة رئيس تحرير وصاحب جريدة الثغر البصرية، وانه كان هناك بيان قرأه صالح جبر فيه شرح لما حدث ويذكر فيه عن تمرد بعض الضباط واغتصاب رشيد عالي الكيلاني للسلطة والمنشور بتوقيع عبدالإله ومؤرخ في 6 ربيع الأول 1360 الموافق 4 نيسان 1941 (عندما اطلعت على هذا الخبر في حينه عرفت الغاية التي من اجلها سأل عني المتصرف صالح جبر ثم سؤاله إذا كانت هناك أجهزه في المطار يمكن منها إذاعة البيانات). ويقول العقيد رشيد جودة في مذكرته لرئاسة الأركان انه بعد أن انتهى صالح جبر من قراءة ذلك البيان قال علي جودة الأيوبي أن هذه الحركة مخالفة للدستور وان البلاد التي لا تحترم دستورها هي بلاد فوضى (علي جودة الأيوبي شغل عدة مناصب عالية في الدولة منها رئاسة الوزارة عدة مرات).

ويضيف رشيد جودة بأنه بعد عودته إلى المعسكر أمر بالسيطرة على جميع المطابع وعلى جريدة الثغر وأمر بعدم نشر البيان.

ثم وردت التعليمات من بغداد تطلب إلقاء القبض على المتصرف صالح جبر وإرساله مخفوراً إلى بغداد وقد تم ذلك بنفس اليوم.

هذا ما حدث في البصرة أما في بغداد فلما تأكد قادة الجيش المعارضون لسياسة الوصي من هروبه يوم الخميس الثالث من نيسان ذهبوا إلى رشيد عالي الكيلاني وطلبوا منه تشكيل حكومة سميت حكومة الدفاع الوطني، وقد أذاعت رئاسة أركان الجيش بيانا اتهمت فيه الوصي بالتهرب من تحمل مسؤوليات الحكم بهروبه إلى البصرة وكان الوصي يأمل تأييد حامية البصرة له وكذلك الفرقة الرابعة المتواجدة بالديوانية بقيادة اللواء إبراهيم الراوي الأمر الذي لم يتحقق مما اسند موقف الحكومة في بغداد حيث ضمنت تماسك وحدات الجيش بكاملها، وهذا مما خيب آمال الوصي والإنجليز على السواء.

انتخاب الشريف شرف وصيا بدلا من عبدالإله

وقد رأت الدوائر القانونية في العراق أن هروب الوصي إلى البصرة والتجائه إلى سفينة حربية بريطانية معناه مغادرته أرض العراق وتخليه عن مسؤولياته التي منحها له الدستور، ولهذا قررت الحكومة استدعاء مجلس النواب يوم 10 نيسان (أبريل) 1941. واجتمع البرلمان العراقي بمجلسيه الأعيان والنواب، وانتخب الشريف شرف وصيا على العرش (الشريف شرف هو من العائلة الهاشمية وكان مقيما في بغداد ولم تكن له أهداف سياسية) بدلا من الأمير عبدالإله ثم كلف الشريف شرف رشيد عالي الكيلاني بتشكيل الوزارة وهي الوزارة الكيلانية الرابعة، وتم تشكيلها في 12 نيسان (أبريل). وقد اشترك فيها ثلاثة من رؤساء الوزارات السابقين وهم رشيد عالي الكيلاني وناجي السويدي وناجي شوكت.

وعندما علم الوصي عبدالإله بما حدث في بغداد من انتخاب وصي جديد وتعيين وزارة جديدة لم يجد بدا من مغادرة العراق لمواصلة نشاطه من منطلق جديد، وقد يكون ذلك قد تم بنصيحة من الإنجليز، فوصل إلى القدس بالطائرة ومعه علي جودة الأيوبي وجميل المدفعي وكلا من رؤساء الوزارات السابقين، وكان ذلك في 16 نيسان (أبريل)، وتقول بعض المصادر الموثوقة أن الإنجليز هناك وضعوا تحت تصرفه مبلغ مائة ألف جنية وبدأت الخطط ترسم والمؤامرات تحاك للتخلص من النظام الجديد في العراق بأسرع وقت ممكن.

وصول أول حملة عسكرية الى البصرة

في ليلة 17/18 نيسان (أبريل) فوجئ أهل البصرة بمرور قافلة من البواخر تتقدمها قطعة حربية بريطانية وكانت وجهتها ميناء المعقل حيث كانت تحمل هذه البواخر الفرقة الخامسة في الجيش الإمبراطوري والتي غالبية أفرادها من جماعة الكوركة المشهورين بالشجاعة والطاعة العمياء للرؤساء واستقرت هذه الفرقة بكامل معداتها في منطقة المعقل شمال مدينة البصرة وكانت هذه القافلة قد وصلت عند مصب شط العرب قبل يومين من تاريخ دخولها البصرة، وكانت ترابط في المطار آنذاك طائرتان من طائرات القوة الجوية العراقية، وكنا نشاهدها تقلع كل صباح باتجاه الجنوب والخليج بمهمة استكشافية، ومن الغريب عدم مشاهدتها لتلك القافلة التي كانت تقدر عدد بواخرها بحوالي ثلاثة عشر باخرة!

ولهذا فان حكومة بغداد فوجئت بوصولها واضطرت للسماح لها بالنزول كما ذكرنا بموجب نصوص المعاهدة العراقية البريطانية التي كان رئيس الوزراء رشيد عالي يذكرها في كل مناسبة في خطبه الرسمية.

لقد حدثت أمور هامة خلال تلك الفترة كان لها تأثيرها على مجريات الأمور في العراق لا سيما بالنسبة للعلاقات العراقية البريطانية. ففي تلك الأيام احتلت القوات الألمانية اليونان وبدأت تطل على مياه البحر الأبيض كذلك فان القوات الفرنسية في سوريا ولبنان أعلنت ولاءها لحكومة فيشي التي أشرنا إلى تعاونها مع الألمان الذين احتلوا فرنسا، كما أن الطائرات الألمانية والإيطالية بدأت تنزل في مطارات سوريا وهذا ما جعل التفاهم والتعاون بين السلطات البريطانية والعراقية يزداد بعداً يوما بعد يوم في المجالين السياسي والعسكري فالذين بيدهم الأمر يطمحون في استقلال سوريا ولبنان من الحكم الفرنسي وتحرير فلسطين من قبضة الاستعمار والصهيونية، وهي مبادئ مثالية كانت تتبناها الحكومة القائمة وغالبية الشباب العراقي من مثقفين وضباط في الجيش وغيرهم من بقية أفراد الشعب. زد على ذلك وجود مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني وتأثر الكثير من الشباب بأفكاره وآرائه ومنهم جماعة من قادة الجيش أمثال العقيد صلاح الدين الصباغ. ومن هنا جاءت صعوبة التمييز بين الطموحات المثالية والواقع الممكن الخاضع لحسابات عملية واقعية مدروسة. وهذا مع الأسف الشديد ما حدث كما سنرى في الفصول القادمة.

وتلى الإنزال البريطاني الأول إنزال ثان يوم 29 من الشهر دون الحصول على موافقة السلطات العراقية كما حدث في الإنزال الأول وقد اعترضت السلطات العراقية على هذا الإجراء التي اعتبرته منافيا لاتفاقية المعاهدة التي تبيح مرور القوات البريطانية وليس إقامتها في الأراضي العراقية، ولكن الحكومة البريطانية لم تكن تنظر إلى المعاهدة بهذه المقاييس كما يذكر ناجي شوكت وزير الدفاع في الوزارة الكيلانيه الرابعة البريطانية فيقول، انه سأل ذات يوم الجنرال واتر هاوس رئيس البعثة العسكرية في العراق عما تريده حكومته البريطانية من العراق فرد عليه "إن الإنكليز يريدون من العراقيين معونات ومساعدات لا حدود لها وذلك بسبب قيام الحرب".

ولما قال له السيد ناجي شوكت أن ذلك لم يذكر في المعاهدة رد عليه الجنرال بان المعاهدة كتبت قبل الحرب ونحن الآن في حرب طاحنة تتطلب كل مساعدة ضرورية (الأسرار الخفية - صفحة 155) وهكذا بدأت الساعات الحرجة تقترب يوما بعد يوم. فالسفير البريطاني الجديد كورنوالس وصل في أول الشهر واخذ يماطل في تقديم أوراق اعتماده التي تعني الاعتراف بحكومة العراق القائمة وبدأ اتصالاته السرية بالجماعة الذين يؤيدون سياسة التعاون مع بريطانيا من نوري السعيد وأمثاله المعروفين بولائهم لبريطانيا والمضي معها، وترك الأمور المعلقة إلى ما بعد نهاية الحرب. هذا الرأي المخالف للجماعة الذين بيدهم الحكم.

وكانت حكومة بغداد تنظر إلى مدينة البصرة، التي أصبحت بجميع مرافقها تحت سيطرة القوات البريطانية وهي كما هو معروف ميناء العراق الوحيد ولذلك صدرت الأوامر إلى القطعات العسكرية العراقية في البصرة بالانسحاب إلى ما وراء القوات البريطانية حتى تنجو من التطويق عند حدوث أي أزمة. كما قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 28/4/1941 إرسال بعض القطعات العسكرية إلى مدينتي الفلوجة والرمادي اللتين تقعان بين معسكر الحبانية -سن الذبان- ومدينة بغداد خوفا من قيام الإنجليز بزحف على بغداد بقصد القضاء على حكومة الدفاع الوطني كما كانت تسمى.

تطويق قاعدة سن الذبان

إلا ان تلك القوات العراقية تجاوزت تلك التعليمات التي صدرت إليها حيث قام العقيد صلاح الدين الصباغ في صباح يوم 30/4/1941 بتحريك قواته وأمرها بتطويق مطار الحبانية وسن الذبان (الحرب العراقية البريطانية -محمود الدره- الصفحات 222/223 وما بعدهما). ونشطت الاتصالات بين السفارة البريطانية وبين رئاسة مجلس الوزراء والخارجية وقدمت السفارة إنذاراً مطالبة بسحب القوات العراقية من المواقع التي احتلتها وإلا فان الحكومة العراقية تتحمل العواقب. كما وجه قائد القاعدة البريطانية نائب مارشال الجو (سمارت) إنذاراً مماثلاً إلى العقيد فهمي سعيد قائد القوة العراقية. وذهب ناجي السويدي وزير المالية إلى السفارة موضحا رغبة الحكومة العراقية في عدم حدوث أي صدام بين الطرفين، ولكن السفارة أصرت على سحب القوات العراقية. وكانت رئاسة الجيش ضد أي نزاع مسلح مع القوات البريطانية وان الحل يجب أن يكون سياسيا. وعندما عاتب رئيس أركان الجيش بالوكالة العقيد صلاح الدين الصباغ وقال له كيف عملتها يا صلاح أجاب صلاح الدين.. صارت (نفس المصدر).

2 مايو (أيار) 1941 بدء المعركة

كانت خفارتي ذلك اليوم تبدأ في الساعة الثانية بعد الظهر عندما اقتربت سيارتي من بناية المطار وفي المكان الذي تعودت أن أركنها فيه وإذا بي أفاجأ بالجنود السيك والكوركا منبطحين على بطونهم متخذين بذلك أوضاعا قتالية، وكان في مقدمتهـم ضابط بريطاني فأشر لي بالوقوف فنزلت من السيارة وكنت ارتدي ملابسي الرسمية الخاصة بضباط المراقبة الجوية فتعرف علي ثم سمح لسيارتي بالمرور ووقوفها بالمكان المعتاد ولم اكن اعرف حتى ذلك الوقت سبب تلك الإجراءات العسكرية الصارمة وعند دخولي قاعة بناية المطار الرئيسية صادفت أحد موظفي المطار الإداريين، فأخبرني أن القتال نشب صباح ذلك اليوم بين القوات البريطانية والقوات العراقية حول قاعدة الحبانية وان آخر الأخبار تقول أن القتال لا يزال دائراً.

لقد أصبت بالذهول والحيرة وصعدت إلى برج المراقبة فشاهدت الوجوم على وجوه الموظفين ثم ذهب منهم ممن انتهت خفارته. وخرجت إلى الشرفة فرأيت سفينة حربية بريطانية صغيرة SLOOP ملقية مراسيها في شط العرب إلى الشمال في بناية المطار ثم عدت إلى مكاني داخل البرج وبعد لحظات أطلقت السفينة طلقة مدفع باتجاه منطقة الماجدية شمال المطار وهو الموقع الذي انسحبت إليه القطعات العراقية تحاشيا للتطويق من قبل القوات البريطانية وقد مزقت تلك الطلقة أستار السكون الذي كان يخيم على المنطقة بأسرها. فمنذ أن احتلت القوات البريطانية المطار توقفت الحركة وخرجت إلى الشرفة ثانية وكان معي هذه المرة المنظار ونظرت إلى ما حولي فلم أر إلا بعض المراكب الشراعية في حركاتها الاعتيادية تمخر عباب النهر العظيم وكأن شيئا لم يكن.

إن الطلقة التي أطلقتها السفينة الحربية أثارت اهتمام المواطنين على الجانب الآخر من شط العرب وكنت أرى من خلال المنظار حشودهم رجالاً ونساء وأطفالاً وكأنهم كانوا ينتظرون ماذا سيحدث بعد، أو كأن الأقدار كانت تهيئهم أو تعدهم بمفاجأة مثيرة قادمة. وكنت ألاحظ أن عددهم كان يتزايد على طول السداد المقابلة لأرض المطار غير مبالين بشمس أيار المحرقة. وخلال تلك اللحظات لاحت في الجو طائرة قادمة من جهة الغرب ثم لحقت بها طائرة ثانية واقتربتا من المطار وعرفت أنها من طراز فنسنت القديم VINCENT ومن المؤكد انهما قادمتان من القاعدة الجوية البريطانية في الشعيبة والمعروف أن تلك الطائرات تحمل اثنين من الملاحين وعند اقترابهما من المطار من جهة الغرب انفصلت إحداهما واتجهت شمالا نحو (الماجدية) حيث كانت تعسكر بعض القوات العراقية كما سبق وأشرت. وعندما أصبحت فوق الهدف قامت بالانقضاض عليه ملقية قنابلها التي أحدثت دويا هائلا، ثم ارتفعت واستدارت نحو الغرب من حيث أتت. وبعد لحظة عادت الطائرة الثانية التي كانت تحوم بالقرب من المكان واتبعت نفس الخط الذي اتبعته الأولى وبدأت بالانقضاض وكنت اسمع طلقات الرشاش التي وجهت نحوها حيث لم يكن لدى تلك القوات مدافع مضادة للطائرات. ولكن الطائرة في انقضاضها أصبحت على مرمى من رصاص الرشاشات وإذا بلهب ازرق ينبعث من تحتها وما هي لحظات حتى اختفت الطائرة وراء أشجار النخيل الكثيفة محدثة دوياً أقوى من دوي الطائرة الأولى نتيجة لاصطدامها بالأرض وانفجار القنابل التي كانت تحملها وعند ذلك ارتفع الهتاف من الحناجر وعلا التصفيق وزغردة النساء من الجماهير التي أثارها الانفجار الأول فجاءت واحتشدت عند الشاطئ لنهر شط العرب المقابل لبناية المطار وعلى امتداد الضفة اليسرى من مجرى الشط. وكنت وقتها اقف في شرفة برج المراقبة أراقب تلك الأحداث وكأني في حلم.

آخر يوم في الوظيفة

عندما خرجت ظهر ذلك اليوم متوجها إلى مكان عملي لم يخطر على بالي أن ذلك اليوم هو آخر أيامي في الوظيفة. ولكني عندما وصلت إلى المطار وشاهدت الاحتلال من قبل القوات البريطانية وسمعت أخبار المعارك التي وقعت صباح ذلك اليوم في منطقة الحبانية وسن الذبان وهجوم الطائرتين على القوات العراقية. شعرت بحراجة الموقف ورأيت ان الاستمرار بالوظيفة معناه التعاون والخضوع لأوامر المحتل، وهذا يتنافى ولا ينسجم مع مفاهيمي الوطنية والقومية. وقررت الرحيل بلا رجعة فاتصلت تلفونيا بمدير المطار الإداري علي فؤاد حمزه وشرحت له تفاصيل ما حدث منذ وصولي إلى ارض المطار، وأخبرته بعزمي ترك العمل وغادرت المطار في حوالي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. وكانت الأمور عادية والظاهر أن كثيرا من الناس لم يسمعوا بأخبار المعارك. ولكن قبل الغروب امتلأت الشوارع بالناس لا سيما عند المقاهي حيث توجد فيها الراديوهات فاقتربت من إحداها، ودخلت بين الزحام حيث الناس تتدافع نحو المذياع، وإذا بصوت أحد كبار الموظفين في مديرية الدعاية يذيع أخبار (الانتصارات) ورفع العلم العراقي فوق قاعدة الحبانية، فعلت الهتافات واشتد التصاق الناس بالمذياع ولا زلت أتذكر بعض كلمات من خطابه وهو يكرر بين حين وآخر قولوا إن شاء الله، قولوا إن شاء الله (تذكرت هذا الأسلوب الفاشل والقصير النظر عندما كانت تذيع إذاعة صوت العرب أخبار "الانتصارات" الوهمية في حرب الستة أيام عام 1967 بين مصر وإسرائيل وهكذا تتكرر الأخطاء وليس هنا من يعتبر).

ومر اليوم الثاني ثم الثالث وكانت الناس تستمع للإذاعات الأجنبية وما تذيعه من أخبار عن المعارك وكانت تلك الأخبار في غالبيتها تختلف عما كانت تذيعه محطة بغداد. وهنا ازداد شك الناس وتخوفهم وبدأت الإشاعات التي ضد الحركة والتي معها تنتشر بين الناس واصبح جهاز الدولة في البصرة شبه مشلول. فالقوات العسكرية انسحبت إلى شمال البصرة، تاركه المدينة تحت رحمة قوات الاحتلال. ولم يبق للحفاظ على الأمن إلا قوات الشرطة التي أصبحت هي أيضاً تحت رحمة القوات البريطانية التي سيطرت على المراكز الاستراتيجية في منطقة البصرة وتولي قائم مقام أبي الخصيب صالح حمام متصرفية البصرة بالوكالة بعد اعتقال المتصرف صالح جبر وإرساله إلى بغداد مخفوراً حسب طلب وزارة الدفاع.

وفي هذا الوضع المحموم اصدر القائد العام للقوات البريطانية المحتلة الجنرال فريزر الخطاب التالي موجها إلى وكيل متصرف البصرة ومؤرخاً في 2/5/1941 وهذا نصه:-

"اقتضت الضرورة بأن احتل منطقة المعقل لمحافظة الجيش البريطاني مهما أمكنني ذلك ولا مانع لدي من قيامكم بالمسئولية واتخاذ ما يلزم من التدابير لحماية السكان من الأجانب والأهالي في منطقتي البصرة والعشار، فإذا لم تتمكنوا من ذلك وحصل ما يعرقل الأمن العام فاكون مضطراً لاتخاذ التدابير لجلب الاطمئنان والسكون" (الأسرار الخفية ص 199).

أما الجنرال ويفل قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط، والتي كانت قواته في ذلك الوقت تتلقى الضربات والهزائم من الجنرال رومل قائد القوات الألمانية في شمال أفريقيا، فلم يكن مرتاحاً من التطورات التي حدثت في العراق فقد ابرق إلى لندن يقول:-

"لقد نبهتكم مراراً عديدة إلى أنه لا أتمكن من مساعدة العراق من فلسطين في الظروف الحاضرة وألححت عليكم بوجوب تحاشي الارتباك في العراق. إن قواتي موزعة إلى أقصى حد في كل مكان. ولا أستطيع بالمرة المجازفة بقسم منها، فيما لا يمكن أن يعود علينا بفائدة.

فرد عليه تشرشل رئيس الوزارة البريطانية، الذي اشتهر بالحزم والعناد البرقية الآتية:-

"لم يكن بالإمكان تجنب التدخل في العراق. كان علينا ان نؤسس قاعدة في البصرة وان نراقب هذا الميناء بقصد المحافظة على نفط إيران عند اللزوم" (نفس المصدر ص 200).

والواقع أن عناد تشرشل الذي أشرنا إليه وبعد نظره ومتانة أعصابة وقوة إرادته لعبت دوراً هاماً في إنقاذ بريطانيا من ذل الهزائم التي تعرضت لها في بداية الحرب ثم إلى عزة النصر فيما بعد.

أعود إلى الوضع في البصرة حيث في الأيام الأولى في الحرب فقد بدأ جهاز الدولة في التفكك وبدأ بعض الموظفين يغادرون المدينة إلى بغداد أو ينقطعون عن الدوام قابعين في بيوتهم أو محتشدين في المقاهي مع بقية الناس الحيارى مشنفين آذانهم لسماع أخبار المعارك حول بغداد ناهيك عن الإشاعات من شتى الأصناف، فهنا تسمع أخبار الانتصارات على البريطانيين واحتلال الحبانية، ومقتل الجنرال كلوب (أبو حنيك) قائد القوات التي زحفت من الأردن نحو الرطبة والحبانية، ثم هناك تسمع خبر فك الحصار المضروب حول قاعدة الحبانية وسن الذبان أو تعرض القوات العراقية لقصف جوي ساحق ثم بدأ الزحف على بغداد وهكذا.

وكانت الأخبار من إذاعة لندن التي كان الناس يحرصون على سماعها توحي للسامعين بعلامات التشاؤم مما تذكره عن سير المعارك لصالح القوات البريطانية، مما جعل الكثير يعتقدون بأنما تقوله إذاعة لندن فيه الشيء الكثير من الصحة بالرغم من صفة الانحياز الواضحة في نشرة أخبارها.

ومن الواضح أن الذي جعل الناس تميل إلى سماع إذاعة لندن هو ما يتذكره الناس من أخبارها التي كانت تذيعها عن المعارك التي دارت قبل عام في فرنسا، وهزيمة بريطانيا في تلك المعارك التي كانت إذاعة لندن تذيعها بقدر ما كانت تسمح به ظروف الحرب. أما إذاعة بغداد فظلت تخفي الحقائق المرة، ولم تجرؤ على إعلانها وقد تكون قيادة الجيش حرصت على ذلك التعتيم.

وفي تلك الأيام الحرجة فكرنا في القيام بعمل إنساني نافع بدلاً من الوقوف موقفا سلبيا في مثل تلك الظروف، فتشكلت لجنة لجمع التبرعات لجمعية الهلال الأحمر فرع البصرة تحسبا للطوارئ، وقد تشكلت اللجنة على النحو التالي: المحامي سليمان فيضي، المحامي عبدالرحمن العمر، نجم الدين النقيب، محمد سعيد النقيب، عبدالجبار عبدالله، بدر خالد البدر، وأنيطت بكل عضو جهة معينة وكانت وجهتي أنا منطقة سوق التجار في العشار حيث هناك التجار الكويتيين وأهل نجد ممن لي صلة بهم.

احتلال منطقة العشار

لقد وجدت القوات المحتلة صعوبة في الحصول على المؤن الضرورية المحلية لا سيما المواد الغذائية مثل الخضار واللحوم وغيرها، كذلك وجدت صعوبة في الميناء في تنزيل البضائع وما أشبه، وذلك لأسباب منها الشعور الوطني تجاه تلك القوات المحتلة ثم الخوف عند البعض من أن يكون في مثل هذا التعاون ما يعرضهم لغضب المواطنين أو للعقاب من جانب الحكومة الوطنية.

ومرت الأيام شبه اعتيادية في مدينة البصرة حتى فجر يوم الأربعاء السابع من الشهر وكنا كعادة غالبية الناس في تلك الأيام، ننام فوق سطوح المنازل بسبب حرارة الصيف فاستيقظنا مذعورين على أصوات الرمي من البنادق والرشاشات. واقتطف من بعض ما جاء ذكره عن ذلك اليوم من تفاصيل في كتاب الأسرار الخفية في حركة سنة 1941 التحررية- عبدالرزاق الحسني- الطبعة الرابعة الموسعة -1976- والذي أشرت إليه في مناسبات سابقة.

"في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الأربعاء دخلت مدينة العشار خمس وعشرون سيارة مصفحة، تقل عدداً كبيراً من الجنود "الكوركا" والضباط البريطانيين يسندها زورقان بخاريان بلغاها نهراً، وأحاط بعض هذه المصفحات ببناية المتصرفية وأحاط بعض آخر بالمصارف الأجنبية وبسائر الدوائر الرسمية، وأحتل بعضها الجسور القائمة على نهر العشار، كما احتل غيرها مفترقات الطرق. وما لبثت هذه القوات أن شرعت في إطلاق النار على البلدة الآمنة من غير سابق إنذار أو سبب معروف واستمرت الحالة على هذا المنوال زهاء ساعتين".

"وكان وكيل متصرف البصرة السيد صالح حمام يقضي ليلته في مقر المتصرفية ومعه ثمانية عشر شرطياً فلما سمع أزيز الرصاص يشق الآذان أطل من النافذة، وسأل أحد الضباط البريطانيين عن السر في إطلاق النار؟."

"فرد عليه هذا بأن الأوامر التي لديه تقضي بذلك، كما أن لديه أمراً بالقبض على بعض الموظفين العراقيين الذين تشتبه السلطات العسكرية فيهم، ثم قال الضابط أن الجنرال (فريزر) سيحضر بعد هنيهة. وبعد دقائق اقبل قائد الحملة البريطانية الجنرال فريزر وصعد إلى سراي الحكومة يصحبه رئيس جمعية التمور العراقية (المستر لويد) ومعهما قادة آخرون وكان المستر لويد يلبس بدلة عسكرية برتبة ميجر في الجيش البريطاني، مع انه كان موظفا في الحكومة العراقية! ولما سأل وكيل المتصرف عن أسباب هذه المفاجأة أجاب القائد "إن مضايقتنا أدت إلى أن نلج هذا السبيل" (المصدر المشار اليه).

وكان مدير شرطة البصرة مزاحم ماهر يرابط مع مجموعة من الشرطة في مركز شرطة العشار فهاجمته جماعة من القوات البريطانية وطلبت منه الاستسلام ولكنه رفض ذلك، ودارت معارك ساهم فيها الشرطة وبعض الأهالي من خارج المركز، وألقت إحدى الطائرات البريطانية بعض القنابل، وفي الوقت نفسه قام بعض الجنود البريطانيين بفتح الحوانيت المغلقة عنوه في سوق العشار، ثم تعريضها للسلب والنهب من قبل بعض الغوغاء. وانتشر السلب إلى دكاكين البصرة لا سيما محلات اليهود، ثم اختلط الحابل بالنابل وكنا نشاهد شتى البضائع من الأقمشة والأدوات المنزلية، وكان بعضهم يحمل كتلا من الأحذية مختلفة الأحجام والمقاييس، لا يعرف يسارها من يمينها. لكن قوات الجيش البريطاني بقيت في منطقة العشار ولم تصل إلى البصرة، ولهذا قامت مجموعة من الأهالي للتكتل كل في محلته لحماية البيوت مما حل بالأماكن التجارية، ومرت تلك الليلة بسلام. وفي صباح اليوم التالي هدأت الأمور نوعاً ما وتوقف السلب والنهب وتولى أبناء الأحياء حراسة بيوتهم. وفي ذلك اليوم التقيت بالدكتور شمس الدين السيد طالب النقيب وكان يعمل طبيبا في شركة نفط البصرة بمرتب سخي بالنسبة لذلك الوقت. وكنا متقاربين في السن وفي الميول الوطنية وكانت ميولنا هذه معروفة حتما لدى المخابرات البريطانية، من الأحاديث وأساليب الجدل الذي كان يدور في شتى المناسبات. كما أن وضعي أصبح مكشوفا بعد تركي مقر وظيفتي في المطار، بعد احتلال البريطانيين له وفي هذا وحده تحد واضح للسلطات المدنية، فكيف يكون ذلك بالنسبة للسلطات العسكرية. وقلت لصديقي أني صراحة أخشى الاعتقال بين حين وآخر، لا سيما بعد الانفعالات والتجاوزات التي حدثت واستهتار السلطة المحتلة التي أثارها وأغضبها تجاوب الجماهير الواضح وتعاطفهم مع حكومة بغداد، حتى أن المقاولين الذين كانوا يزودون الجيش البريطاني بالمواد التموينية وغيرها، توقفوا عن ذلك بعد نشوب القتال. وقلت له لذلك فإني أتوقع ان تكون ردود الفعل عند السلطة المحتلة عنيفة، والدليل على ذلك حوادث العشار والبصرة. وقال الصديق إني أوافقك على ما ذكرت وإني بدأت اشعر بذلك أثناء عملي في الشركة التي غالبية موظفيها من البريطانيين وبدأنا في ترتيب خطة الهروب.

مغادرة البصرة

وفي صباح الجمعة التاسع في الشهر، التقيت بالدكتور في المكان المقرر الذي اتفقنا عليه وكل منا يحمل معه أمتعة خفيفة لا تلفت النظر، وأخبرني أنه سلم السيارة التي كان يستعملها للشركة، وكان الطريق الوحيد للخروج من البصرة هو عبور شط العرب إلى الضفة الشرقية في الشط. ومن هناك نواصل الطريق عبر بساتين النخيل إلى مدينة القرنة، حيث ترابط قوات الجيش العراقي التي انسحبت من البصرة. وعبرنا النهر بأحد الأبلام إلى منطقة كردلان وعند وصولنا إلى هناك شعرنا بشيء من الطمأنينة، حيث تخطينا المناطق الخطرة التي تتواجد فيها قوات الاحتلال. ومن هناك واصلنا السير مشيا على الأقدام فوق سداد النهر متجهين إلى منطقة اسمها (نهر حسن)، بها أملاك تخص آل النقيب وكانت خطتنا تقضي المبيت هناك ثم مواصلة الذهاب إلى القرنة باستئجار أحد القوارب النهرية (البلم).

وكنا نراقب الحركة في النهر وعلى الجانب الآخر وهي تسير بصورة اعتيادية. وقبيل الغروب وصلنا إلى المكان الذي نقصده، ولكننا لم نتعرف على المنطقة التي بها أملاك آل النقيب. فسألنا أحد المارة فأرشدنا إلى بيوت الفلاحين، ووجدنا بعض الصبية يلعبون ويمرحون خارج تلك البيوت، فتقدم منهم الدكتور شمس الدين وسألهم عن كبير العائلة، فذهب أحدهم داخل البيت وعاد ومعه الرجل الذي كان يقارب الستين من عمره، ذو لحية غلب عليها الشيب، بشوش الوجه، فرحب بنا ترحيباً حاراً وكانت تبدو على محياه علامات الطيبة وبساطة الريف. وأخذنا إلى (السوباط) أو المضيف وهو المكان المعد لاستقبال الضيوف والزوار، وهو أشبه بالسرادق مبني من القصب وسعف النخيل، كما هو الحال في بيوت الفلاحين في منطقة البصرة وكان مفروشاً بالحصران. ثم احضروا بعض الوسائد كما جاءوا بفوانيس النفط للإضاءة. ثم جلس معنا هذا الرجل الطيب هو وأفراد عائلته من الرجال، فأخبرناهم بأننا ننوي الذهاب بكرة صباحاً إلى القرنة وطلبنا منهم أن يستأجروا لنا بلماً مناسبا لهذه الغاية، ثم تركونا لفترة أخذنا فيها بعض الراحة وكنا نشعر بغاية التعب بعد تلك الرحلة الشاقة مع المسافة التي قطعناها مشياً على الأقدام.

ثم عاد إلينا ذلك الرجل الطيب ومعه أولاده وأقاربه بعضهم يحمل الطعام والبعض الآخر يحمل فراش النوم وكان الطعام يتألف من الدجاج المطبوخ بالرز واللبن الرائب والتمر. وكان الجوع قد أخذ منا مأخذاً فاستمتعنا بتلك الأكلة اللذيذة التي لم نستطع بعدها مقاومة النوم.

واستيقظنا في الصباح الباكر وسرنا مشياً نحو الشاطئ وكانت الشمس قد بدأت ترسل أشعتها الذهبية من خلال أشجار النخيل على شواطئ ذلك النهر العظيم الهادئ الذي كانت مياهه في أعلى مستوياتها بسبب موسم الفيضان. وكان السكون يخيم على جميع المنطقة. ثم عدنا إلى مكاننا فوجدنا الجماعة قد أحضروا لنا طعام الإفطار الذي تنبعث منه رائحة الخبز الساخن الذي جاءوا به من تنور البيت والذي يشتهر به الريف البصري.

وبعد الانتهاء من وجبة الإفطار أخبرونا أن البلم الذي أوصينا عليه بالانتظار فشكرنا الجماعة على تلك الضيافة السخية وودعناهم مواصلين رحلتنا النهرية نحو الشمال.

كان السكون يخيم على المنطقة بأسرها وهو سكون غير طبيعي يبعث الوحشة والقلق للنفوس لا سيما وأن المنطقة بأسرها أصبحت منطقة حرام ولم نجد طيلة رحلتنا أثراً للحكومة فيها وهذا مما زاد في قلقنا فنحن الآن تحت رحمة أصحاب البلم لو أرادوا بنا شراً أو أي جماعة تصادفنا حاملة نوايا الشر والعدوان. ولازلنا نسير بمحاذاة الشاطئ الشرقي من النهر متحاشين الجانب الغربي الذي قد تتواجد فيه بعض قوات الجيش البريطاني. وكانت وجهتنا مكان يسمى (نهر عمر) على الضفة الغربية من الشط وفيها أملاك للسيد حامد النقيب والمكان لا يبعد كثيراً عن مدينة القرنة ولكنا قررنا أن لا نعبر النهر إلا إذا صرنا قريبين من المكان المذكور.

وكالعادة فقد كان في البلم اثنان من الملاحين واحد في المقدمة والثاني في المؤخرة وخط السير في المياه الضحلة والبلم يسير بالدفع بواسطة الرمح الذي يحمله (البلام) ويسمى محليا (المردي). أما في المياه العميقة لا سيما عند عبور النهر فلا بد من استعمال الشراع إن وجد أو استعمال المجداف.

وواصلنا المسير بمحاذاة الشاطئ الشرقي باتجاه الشمال في ذلك السكون الكئيب الرهيب إلىما بعد الظهر حيث قاربنا منطقة (نهر عمر) على الجانب الآخر من النهر وبدأ البلم بعبور النهر وكانت مياه النهر كما ذكرت في أعلى مستوى لها حتى أنها تكاد تتجاوز السدود الطينية. وقد علمنا أن الجيش العراقي عند انسحابه من منطقة الماجدية إلى القرنة كسر بعض هذه السدود وأغرق منطقة الماجدية وما جاورها بالمياه لجعلها سداً مانعاً لزحف القوات البريطانية إذا ما فكرت في ذلك وعند وصولنا إلى الجانب الغربي من النهر وجدنا بعض الفلاحين الذين يعملون في الأرض فسألناهم عن موقع أرض السيد حامد النقيب فأرشدونا إليها وكنا في الواقع على مقربة منها. وهناك وجدنا المسئول عن رعاية الأرض وهو يكون عادة من الفلاحين الذين لهم دراية في زراعة النخيل وممن اشتهروا بالصدق والأمانة ومن العادة أن تكون لهم حصة من فلاحة الأرض تزيد علي حصة الفلاح الاعتيادية مقابل تلك الخدمات. وقد استقبلنا استقبالاً طيباً وقادنا إلى (المضيف) وقدموا لنا ما تيسر من الطعام لأننا أخبرناهم بأننا لا نستطيع الإقامة فترة طويلة لحرصنا على الوصول إلى القرنة قبل الغروب ثم ودعناهم بعد استراحة قصيرة وواصلنا المسيرة ونحن في هذه المرة أكثر اطمئناناً وأمناً لقربنا من القرنة ومشاهدتنا لبعض وحدات الجيش العراقي هنا وهناك وأظن أن مهمتها كانت استكشافية. وقبل الغروب بقليل وصلنا القرنة فحمدنا الله على السلامة واتجهنا إلى مقر قيادة الجيش فوجدنا بعض الضباط الذين لنا بهم معرفة سابقة فاستقبلونا استقبالاً طيباً وأخذوا يوجهوا لنا الأسئلة عن الحالة في البصرة والعشار فأخبرناهم بما نعرف وكان قد وصل قبلنا مدير الشرطة مزاحم ماهر وقد وجدناه هناك عندما ذهبنا للسلام علي قائد الحامية العقيد رشيد جودت وكبار ضباطه وكانت لنا معهم جميعاً معرفة سابقة فرحبوا بنا ترحيباً طيباً. وقد علمنا أن مدير الشرطة انسحب مع قواته بعد المعركة التي دارت بينه وبين الجنود البريطانيين يوم الأربعاء كما سبقت الإشارة وذلك بموجب شروط تم الاتفاق عليها مع البريطانيين ومن تلك الشروط انسحاب الشرطة من مركز العشار بكامل أسلحتهم.

كان الطقس تلك الليلة حاراً رطباً وكان من غير المحتمل البقاء داخل الغرف لذلك فقد انتشر الضباط والجنود للنوم بين أشجار النخيل ولا تسأل عن الحشرات والهوام على اختلاف أنواعها مما يجعل النوم في مثل ذلك الجو الخانق صعب المنال.

وفي صباح اليوم التالي علمنا أن القيادة أرسلت برقية إلى وزارة الدفاع في بغداد تخبرها بوصولنا وجاء الرد فيما بعد على أن يبقى الدكتور شمس الدين ليمارس عمله كطبيب مع الحامية في القرنة وأن أتوجه أنا إلى بغداد.

وانتهزت فرصة وجودي بين الضباط والجنود فسألتهم أن يخبروني بما حدث عندهم عندما أطلقت السفينة الحربية النار عليهم ثم عندما هاجمتهم الطائرتان.

وقد أخبروني بأن إطلاقه المدفع التي أطلقتها السفينة الحربية ظهر اليوم الأول من بدأ القتال نحو الماجدية مرت فوق سعف النخل ولم تحدث أي ضرر.

أما القنابل التي أطلقتها الطائرة الأولى فلم تصب أحداً لأن الجنود كانوا منتشرين بين أشجار النخيل الكثيفة. أما الطائرة الثانية بمجرد اقترابها من المكان سارع الجنود إلى إطلاق النار عليها هذا من بندقيته وذاك من رشاشه والظاهر أن رصاصة اخترقت خزان البنزين فأشعلت فيه النار وهوت الطائرة وتفجرت القنابل التي كانت تحملها حال اصطدامها بالأرض. أما ملاحيها الاثنان فقد تناثرت أشلاءهما هنا وهناك وعلق قسم منها بسعف النخيل من شدة الانفجار.

السفر إلى العمارة

أقمت في مدينة القرنة يومين علمت خلالهما أنه تم ترتيب سفري مع بعض الموظفين الذين انسحبوا من البصرة إلى مدينة العمارة ومن هناك نواصل السفر إلى بغداد. ولم تكن الإقامة بالقرنة مريحة لا سيما في الليل حيث شدة الحر والرطوبة وكثرة البعوض كما ذكرت.

وسافرنا إلى العمارة بمجموعة من الباصات الصغيرة هيئتها لنا قيادة الجيش. وعند وصولنا العمارة ذهبنا لزيارة المتصرف والسلام عليه الذي كان يعرف بقدومنا ثم بعد ذلك توزعنا على بعض البيوت الفارغة التي خصصت لإقامتنا المؤقتة. وكانت مزودة ببعض أسرة النوم والحاجات الضرورية البسيطة. وقد علمنا أن المدينة تعرضت لغارات جوية وكان القصف موجهاً نحو الثكنة العسكرية وقد وقعت خسائر في الأرواح. وعلمنا في اليوم التالي أن هناك باخرة نهرية ستسافر إلى بغداد بعد الظهر وأنه تم ترتيب سفرنا عليها.

وذهبنا في الموعد إلى المكان الذي كانت ترسو فيه السفينة وكان معنا مجموعة من الضباط والجنود وبعض الموظفين من البصرة وأتذكر منهم الدكتور محمد ناصر وكان يشغل وظيفة مدير معارف البصرة كما كان معنا مدير ناحية شط العرب. وتحركت الباخرة وكانت وجهتها مدينة الكوت. وكانت تسير بمحاذاة شاطئ نهر دجلة الغرب وبدأ الجنود فوق ظهر السفينة ينشدون الأغاني الشعبية والأهازيج ويرقصون الرقصة العراقية المعروفة (الهوسه) وهي رقصة تثير الحماس في النفوس وسرعان ما تجمع الناس على شواطئ النهر ولا سيما الشاطئ الغرب التي كانت تسير السفينة ببطئ بمحاذاته. وبدأت الهوسات على الشاطئ واختلط بها الرجال والنساء والشيوخ والشباب على عادة سكان الأرياف العراقية وكان منظراً حماسياً مؤثراً لا يمكن وصفه بهذه السطور القليلة.

كذلك كانت القوارب الصغيرة من أبلام ومشاحيف تساير الباخرة في سيرها البطيء في محاذاة الشاطئ مشاركة في ذلك المهرجان الشعبي وكأن الجميع في حفلة زفاف من حفلات ألف ليلة وليلة. وبدأت الشمس تميل إلى المغيب حتى اختفى قرصها الأحمر من وراء أشجار النخيل الباسقة وبدأ ذلك الحشد الكبير يتناقص شيئاً فشيئاً كما بدأت السفينة تزيد من سرعتها. وإن أنس فلا أنس تلك المرأة القروية العجوز التي كانت تجاري السفينة في سيرها وهي في مشحوفها تلوح بالغرافة (المشحوف قارب ريفي نهري يستعمله أهل الأهوار في جنوب العراق ويشبه الجندول الإيطالي ولونه أسود بسبب طلائه بالقار - والغرافة هي المجداف الصغير) انسجاماً مع أنغام (الهوسه) حتى إذا ما بدأت السفينة بالابتعاد صاحت بصوت عال وهي تبتعد "سلمونا على هترال" وكان المقصود هتلر زعيم ألمانيا!

وهنا لا بد من الوقوف في فترة تأمل في كيف وصلت الدعاية الألمانية إلى هذا الريف العراقي البعيد وكم تكررت هذه الدعاية حتى رسخت واستقرت في وجدان هذه المرأة الريفية العراقية العجوز. لا شك أن محطة إذاعة برلين باللغة العربية التي كان ينطلق منها صوت ذلك العراقي الموهوب يونس بحري بنبرات صوته الجذاب كان لها تأثيرها وصداها الواضح في العالم العرب أجمع في ذلك الوقت ولكني أستطيع القول أن تلك الدعاية القوية المركزة لم تكن لتنجح ذلك النجاح لو لم يكن عندها ذلك المعين من الانتصارات التي سجلها الألمان في بداية الحرب. فالدعاية الناجحة لا بد وأن يكون لها سنداً أساسياً من الحقيقة والواقع حيث باستطاعة الداعية الموهوب استثمار تلك الحقائق والنجاحات. وهذا ما حدث بالنسبة للدعاية الألمانية في بداية عهدها. أما عندما توقفت تلك الانتصارات وانقلابها فيما بعد إلى هزائم، وصرنا نرى بوقتها أن عبقرية وزير دعاية هتلر (غوبلز) وشطارته وصوت يونس بحري الهادر لم تستطع كلها من تغيير واقع الأحداث. وفي ذلك درس وعبرة للذين يريدون أن يؤسسوا صروح الدعاية على الحقائق المزيفة وما بني على الباطل فهو باطل.

الوصول إلى مدينة الكوت

وقضينا ليلة مريحة على ظهر الباخرة فنمنا نوماً عميقاً تحت السماء الصافية والنسائم العليلة وكم كان الفرق شاسعاً بين تلك الليلة وبين الليالي القلقة التي مرت علينا منذ مغادرة البصرة. وعند الظهر وصلت الباخرة إلى الكوت وهناك رأى البعض منا أن نواصل الرحلة إلى بغداد بالسيارة بدلاً من البقاء على ظهر السفينة واختصار الوقت. وبعد استراحة قصيرة في إحدى المقاهي القريبة من الشاطئ استأجرنا سيارة وكان طريق الكوت بغداد غير مبلطاً في ذلك الوقت ودامت الرحلة حوالي خمس ساعات وكانت مرهقة ومتعبة في ذلك الجو الحار.

وسكنت في بغداد في أحد الفنادق المريحة ونمت نوماً عميقاً بعد ذلك التعب، وعلمت في الصباح أن دائرة الطيران المدني التي كان مقرها في المطار قد انتقلت منه بعد تعرضه للقصف يوم 8/5/1941 إلى نادي الرشيد في حي السعدون وكان ذلك النادي يخص الجالية اليهودية. والداخل إلى النادي يجد أمامه حديقة واسعة ورأيت عن بعد جماعة تجلس على كراسي مريحة تحت شجرة وارفة الظل فاقتربت منهم وكان من بينهم العقيد المتقاعد أكرم مشتاق مدير الطيران المدني وهو من أوائل الطيارين العسكريين كما ذكرت في مناسبة سابقة ومن حوله بعض الموظفين والزوار. فسلمت عليهم جميعاً وجلست بالقرب من المدير الذي بدأ يسألني عن أوضاع البصرة فأخبرته بتفاصيل ما أعرف وعن رحلتي عبر القرنة والعمارة والكوت.

كان وصولي بغداد في منتصف الشهر وكانت الأمور تتطور إلى الأسوأ وقد لاحظت ذلك على وجوه الجالسين ثم من أحاديثهم فيما بعد وبدأت من ذلك اليوم أشارك كل صباح في هذه الجلسة واستمع إلى الأخبار السيئة. وأهم الأحاديث التي سمعتها في تلك الجلسات وخارجها ألخصها بالآتي:

  1. الخلاف بين القادة من عسكريين ومدنيين حول الحركة وأهدافها وكيفية إدارتها.
  2. أن الطيران العراقي قام في أول يوم وما بعده بمهمات ناجحة لكن حركته شلَّت بعد أن حطمت الهجمات التي شنتها الطائرات البريطانية على قواعده وطائراته ونفاذ الذخيرة المحدودة التي كانت لديه.
  3. (الاخراج) الذي تم يوم 6/5/1941 من القوات البريطانية في قاعدة الحبانية وسن الذبان ودحر القوات العراقية التي كانت تحاصر القاعدة والتي أنهكتها الهجمات الجوية والفوضى التي شملت إيصال الذخيرة والتموين.
  4. اشتركت الطائرات الألمانية في القتال ولكن اثنين من الطائرات من طراز MISIRSCHMIDT المقاتلة والحديثة الصنع قضت عليها الطائرات المقاتلة البريطانية من طراز (غلاديتر) GLADIATOR القديمة الصنع كما أخبرنا بذلك مدير الطيران وقد أسقطت الأولى في معركة جوية أما الثانية فعند محاولتها الإقلاع من المطار هاجمتها إحدى الطائرات البريطانية وأجهزت عليها قبل أن ترتفع من الأرض. كما علمنا أن البعثة العسكرية الألمانية اتخذت من مدينة الموصل مقراً لها وذلك لبعدها عن ساحة الحرب ثم الابتعاد عن هجوم الطائرات البريطانية.

كذلك من الأخبار السيئة التي كانت تتحدث عنها الناس مقتل ابن وزير الدفاع الألماني فون بلومبرغ وكان يحمل رتبة ميجر (رائد) عندما كان قادما مع مجموعة من الضباط الألمان إلى بغداد في طائرة نقل مدنية من طراز JU 52 (كان لهذا النوع من الطائرات شهرة في مجال النقل الجوي وكان لها جناح واحد بدل فكرة الجناحين التي كانت سائدة في تلك الأيام كما كان لها ثلاث محركات وأذكر أن واحدة من هذه الطائرات مرت في مطار البصرة في رحلة استكشافية إلى الصين وكان يقودها طيار عجوز من طياري الألمان في الحرب العالمية الأولى واسمه (ليمباخ) وذلك في عام 1939 قبل اشتعال نار الحرب بقليل) ويقال أنها عند وصولها فوق بغداد بدأت بجولة استعراضية على ارتفاع واطئ فظن الناس أنها من الطائرات المعادية وبدأوا بإطلاق النار عليها من مختلف الأسلحة فاخترقت رصاصة رأس الرائد بلومبرغ فصرعته على الفور وكان لهذا الحادث المأساوي أثره المحزن عند الألمان والعراقيين على السواء.

5. كذلك سمعنا عن إشاعة توسط الحكومة التركية بين العراق وبريطانيا لإنهاء حالة الحرب إلا أن بعض القادة العراقيين ومنهم العقيد صلاح الدين الصباغ الذي تربطه صلة قوية بالمفتي الحاج أمين الحسيني رفض البحث في تلك الوساطة وأن رئيس وزراء بريطانيا ونستن تشرشل رفض الوساطة هو أيضاً.

  1. أن القيادة الألمانية المدنية منها والعسكرية فوجئت بنشوب القتال بين القوات العراقية والبريطانية وهذا دليل على أن الذين قاموا بالحركة لم يكونوا تحت تأثير قوى خارجية كما ادعت بريطانيا بوقتها.

وبهذه المناسبة فان (كلوب باشا SIR JOHN BAGOT GLUBB) في كتابه "بريطانيا والعرب" يذكر عن القوة التي زحفت على قلعة الرطبة ثم على الحبانية إلى الفلوجة -التي انسحب إليها الجيش العراقي بعد الهجوم الذي تعرض له يوم 6/5/41 كما ذكرنا- وكان قوام القوة الزاحفة يقارب الألفين بين ضابط وجندي التي انطلقت من فلسطين في اليوم الثاني عشر من الشهر والتي انضمت إليها بعض قوات البادية الأردنية التي كانت بقيادته والتي يقدر عددها بحوالي مائتين وخمسين مقاتلا. ثم يقول في شيء من التبرير المنصف للحركة بأنه لولا وجود الصهيونية في فلسطين وقمع ثورة 1936 و 1939 بواسطة الجيش البريطاني والشعور العميق لهذه الأحداث في المحافل السياسية، ووصول المفتي وبعض اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق. كل ذلك كان بمثابة صب الزيت على النار. ثم يضيف بأن وجود القواعد البريطانية في الحبانية والشعيبة كان في نظر العراقيين يشكل ثلماً في استقلالهم الكامل. كما يشعرون بأنهم ليسوا مدينين لبريطانيا بأي شيء. وكانت هذه هي وجهة نظر الكثير من العراقيين الذين يرون أن من الحكمة أن يميلوا إلى الجانب الرابح. ثم يضيف أن الانتصارات الألمانية أقنعت كل عربي والكثير من الناس بأن بريطانيا ستهزم. ومن المحتمل أن رشيد عالي كان يهدف إلى انقلاب سياسي منتهزاً فرصة ضعف بريطانيا فيطلب استقلال سوريا مع تنازلات كبيرة لإنقاذ الفلسطينيين من الصهيونية جاعلاً من نفسه محرراً للأمة العربية.

وهناك سببان أفشلا هذه الخطة، السبب الأول هو أن بريطانيا قبلت التحدي بدلاً من الرضوخ لطلب التسوية والسبب الثاني أن قواد الجيش الأربعة لم يخضعوا للقيادة السياسية وأخذوا يتصرفون على هواهم وكان ميلهم إلى ألمانيا وارتباطهم معها أكثر من رشيد عالي. حيث وجد ذلك السياسي المحنك أن أساليبه وحبائله التي نصبها للابتزاز تخطاها العسكريون الذين كان يتصورهم أنهم كانوا آلة بيده

BRITAIN AND THE ARABS, PAGE 241-247, GLUBB PASHA, A STUDY OF FIFTY YEARS 1908-1958, HODDER AND STOUHGTON, LONDON

الانتقال من الفندق

كان في بغداد في ذلك الوقت اثنان من التجار الكويتيين المقيمين في بغداد وهما الحاج عبدالله الصالح الفلاح والحاج عبدالعزيز العلي المطوع وكانا يمارسان التجارة منذ مدة في بغداد. وكان للحاج عبدالعزيز بيتاً استأجره في الأعظمية وقد رحَّل عائلته منه في بداية الأحداث وظل البيت فارغاً وكانت في بغداد مجموعة من الكويتيين موزعين في أماكن مختلفة فدعاهم الحاج عبدالعزيز للسكن في بيته وكنت من بينهم وقد وجدنا في هذا التجمع فرصة فريدة فرحنا بها لا سيما في تلك الظروف الحرجة ومن الجماعة الذين تواجدوا في البيت خالد العدساني، عبدالله الصقر، جاسم الصقر الذي كان يدرس الحقوق في بغداد. عبدالله الفلاح ثم التحق بنا جماعة آخرون جاءوا من البصرة واستأجرنا طباخاً. وكان الأخ جاسم الصقر هو المسئول عن الشئون الإدارية والمالية للبيت وفقاً للمثل العرب المعروف صغير القوم خادمهم.

وبقيت على عادتي كل يوم أنزل إلى المقر المؤقت لدائرة الطيران المدني ثم أعود عند الظهر وأجد الجماعة متلهفين لسماع الأخبار التي لم تكن تسرهم. ومع مرور الأيام بدأنا نسمع قصف الطائرات البريطانية المتواصل على المناطق القريبة من بغداد مثل التاجي وأبو غريب وغيرها. هكذا كان الوضع في بغداد التي كانت تزدحم في مدارسها ومساجدها جموع المتطوعين الذين جاءوا من الألوية في بداية الحرب نداءً للواجب الوطني وقد سمعنا قصصاً واقعية عن بعض هؤلاء المساكين وغالبيتهم من الطبقة الفقيرة فمنهم الفلاح الذي باع بقرته ليدفع من ثمنها أجرة انتقاله إلى بغداد أو ذاك الذي باع جزءا من أثاث بيته وهكذا ولما قدموا إلى بغداد لم يجدوا من يهتم بهم أو يرعاهم فاضطر أكثرهم إلى العودة من حيث أتوا.

تطور الأوضاع في البصرة

هذا ما كان عليه الوضع في بغداد في النصف الثاني من الشهر أما في البصرة فقد أمرت حكومة بغداد من وكيل المتصرف صالح حمام بالانسحاب هو وجميع موظفي اللواء الإداريين وذلك في السادس عشر من الشهر وبذلك زادت الفوضى في المدينة واشتد قلق الناس. ولكن البصرة التي اشتهر أهلها بكرم الطباع والبعد عن العنف بقيت هادئة حتى اجتمع بعض وجهاء البلد في اليوم التالي وشكلوا لجنة منهم سموها "لجنة الأمن في البصرة" وتألفت من السادة الشيخ صالح باش أعيان، محمد صالح الرديني، مصطفى الطه السلمان، عبدالرزاق الأمير. وقد أيدت قوات الاحتلال هذه الترتيبات وساعدت اللجنة في مهماتها (راجع التفاصيل في كتاب الأسرار الخفية التي سبقت الإشارة إليه. ص 210).

لقد ذكرت سابقاً عن اللجنة التي تألفت في البصرة لجمع التبرعات لصالح جمعية الهلال الأحمر ومع مصر المدة فقد جمعت مبلغا قدره ثمانية وخمسون ديناراً جلبتها معي إلى بغداد وسلمتها للمركز الرئيسي للجمعية (انظر صورة الوصل).

الأخبار السيئة والأخبار الأسوأ

كانت تصدر في بغداد صحيفة يومية اسمها "الجهاد" وكانت تشرف عليها مجموعة من الشباب القومي وكنا نلتقي هناك في الأمسيات وفي يوم 30/5/1941 ذهبت إلى مقر الجريدة كالعادة ووجدت هناك الحاج عبدالله الفلاح وجلسنا بعض الوقت لسماع الأخبار السيئة التي اعتدنا سماعها. ثم خرجنا الحاج عبدالله وأنا وسرنا عبر جسر الملك فيصل الأول (مود سابقاً) من جانب الرصافة باتجاه جانب الكرخ وقد لفت انتباهنا منظر الجنود المتواجدين على طول الجسر وعندما وصلنا إلى نهايته رأيت المقدم خيرالله حسين وكان من خيرة الضباط العراقيين ومن أبناء العائلات المعروفة في قضاء القرنة وكانت لي معرفة سابقة معه فسلمت عليه واستفسرت منه عن الحالة فأخبرني عن الخبر الذي وقع علينا وقع الصاعقة وقال "انتهى كل شيء" ثم أخبرنا عن هروب القادة الأربعة للجيش الذين تزعموا الحركة وكذلك أركان الحكومة بما فيهم رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني ولم أتمالك نفسي من البكاء. وعدنا إلى البيت في الأعظمية وبلغنا الخبر السيء للجماعة وعم الحزن والأسى الجميع. وكالعادة انتقلنا للنوم فوق السطح وكان قصف المدافع وهدر محركات الطائرات القاصفة يسمع بوضوح وكنا نرى عبر الظلام وميض نار المدافع من جهة الغرب.

وفي اليوم التالي 31/5/1941 بدأت الإذاعة العراقية في بغداد تذيع بيانات وبلاغات من "لجنة الأمن الداخلي" التي تشكلت أثر انسحاب الحكومة والقادة العسكريين وهروبهم إلى إيران. ومما جاء في تلك البيانات إعلان وقف إطلاق النار بين الجيشين البريطاني والعراقي واحتفاظ الجيش العراقي بكامل أسلحته وانسحابه من المواقع المقابلة للقوات البريطانية.

الفوضى في شوارع بغداد

وفي اليوم الأول من شهر حزيران (يونيه) عمت الفوضى بعض شوارع بغداد وضواحيها عندما أظهر اليهود فرحهم وسرورهم بالهزيمة التي حلت بالجيش العراقي ويقال أن بعضهم أخذ يهتف لبعض القوات البريطانية التي دخلت بغداد. كل هذه الإشاعات وغيرها وانحسار هيبة الدولة شجع الغوغاء على ممارسة الإجرام وأعمال النهب والسلب كما حدثت بعض الاعتداءات على اليهود وخسائر في الأرواح.

كذلك ففي ذلك اليوم دخل الأمير عبدالإله بغداد منتصراً بحماية الحراب البريطانية. وفي اليوم الثاني صدر بيان بمنع التجول ليلاً وبدأت هيبة الحكم تعود شيئاً فشيئاً وتشكلت الوزارة برئاسة جميل المدفعي.

خاتمة المطاف

وفي اليوم الثالث من الشهر بدأت مظاهر الهدوء تعود إلى طبيعتها تدريجيا. وتركنا البيت الذي كنا نسكن فيه في الأعظميه وذهب كل منا إلى سبيله وانتقلت أنا إلى الفندق وعند تجولي الشوارع كنت أشاهد علامة الوجوم والإحباط ظاهرة على وجوه الناس وبدأت تتكشف الأخطاء التي ارتكبت من قبل القيادة العسكرية والإدارة المدنية على السواء.

وحول هذه المواضيع يذكر الرائد الركن المتقاعد محمود حسن الدرّه وهو شاهد عيان في كتابه "الحرب العراقية البريطانية صفحة 332" الآتي:

"لقد أثبتت حرب الأيام السبعة الأولى بما لا يدع مجالاً لأي تبرير على أن القائدين صلاح الدين وفهمي سعيد كانا يتصرفان بعصبية من مفاجآت أحداث لم يتوقعاها، فأربكتهما ضربه العدو المباغتة فشلت فعاليتهما وقدرتهما للسيطرة على الموقف في حين أن ثالث القادة الأربعة قائد الفرقة الأولى العقيد كامل شبيب قد توارى عن أبسط مسؤولياته في قيادة فرقته أو حتى الإشراف عليها وكشف زميله صلاح الدين دوره خلال المعركة. وقال عنه رشيد عالي ما قال، وكشفت عنه رسائله هو نفسه طويته". وفي مكان آخر من الكتاب يذكر السيد محمود الدره "وهكذا توجه العقداء الأربعة بسياراتهم إلى خانقين فالحدود العراقية الإيرانيه ليلة 29/30 مارس. وقد أعقبهم وزير العدلية علي محمود الشيخ على ووكيل أركان الجيش الفريق أمين زكي بسيارتيهما في بعقوبة إلى خانقين بدلاً من ذهابهما إلى كركوك ثم تبعهم الوصي على العرش الشريف شرف ورئيس الوزراء رشيد عالي والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين بالقطار إلى خانقين ودخل الجميع الحدود الإيرانية وطلبوا اللجوء السياسي من الحكومة الإيرانية فمنحتهم إياه" (نفس المصدر صفحة 353). أما السياسي العراقي المعروف توفيق السويدي فيقول في مذكراته "فالجيش كان لا يعرف ماذا يفعل وكان يتلهى بتبديل قواده وأحداث جبهات خيالية، تارة يسميها الجبهة الغربية وطوراً الجبهة الشرقية أو جبهة الفرات وغير ذلك من الأمور التي لا تنطبق على حقيقة. إنما المحقق أن هذا الجيش كان عديم التنظيم خائر القوى، قد استحال عليه حتى أن يوصل الخبز الكافي إلى الجنود المحاربين في جبهة تبعد عن العاصمة خمسين كيلومتراً كما استحال عليه أن يضمد جراح الجرحى من رجاله أو يؤمن ما يحتاجون إليه من أسلحة ضرورية للدفاع" (توفيق السويدي - مذكراتي - نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية صفحة 372 - دار الكاتب العربي- بيروت - الطبعة الأولى 1969).

والواقع أن الكثير من المراقبين أو المشتركين في تلك الحرب كانوا يتصورون أن القيادة قد وضعت خطة سرية للانسحاب إلى الشمال لمواصلة القتال في ظروف أكثر ملائمة لا سيما وأن قوات فيشي الفرنسية المسيطرة على سوريا ولبنان كان بإمكانها أن تمديد المساعدة لتلك القوات بالتعاون مع الألمان المتواجدين بطائراتهم في مدينة حلب في ذلك الوقت.

العودة إلى البصرة

وبعد أن هدأت الأمور في بغداد قررت العودة إلى البصرة وكان لا بد من زيارة الزملاء في مديرية الطيران المدني لتوديعهم. فذهبت كالعادة إلى المكان المؤقت في نادي الرشيد ووجدت المدير العقيد الطيار أكرم مشتاق في مجلسه الذي اعتاد الجلوس فيه كل صباح تحت ظل تلك الشجرة الوارفة الظل وكانت نسائم الصباح لا تزال تحتفظ ببرودتها ونداوتها. وبعد السلام قلت للمدير أنا قادم لتوديعكم لأني مسافر بكره إن شاء الله إلى البصرة. فرد علي قائلا حسناً تعمل ولا بد أن القوات البريطانية قد أخلت المطار الآن. فقلت له ولكني قررت أن استقيل فسألني مستغرباً ولماذا وما السبب ألم تطلع على بيان الحكومة الذي طالب جميع موظفي الحكومة الذين تركوا وظائفهم أن يعودوا إليها وأن تصرف لهم رواتبهم حسب العادة بدون النظر إلى مدة الغياب؟ قلت له هذا صحيح لا سيما بالنسبة لموظفي الدولة الذين أمرتهم الحكومة بالانسحاب مثل ما حدث في البصرة ولكن وضعي يختلف فأنا انسحبت من أول يوم بعد احتلال المطار وكان في ذلك تحد للسلطات البريطانية وسلطة الميناء وغالبية كبار الموظفين وهم من البريطانيين كما تعرف (قدمت دائرة الميناء راتب شهر إضافي مكافأة منها للموظفين الذين بقوا في وظائفهم خلال شهر مايو "أيار"). لذلك فإني أرى أن عودتي في هذه الظروف فيها شيء من المذلة وقد أتعرض للإهانة. فرد علي قائلاً نحن يهمنا أن تكون أنت وأمثالك في مثل هذه الوظائف الحساسة فإذا ذهبتم فإنهم سيأتون بجماعة قد لا نرتاح إليهم. عند ذلك شكرته على الثقة التي أولاني إياها وقلت له على أي حال أنا ذاهب الآن وسأراقب الوضع عن كثب ثم أتخذ القرار المناسب. وودعت الجميع وانصرفت وأنا مشتت الأفكار.

ووصلت البصرة في اليوم الثاني وعلمت فيما بعد بتعيين متصرف جديد اشتهر بالشدة فأرهب الناس بالاعتقالات العشوائية التي كان يتم أكثرها بسبب وشاية حاقدة من عميل للمباحث يترصد الناس ليسمع كلمة قابلة للتطوير والتحوير فيؤلف منها تهمه تجر الأبرياء إلى السجن أو الاعتقال لكي يثبت لرؤسائه أنه يقوم بالواجب الذي أوكل إليه وهذه مصيبة المجتمعات المتخلفة التي تهضم فيها الحقوق وتداس الكرامات. لهذا قررت أن لا أخرج من البيت إلا عند الضرورة. ولكي يدرك القارئ الكريم الحالة التي أصبحت عليها البلاد وردود الفعل التي خلفتها الحركة. ما ذكره توفيق السويدي عن تلك الفترة وما بعدها في مذكراته التي أشرت إليها فيذكر في الصفحة 392 "فقد مر زمن أصبحت فيه البلاد تحت ظل احتلال عسكري، كل ذلك كان مبرراً بضرورات الحرب والضرورة الاستراتيجية التي كان الحلفاء يخصونها بأعظم الأهمية. ولكن الدولة أضاعت جميع سلطاتها وتغلغل النفوذ الأجنبي في صغيرها إلى كبيرها وكانت التعليمات تصدر من لندن ومقر الحلفاء في الشرق الأوسط والقيادة العامة في العراق وإيران والترتيبات تتخذ والحكومة تصدع بتنفيذ ما تؤمر به" (جاء ذكر القيادة في إيران وتوضيحا لذلك أود أن أذكر انه عندما هاجمت القوات الألمانية الاتحاد السوفيتي يوم 22/6/1941 اعتبر الحلفاء ذلك فرصتهم الذهبية ليتفقوا مع الروس على احتلال إيران من الشمال والبريطانيين من الجنوب والغرب وأطاحوا بحكم الشاه الذي نفوه خارج البلاد وأحلوا مكانه ابنه محمد رضا. وبذلك أصبحت المساعدات التي قدمها الحلفاء تصل إلى روسيا عبر إيران عن طريق البحر من الخليج أو من البر والجو عن طريق العراق).

هكذا حال الوضع الذي وصل إليه العراق بعد فشل الحركة فقد أصبح البلد مستقراً للاستعمار وممرا بعد أن كان يسمى (بروسيا العرب) نسبة إلى مقاطعة بروسيا في ألمانيا التي أنجبت الكثير من رجال السياسة والحرب أمثال (بسمارك) الذي وحد ألمانيا في القرن التاسع عشر.

ردة الفعل

إن المراقب لتطور الأحداث في تلك الأيام التي أعقبت فشل الحركة يشعر بردة فعل عنيفة حيث عمت البلاد موجة من اليأس والضياع تعدتها إلى خارج الحدود من البلاد العربية التي كانت تنظر للعراق كبلد انصهرت فيه الزعامات العربية وآمال الأمة العربية إلى مستقبل أفضل. وكانت أكثر الشعوب تأثراً بما حدث في العراق هو الشعب الفلسطيني الذي كان يرى في العراق وشعبه البلد الأكثر تفهما للمشاكل الفلسطينية. وأتذكر بوقتها أن الكثيرين من الأخوة الفلسطينيين اعتمروا فوق رؤوسهم اللباس العراقي (السدارة) أو الفيصلية نسبة إلى الملك فيصل الأول وهو أول من لبسها بدلاً من الطربوش التركي.

أما في الداخل فقد ظهرت ردة الفعل بفقد الثقة بالزعامة العراقية المدنية منها أو العسكرية. ويقال في هذا المجال أن أحد القادة الألمان الذين زاروا العراق أثناء المعارك ورأى الفوضى التي شملت ساحات المعركة وفوجئ بعدم وجود خرائط ميدانية وخطط الهجوم أو الانسحاب واستعدادات التموين، أصيب بالدهشة والعجب وقال لهم كيف تريدون أن تكسبوا حربا ضد دولة مثل بريطانيا قبل أن تعيدوا النظر بما عندكم من إمكانات؟ والجواب ربما كان في الكلمة التي قالها العقيد صلاح الدين الصباغ عندما سألته القيادة عن تجاوزه التعليمات وإرساله القوات التي طوقت قاعدة سن الذبان الجوية حين قال "صارت"!

تقديم الاستقالة

من العرض الذي تقدم عن الأوضاع التي سادت البلاد بعد فشل الحركة ثم وضع دائرة الميناء التي تتبعها إدارة المطار وسيطرة القوات البريطانية على جميع مرافق المواصلات في البلاد وتسخيرها لآلة الحرب. كل هذه العوامل كرهت إلى نفسي العودة إلى الوظيفة في تلك الأجواء والمعطيات الجديدة التي لم تكن مألوفة من قبل ولا كان أحد يتصورها أن تقع. ووجدت نفسي بين أمرين أحلاهما مر، الاستقالة والابتعاد عن ذلك الوضع الشاذ الذي يختلف مع المفاهيم والمبادئ التي أؤمن بها مع ضياع ذلك المركز الممتاز والراتب السخي واحتمال الاعتقال كما حدث لكثير من الأبرياء الذين امتلأت بهم المعتقلات في الفاو والعمارة وشمال العراق. لقد وصل راتبي في تلك الفترة إلى خمسة وعشرين ديناراً منذ ترفيعي عام 1940 بعد الاستثناء الذي حصلت عليه عام 1937 ولكي أعطي فكرة عن أهمية هذا الراتب في تلك الأيام أود أن أذكر ثلاثة أمثلة. أولا: أن خريجي المعاهد العالية أي حملة الشهادة الجامعية يتقاضون مرتب ثمانية عشر ديناراً إذا حالفهم الحظ في الحصول على وظيفة. ثانيا: كان المرتب الشهري لمدير بلدية الكويت مائتين روبية أي خمسة عشر ديناراً وكان يعتبر راتباً ممتازاً. ثالثا: سألني مرة أحد الأصدقاء من التجار الكويتيين كم أوفر من الراتب الشهري وكان الجواب لا شيء! فرد علي قائلا كيف لا شيء؟ قلت سألتني وأعطيتك الجواب. قال لي ما معناه يجب أن تعلم أن بعض التجار في هذه الأيام يتمنون أن تتوفر لديهم أرباحاً شهريه بهذا المستوى وقد لا يحصلون عليها. ومع كل هذا فقد وجدت أن العودة إلى الوظيفة في تلك الظروف التي ذكرتها تتنافى مع المفاهيم والقيم التي كنت أؤمن بها. وفي ظل هذه الخلفيات والأجواء المتوترة كتبت استقالتي وقدمتها مؤرخة يوم 17/6/1941 لأسباب "صحية".. ومن الواضح أن أسلوب التحدي كان في باطنها وهو تأكيد لتركي الوظيفة والتخلي عن المسئولية يوم 2/5/1941 عند بدأ القتال كما سبق وذكرت.

وبعد أيام وصلني الرد برسالة مؤرخة في 30/6/1941 بقبول الاستقالة (انظر صورة الرسالة).

وبعد كل الذي حدث بدأت الوساوس تساورني خوفا من الاعتقال الذي لم يكن مستغرباً ولا مستبعداً في تلك الظروف المحمومة التي أشرت إليها لذلك وجدت أن لا بد من الرحيل إلى البلد الذي انطلقت منه قبل عشرين عاماً في رحلة طويلة شاقة في عالم المغامرات والتحدي. نعم.. العودة إلى بلدي الكويت "بندر السلامة" كما يقول مثل أهل البحر عندنا. والى بقية أخبار الرحلة في الجزئين القادمين الثاني والثالث إن شاء الله.

الحاج محمد صالح الحميضي

كانت عائلة الحميضي ممثلة في الحاج محمد صالح الحميضي ثم في ولديه أحمد وصالح منذ عهد الشيخ مبارك الصباح حتى بداية حكم الشيخ عبد الله السالم الصباح تقوم تطوعا وبدون مقابل مقام أمين صندوق الحاكم والحفاظ على خزينة الحكومة.

وقد كانت من عادة الحاكم في تلك الأيام أن يساعد التجار بما يتوفر لديه من فائض الأموال ثم تعاد تلك الأموال المقترضة بعد انتهاء فترة المواسم التي تم الاقتراض بسببها.

فمثلاً أصحاب سفن الغوص وتجار اللؤلؤ يقترضون عند بداية الموسم ثم يعيدون تلك الأموال في نهايتها. وكذلك بالنسبة لأصحاب السفن الكبيرة الذين يتاجرون بالتمور أو البضائع الأخرى فيما وراء البحار فإنهم يقترضون مما يحتاجونه من أموال ثم يعيدونها بعد انتهاء الموسم وتصفية حساباتهم.

وكانت عائلة الحميضي تمسك سجلات مفصله لهذه القروض في وقت الدفع وفي وقت القبض وكانت تلك السجلات هي المعتمدة لدى الحاكم.

وكانت العملات المعدنية من ذهبية وفضيه ونحاسية هي المتداولة في تلك الأيام حيث لم تكن العملات الورقية قد كثر التداول بها.

لذلك فقد كانت تلك العملات المعدنية تحسب وتجمع في أكياس من الخيش فمثلا بالنسبة للروبيات الهندية فقد كان المتعارف عليه أن يحتوي كل كيس على ألفين من الروبيات وهكذا.

وكانت تلك الأكياس تكدس في غرفه خاصة داخل البيت.

وكنت منذ الصغر من الذين يترددون على بيت الحميضي بسبب صداقة الوالد مع العائلة. وكنت أشاهد عمليات الاستلام والتسليم في كثير من المناسبات. والملفت للنظر انه لم تكن هناك أي حراسه داخل البيت أو خارجه. كما اخبرني السيد محمد صالح بن أحمد الحميضي بما شاهده وسمعه من والده ومن باقي أفراد العائلة أن الأمور خلال تلك الفترة الطويلة كانت تسير بصورة طبيعية لم يعكر صفوها أي سوء تفاهم من جانب الجميع.

كما زودني الأخ محمد صالح بصور مجموعة من التحاويل التي كانت ترسل إليهم من قبل الحاكم والتي يستدل من روحها ومضمونها علاقة التعاون والتفاهم بين الحاكم ومواطنيه كما كانت تعاد المبالغ المقترضة في الوقت المتفق عليه بدون زيادة أو نقصان فالذي اقترض عشرة آلاف مطلوب منه تسديد عشرة آلاف وهكذا كانت تسير الأمور في جو من الثقة والتوادد والانسجام.

نبذة من التاريخ

نحن في بلد كالكويت، وان كنا نعيش في مظاهر حضارية متقدمة، والتي وفرتها لنا الثروات النفطية التي ظهرت بوادرها في أواخر الأربعينات، إلا أننا لازلنا كشعب وجماعات مشدودين إلى ماضينا، البعيد منه والقريب، ضمن بيئتنا الخليجية أو الصحراوية، حيث أننا منذ تواجدنا على هذه الأرض الطيبة، فان تأثرنا بعادات وتقاليد هاتين البيئتين، لازال واضحا كل الوضوح في نمط معيشتنا وحياتنا اليومية، حيث لم تستطع حياة الترف والرخاء أن تزيله أو تمحوه إلا بقدر محدود، جويا مع سنة التطور، لا سيما بالنسبة للأجيال الصاعدة من أولادنا وبناتنا، التي هي اكثر تقبلا لمثل هذا التحول في أسلوب الحياة والعادات.

وقد لا نجد لمثل وضعنا هذا شبيها في البلدان العربية الأخرى -وأنا أتكلم عن محيطنا الخليجي الصحراوي- بسبب بعد الصلة بين حاضرهم وماضيهم القبلي البعيد. فكثرة التنقل أو الحروب وفتك الأوبئة، والاختلاط بعناصر عربية وغير عربية، أثر في تركيبة تلك المجتمعات، كما أثر على عاداتها وتقاليدها وأتاح لها أن تكتسب أساليب حياتية جديدة تمشياً مع طبيعة الأشياء وسنة الحياة ولكنها ستظل تعيش ضمن إطارها العربي بقواسمه المشتركة اللغة والتاريخ والمصير الواحد وقد أقدمت على كتابة هذا البحث المختصر، مستنداً إلى بعض المراجع المكتوبة، وما تمكنت من الإطلاع عليه، سماعاً أو قراءة، مبتدئاً بمقدمة موجزه عن تاريخ الأمة العربية التي نحن جزء منها، ثم نشأة الكويت بمفهومها الحديث في منتصف القرن الثامن عشر.

من الأمور المسلم بها علميا، هو أن الظروف المعيشية والاقتصادية والسياسية، تفرض نفسها على سلوك ومصير الجماعات والأفراد على السواء منذ أقدم العصور، وذلك منذ انتقال الإنسان من حياة الكهوف والغابات الغير مستقرة، إلى حياة اكثر أمنا واستقرارا، مستفيدا من العناصر الطبيعية والمناخية التي تساعد الإنسان والحيوان على السواء في استمرارية الحياة.

والعرب هم جزء من هذا المجتمع الإنساني الكبير، قد مروا بعصور هذا التطور الطويلة، حيث أصبحت لهم مجتمعات حضارية ارتفعت إلى مستوى الدول منذ اقدم العصور، كما حصل في اليمن وشبه الجزيرة العربية وبلاد العراق والشام وذلك في عصور ما قبل الإسلام.

ثم ظهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مبشرا بالدين الإسلامي الحنيف ومصدقا لما قبله من أديان سماوية. وهكذا رسخت دعائم الإسلام وأركانه في الجزيرة العربية، ثم امتدت بعد ذلك إلى البلدان المجاورة وما بعدها.

ويذكر المؤرخ (هوجارث HOGARATH) بأن العرب الذين لم يمض على تأسيس امبراطوريتهم أكثر من مائة عام، استطاعوا السيطرة على المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غربا من بلاد الصين شرقا، كما استطاعوا دمج وصهر عناصر بشرية مختلفة، حتى أصبحت تلك الأمم جزءا من مجتمعهم بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإمبراطوريات التي سبقتهم.

ومصداقا لما قاله هذا المؤرخ، فإن التعاليم الإسلامية التي حملها المبشرون بهذا الدين الجديد، بما فيها من تسامح وعدل وحماية للحقوق. صهرت شعوبا مختلفة غير عربية، في ذلك الكيان الجديد العتيد، فان رجالا أمثال طارق بن زياد، القائد المشهور، الذي تم على يده فتح الأندلس، أو علماء وفلاسفة لا حصر لهم أمثال ابن سيناء والفارابي وعبدالله بن المقفع، أو شعراء مثل بشار بن برد والحسن بن هاني (أبو نواس)، الى آخرين كان لهم الفضل في إثراء التراث العرب الإسلامي، إلى جانب العلماء والفلاسفة العرب، وقوادهم من أمثال الكندي وابن رشد وابن خلدون وخالد بن الوليد، وغيرهم، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. وقد أجمع كثير من المؤرخين، بأن تلك النهضة أو الظاهرة العربية الإسلامية، لم تأت من فراغ، وإنما كانت لها أسس حضارية عربية كما أشرنا.

كذلك فان عرب قريش، الذين ينتمي إليهم النبي عليه الصلاة والإسلام، والذين كانت بلادهم أرض الحجاز عامة، ومكة بصورة خاصة، كانوا على درجة من الحضارة بسبب احترافهم مهنة التجارة التي تفرض عليهم السفر والتنقل والاحتكاك بالشعوب الأخرى. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مارس التجارة قبل فترة النبوة، لذلك فقد رأينا أولئك الرجال المتمرسين بأمور الدنيا، كان لهم شأن وأي شأن، في نشر الدعوة الإسلامية، ورفع راية الإيمان، وذلك عندما دخلوا في دين الله أفواجا فكان منهم الخلفاء والقواد والولاة الذين رفعوا راية الإسلام والعروبة عالية في شتى أقطار الأرض (وفي الحديث الشريف "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام")، وذلك بالرغم من قلة عددهم بالنسبة لخصومهم. حيث أثبت التاريخ قديما وحديثا، بأن القلة الملتزمة المؤمنة بأهدافها ومبادئها، تستطيع الصمود والسيطرة على الكثرة المتفسخة المنحلة. {وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} صدق الله العظيم.

وقد مرت تلك العصور الذهبية في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، إلى عهد الخلفاء الراشدين، إلى الدولة الأموية في الشام، ثم الدولة العباسية في العراق، إلى الدولة الأموية في الأندلس، ثم جاء بعد ذلك دور الانحطاط والتمزق وتفكك أوصال الإمبراطورية العربية الإسلامية، حيث رأينا كيف أن العرب والمسلمين يقاتل بعضهم بعضا، ويستنجد بعضهم بالأعداء لمقاتلة بني جلدته وأخوته في الجنس والدين، فزاد ذلك من طمع أعدائهم بهم، وطردوا من ديارهم، كما حدث ذلك في الأندلس.

ثم جاء الزحف التتري المغولي من جهة الشرق وأواسط آسيا بقيادة (هولاكو) فاحتل بغداد سنة 656 للهجرة، أي في القرن الثالث عشر الميلادي، فقتل العباد ودمر البلاد بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. وبذكر بعض المؤرخين، بأن مياه نهر دجلة اصطبغت باللون الأسود لكثرة الكتب التي ألقيت فيه، هذا غير الذي أحرق منها في البيوت ودور الكتب. وكانت تلك الأيام السود، بداية العصور المظلمة التي مرت على الأمة العربية والإسلامية.

وجاء دور الخلافة العثمانية في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، حيث دامت هذه الخلافة العثمانية التركية قرابة أربعة قرون، أي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، ثم ما تبع ذلك من استعمار غربي ونتائجه المعروفة في تقسيم الأمة العربية والإسلامية والسيطرة عليها.

ومما لا شك فيه، أن هذه الأحداث والتقلبات العنيفة التي تتعرض لها الأمم لها تأثيرها المباشر وغير المباشر على حياة الناس جماعات وأفراد، وهو ما نشكو منه حتى يومنا هذا.

لمحة عن تاريخ نشأة الكويت وتطورها

لدينا وثيقة تاريخية هامة، تحدد بداية نشأة الكويت بمفهومها الحديث أي منذ بداية القرن الثامن عشر الميلاد، وذلك استنادا إلى الخطاب الذي وجهه "علي باشا"، والي البصرة بتاريخ 21 رجب عام 1113هـ الموافق لعام 1701م. موجها إلى السلطان العثماني في اسطنبول، والذي يخبره فيه بوصول جماعة يطلق عليهم اسم "العتوب"، الى منطقة البصرة، ولم يحدد المكان بالضبط، ولكن الأرجح أنهم نزلوا بالقرب من موقع "الصبية"، كما تشير بعض الروايات المحلية، وتشير الرسالة إلى أن عدد الوافدين يقدر بحوالي ألفين بيت (أسرة) وأنهم وصلوا بسفن عددها يقارب المائة والخمسين سفينة (مركب) وعلى كل مركب مدفعان، وعلى كل سفينة ثلاثون أو أربعون رجلا محاربا يحمل بندقية. ويظهر أن حكومة اسطنبول، لم تكن مرتاحة لوجود مثل هذا التجمع القبلي الكثيف بالقرب من مدخل شط العرب، خوفا على تأثر حركة الملاحة والتجارة من وإلى مدينة البصرة، ومن المرجح بأنها أمرت الوالي بأن يطلب أو ينذر تلك الجماعة بالرحيل من المكان الذي نزلوا فيه. وهذا ما جعلهم ينتقلون عبر جون الكويت إلى المنطقة المقابلة بالقرب من حصن أو قلعة أو (كوت) حسب الاصطلاح المحلي للحصن أو المستوطن القائم عند الشواطئ. وقد نزلوا في ذلك المكان، كما تذكر الروايات المحلية، بعد الاستئذان من أمير بني خالد، وقد يكون براك بن عريعر، ومن المعروف في تلك الفترة، أن قبيلة بني خالد، كانت تسيطر على المنطقة من رأس الخليج، حتى الإحساء جنوبا. ومن الثابت، أن هذه الجماعة (العتوب) قد رحلوا من شبه جزيرة قطر نتيجة لصراعات قبلية، كما تذكر الرسالة المشار إليها. وكون هذه الجماعة تمتلك هذا العدد الكبير من السفن، فلا شك أنهم كانوا يمارسون التجارة، ولا سيما مهنة أو صناعة الغوص على اللؤلؤ لفترة غير قصيرة، مما يعطينا الدليل على أن هجرتهم من موطنهم الأصلي في نجد، قد مضى عليها فترة طويلة، لا نستطيع تقديرها بالنظر لقلة المصادر المثبوتة. كذلك لا بد وان يكون ضمن هذا التجمع "العتبي" بعض القبائل والمجموعات العربية التي كانت مستقرة على سواحل الخليج بشاطئيه، مثل عرب (الهولة) أو الحولة، وهم العرب الذين تحولوا من الشاطئ العربي إلى الشاطئ الفارسي، والذين أشار إلى وجودهم بكثرة على امتداد الساحل الفارسي، الرحالة "كارستن نيبور" في كتابه "صفة بلاد العرب"، حيث رسم خارطة للخليج، ذكر فيها أسماء المدن والقبائل، ومنها الكويت، وبقربها كلمة (القرين) وهو الاسم الأشمل للموقع ولمدينة الكويت وما جاورها (راجع الخارطة التي رسمها الرحالة كارستن نيبور عام 1765).

والشيء الأهم في بحثنا هذا، أن هذا التجمع القبلي المتآلف، استطاع في فترة خمسين عاما، أن يثبت وجوده بقوة في هذه المنطقة بأسرها، وأن يختار له أميرا، تمثلت فيه صفات الإمارة في مجال الدين والدنيا، وعهدوا إليه تدبير أمورهم وإدارة شئونهم وتسوية مشاكلهم التي ظهرت كنتيجة طبيعية لتلك الظروف الجديدة التي وصلوا إليها أو فرضت نفسها عليهم.

وعلى هذا الأساس، تم انتخاب صباح الأول أو صباح بن جابر، في عام 1752م حيث وجدت فيه تلك الجماعة الصفات المطلوبة التي ينشدونها، والتي تؤهله لأن يتولى حكمهم وقيادتهم. لقد وجدوا في صباح بن جابر الرجل المثالي لحكمهم. حيث وجدوا فيه العقل الراجح والرأي الصائب. وقد عاهدهم على أن يحكم بينهم بالعدل ومشاورتهم في أمور الدين والدنيا فبايعوه على السمع والطاعة.

وقد كانت هناك ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى هذه النتيجة.

أولها: تكاثر العدد الذي استوطن المنطقة خلال الخمسين عاما التي مرت منذ رحيلهم من شبه جزيرة قطر. ولاشك أن الموقع الجديد (القرين) أو الكويت كانت له أهمية استراتيجية خاصة وهامة بالنظر لقربه من مدينة البصرة ومصب شط العرب، لا سيما من الناحية التجارية، حيث بدأت تظهر في أوروبا نتائج النهضة الصناعية والبحث عن أسواق جديدة لتصريف تلك البضائع مقابل استيراد المواد الخام للصناعة وغيرها. واكبر شاهد على ذلك، تشكيل الشركات الكبيرة التي تساندها الحكومات مثل: شركة الهند الشرقية البريطانية، ومثيلتيها الشركة الهولندية والفرنسية. وكان ينظر إلى القرين أو الكويت كبديل عند اللزوم لميناء البصرة عند حدوث الأزمات كما تدل التقارير التي كان يرسلها ممثلو تلك الشركات لرؤسائهم.

وقد حدثت فعلا أزمة بين شركة الهند الشرقية وبين السلطات العثمانية في البصرة، بسبب خلاف على نسبة الرسوم على البضائع المستوردة والمصدرة، مما اضطر الشركة أن تنقل مكاتبها إلى الكويت عام 1793، وكان رئيس مكتبها في الكويت هو "صموئيل منستي" التي تعتبر تقاريره مرجعا تاريخيا مهما عن تلك الفترة. وبقيت مكاتب الشركة تعمل في الكويت، حيث كانت سفنها تصل إلى الميناء محملة بالبضائع التي تنقلها القوافل إلى بغداد ودمشق وحلب، وأماكن أخرى في شبه الجزيرة العربية. وبقيت الأمور كذلك حتى عام 1795، حيث عادت الشركة إلى البصرة، بعد تسوية الخلافات مع السلطة هناك.

ثانيا: ازدياد قوة هذا التجمع القبلي ومهارة أهله في فنون التجارة وصناعة السفن الكبيرة بصورة خاصة، والتي كانت تستعمل لنقل البضائع بين مدن الخليج والهند وشرق أفريقيا والبحر الأحمر.

ثالثا: انحسار نفوذ بني خالد عن المنطقة بأسرها، بسبب الخلافات والصراعات الداخلية، التي حدثت بين زعماء القبيلة، وحروبهم فيما بعد مع الحركة الوهابية التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر تظهر كقوة يحسب حسابها في المنطقة، بعد أن تم التحالف بين بيت آل عبدالوهاب وآل السعود حيت تم احتلال منطقة الأحساء مقر بني خالد، والقضاء على نفوذهم قضاء تاما.

ولا بد من الإشارة هنا، قبل ختام هذه النبذة التاريخية المختصرة، إلى كلمة (العتوب) حيث يقال أن هذه التسمية جاءت من مصطلح محلي لكلمة (عتب) أي اتجه شمالا، وكان أهل عمان والسواحل المجاورة لهم يطلقون هذه التسمية على عرب شمال الخليج وقد ترددت هذه التسمية في التقارير الأجنبية الأولى عن ذلك التجمع القبلي الذي برز على رأسه اسم ثلاث جماعات، هم آل الصباح وآل الخليفة والجلاهمة (آل النصف في الكويت هم فرع من الجلاهمة). كما تشير بذلك بعض المصادر الأجنبية والمحلية (أما الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة الوزير البحريني المؤرخ والباحث ورئيس مركز الوثائق في البحرين فيعتقد أن العتوب -أو بني عتبة- كانوا يحملون هذا الاسم منذ هجرتهم الأولى من نجد من منطقة الأفلاج قرب وادي الدواسر وهم كما يقول من جميلة وائل. كذلك فهو لا يستبعد أثناء هجرتهم إلى شبه جزيرة قطر انضمام أفخاذ أخرى لمم من عدة قبائل تحالفت معهم فزاد عددهم وتكاثر نسلهم وزادت قوتهم "من رسالة موجهة من سعادته إلى المؤلف بتاريخ 1 صفر 1401هـ الموافق 8 ديسمبر 1980" وللمزيد من المعلومات راجع ما كتبه الشيخ عبدالله في مجلة (الوثيقة) العدد الثالث - السنة الثانية التي يصدرها مركز الوثائق التاريخية في البحرين).

القناعات في الكويت

من الملاحظ أن بعض مواضيع هذا الكتاب تدور حول قصص وقضايا ذات طابع شخصي حددتها طبيعة البحث وهدف الكتاب، كما هو واضح من العنوان وبما أني ذكرت شيئا عن عائلتي الصغيرة فإني أرى من المناسب أن اذكر ما اعرفه عن العشيرة أو القبيلة التي أنتمي إليها وهي "الجناعات أو القناعات".

إن تاريخ تواجد الجناعات أو القناعات على ارض القرين أو الكويت وفقا للوثائق المكتوبة والأدلة الملموسة الثابتة، تشير إلى تواجد هذه الجماعة في القرين أو الكويت قبل اكثر من مائتي عام. ونظرا لندرة الوثائق المكتوبة في تلك الأيام، فمن الصعب الجزم بتاريخ تواجدهم في هذا المكان، وهل هم كانوا ضمن المجموعة العتبية التي جاءت إلى المنطقة كما ذكرنا، أم أنهم كانوا فيها قبل ذلك. وكما أشرنا قبلا، فان المنطقة لم تخلو من السكان منذ أقدم العصور، حتى أن الرحالة الدنماركي الألماني الأصل "كارستون نيبور"، و كان جغرافيا ورساما بارعا، الذي رسم خارطة الخليج عند زيارته للمنطقة عام 1765، وذكر اسم الكويت والقرين على نفس المكان، وأشار إلى (خرائب الجهراء) وهذا ما يدل على أنها مدينة قديمة كانت آهلة بالسكان، وربما هجرها أهلها إلى مكان آخر قريب لسبب من الأسباب، مثل الحروب أو الأوبئة مثل الطاعون الذي كان يعاود هذه المنطقة بين حين وآخر، ويقضي على معظم السكان. والجهراء والكويت أو القرين أسماء لمسمى واحد والذي يدل على المنطقة وما جاورها. وهناك من يقول أن كاظمة هي الجهراء.

إن من يمر على المنطقة التجارية باتجاه البنك المركزي، سيرى على يساره إذا اتجه غربا، مسجدا يسمى (مسجد سرحان) نسبة إلى مؤذنة وإمامه المسمى سرحان، وسيرى المار أمام باب المسجد قطعة من الرخام مكتوب عليها بأن "هذا المسجد أسسه ياسين الجناعي سنة 1199هـ"، والظاهر أن ياسين هذا كان على جانب من الثراء، وقد كتب عنه الشيخ يوسف بن عيسى، وذكر أنه يملك آبارا للماء العذب في طريق الجهراء، ومروي آخر بالقرب من الشامية، ومحل آخر جنوب غربي كاظمة، يسمى (قصر ياسين)، ثم يذكر عن بيته فيقول، أنه البيت الذي يملكه (الآن) فاضل بن سليمان الدعيج، أما نسله، فذكر الشيخ يوسف، أنه لم يبق منهم أحد سوى امرأة عجوز-نقلا عن كتاب صفحات من تاريخ الكويت- فمن تاريخ إنشاء هذا المسجد قبل أكثر من مائتي عام، يتبين لنا أن ياسين الجناعي قد عاصر عهد الشيخ صباح الأول، الذي يعتقد انه توفي في عام 1762م-1176هـ.

كذلك يذكر الشيخ يوسف عن مخطوطة عثر عليها، وقد اطلعت عليها أنا شخصيا وصورت الصفحة الأخيرة منها، وهي بخط أحد أبناء الجناعات، الذي ختم الكتاب أو المخطوطة بهذه العبارة "تم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه على يد الفقير عثمان ابن علي ابن محمد بن سري الجناعي نسبا والشافعي مذهبا والقرين مولدا وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمدا وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين". وقد علق الشيخ يوسف على بعض صفحات الكتاب كقوله "عثمان كاتب هذا الكتاب هو أخو جدنا الثالث، وهو سلمان بن علي بن محمد بن سري، وجدنا الثاني هو حسين وجدنا الأول هو محمد. كتبه يوسف بن عيسى بن محمد بن حسين بن سلمان بن علي بن محمد بن سري القناعي في 19 ذي الحجة سنة 1347هـ".

ومعنى هذا، أن عثمان الذي ذكر مكان مولده في القرين، أي قبل أن تغلب التسمية الحالية (الكويت) ويعتقد الشيخ يوسف أن مولد عثمان هذا كان سنة 1180 هـ. أي أنه عاصر فترة حكم الشيخ عبدالله الأول، أما تسمية (القرين) للكويت، فقد كانت متداولة حتى أيام الشيخ عبدالله بن صباح، كما ورد ذلك في تقارير شركة الهند الشرقية وعلى كثير من الخرائط التي رسمت في تلك الأيام.

والسؤال المهم الآن، هو من أين أتى الجناعات أو القناعات؟ وعلى ضوء ما ذكرت سابقا، فليس من السهل تتبع مسيرة الجناعات أو غيرهم في ذلك الماضي البعيد والتاريخ المجهول بالنسبة للمنطقة التي كانت ترزح تحت وطأة الجهل والتخلف وفي وقت شحت فيه المصادر المكتوبة. لذلك، فان الباحث عندما تقع يده على شيء مكتوب يعود إلى تلك الفترة التي اكتنفها الغموض، فكأنه قد عثر على كنز لا يقدر بثمن، بالنظر لأهمية تلك المعلومات المدونة في تاريخ الشعوب والأفراد على السواء.

وللإجابة على السؤال حول (الجناعات) ومن أين أتوا، فأود أن أذكر الآتي:

أولا: ثبت وجودهم في القرين أو الكويت منذ بداية تأسيسها في مطلع القرن الثامن عشر، كذلك فان منازلهم في وسط المدينة، وبالقرب من منازل الأسرة الحاكمة (آل الصباح) تؤكد ذلك بما لا يدع مجالا للشك. حيث أن موقع الحاكم كان أهم مكان في المدينة.

ثانيا: توجد مجموعة منهم في منطقة الوشم في نجد، ينتمون إلى قبيلة السهول وهم موجودون حتى يومنا هذا، ومن الأشخاص الذين جاء ذكرهم في الماضي هناك، محمد بن بناق الجناعي، وابن عمه محمد بن أحمد الأيوب الجناعي الذي رحل إلى الكويت واستقر بها، وله أحفاد وأقارب كثيرون على قيد الحياة. لذلك فمن المرجح أن تكون هجرتهم الأولى من نجد كما حصل لغيرهم حيث أن شبه جزيرة العرب هي المنطلق لجميع الهجرات العربية ما ابتعد منها أو اقترب.

ثالثا: في البصرة كانت تسكن جماعة في منطقة كتيبان، وهو اسم لفرع صغير من شط العرب، يقع شمال البصرة قبل اكثر من مائة عام، ولم يبق منهم أحد الآن، كما توجد جماعة منهم في منطقة المناوي الى الجنوب من البصرة ولا يزال بعض أحفادهم هناك.

ويذكر الشيخ يوسف بن عيسى في كتابه صفحات من تاريخ الكويت، أن سالم البدر وهو عم الوالد انتقل إلى البصرة سنة 1277هـ. وكان وكيلا ومعتمدا لآل الصباح، ثم خلفه بعد وفاته في هذا المنصب ابنه عبد العزيز، الذي ظل يشغله حتى أيام المرحوم الشيخ أحمد الجابر. وسالم البدر، هو شقيق جدنا سليمان بن بدر بن محمد بن بدر الجناعي (في تقرير كتبه المستر جونسون الوكيل البريطاني في البصرة بتاريخ 24 أبريل 1866 يذكر فيه أن حاكم الكويت الشيخ صباح بن جابر أرسل ابنه وولي عهده عبدالله إلى البصرة للنظر في خلاف وقع بين عائلة آل الصباح وعائلة الزهير حول ملكية بساتين نخيل في الصوفية وانه بعد وصول الشيخ عبدالله إلى البصرة ومراجعة السراي -دار الحكومة- صدر الأمر بإلقاء القبض عليه وإيداعه في السجن حتى تتم تسوية القضية مع عائلة الزهير. ثم يقول التقرير أن سالم بن بدر وهو تاجر له نفوذ بالمنطقة ومن أبناء الكويت عرض بان يكفل عبدالله بنفسه حتى لا يتعرض لمهانة السجن - راجع كتاب الدكتورة فتوح عبدالمحسن الخترش - التاريخ السياسي للكويت في عهد مبارك - وهو عبارة عن ترجمة لبعض التقارير البريطانية - الطبعة الأولى 1985 - مطبوعات جامعة الكويت).

رابعا: يذكر الشيخ يوسف عن تواجد الجناعات في الزبارة والبحرين، ولا استبعد أن جناعات البحرين رحلوا إليها بعد الخراب الذي حل في الزبارة. وبهذه المناسبة، لا بد من ذكر نبذة عن الزبارة، التي هي اسم لموقع في الشمال الغربي من شبه جزيرة قطر، وكانت لهذا المكان أهميته بالنظر لتوسطه بين مغاصات اللؤلؤ، حيث كانت صناعة الغوص وتجارته تمثل العمود الفقري لاقتصاد الخليج في تلك الأيام، وقد برزت أهمية هذا الموقع عندما رحل إليه من الكويت آل الخليفة أجداد أمراء البحرين الحاليين ومعهم بعض العائلات الكويتية، وذلك في عام 1766م. أي بعد تولي حاكم الكويت الثاني عبدالله بن صباح، الحكم، بحوالي أربع سنوات، حيث من هذا المكان انطلق آل خليفة وجماعتهم، واحتلوا البحرين في سنة 1782-1783م.

وقد اشتهر هذا الموقع السكني كمركز استراتيجي وسط الخليج، وكسب شهرة واسعة في مجال التجارة بسبب قربه من البحرين وسواحل الاحساء ومدنها. وقد ازدادت أهمية المدينة بعد حصار البصرة من قبل الفرس عام 1775م. ثم احتلالها لمدة ثلاث سنوات من 1776 إلى 1779م إلى أن طردتهم منها القوات التركية بالتحالف مع بعض القبائل العربية، وخلال تلك الفترة العصيبة التي حلت بمدينة البصرة، اضطر الكثير من القادرين من أهلها وتجارها إلى الرحيل عنها إلى مدن الخليج مثل الكويت والزبارة.

ومن بين التجار الكويتيين الذين ذاع صيتهم في الزبارة، التاجر المسمى رزق وابنه أحمد، حتى أن أحد شعراء ذلك العصر وهو عثمان بن سند، نظم ديوانا شعريا يمدح فيه أحمد بن رزق، سماه "سبائك العسجد في أخبار أحمد نجل رزق الأسعد". وبقيت المدينة عامرة بتجارتها قرابة نصف قرن، حتى هاجمها سلطان مسقط ودمرها، وذلك في سنة 1810-1811م، فتشتت شمل أهلها فمنهم من هاجر إلى البحرين أو الكويت أو البصرة، ولا أشك في أن الجناعات في البحرين، هم من الذين رحلوا إليها من الزبارة. وعن تواجد الجناعات في الزبارة، يذكر الشيخ يوسف في كتابه المشار إليه فيقول بالنص "اخبرني صالح بن إبراهيم بن صالح السداني عن والده عن جده صالح، وهو من أصحاب الشيخ أحمد بن رزق، وكان في معيته، يقول نحن جيران القناعات في الزبارة وفي البحرين وفي الكويت، ويقول لما خربت الزبارة، كان من القناعات من هاجر إلى البحرين ومنهم من هاجر إلى سري، وهي جزيرة في الخليج العرب، ثم لم تطب لهم السكنى فيها، فهاجروا إلى فارس، وبيت بن سياب من الذين هاجروا إلى فارس ثم عادوا إلى الكويت منذ مائة سنة تقريبا".

الخلاصة

وكما أشرت سابقا، فليس من السهل على الباحث المتجرد من العاطفة والتحيز، والذي هدفه تقصي الحقائق المجردة، أن يرى الطريق أمامه ممهدا إذا ما أراد البحث في مثل هذه الأمور التاريخية وأشباهها، بالنظر لقلة المصادر، ولأن المنطقة بأسرها مرت في فترات طويلة مظلمة ساد فيها الجهل والدجل والتعصب والادعاءات التي لا يمكن أن تصمد أمام البحث العلمي النزيه. وبسبب تلك الفترة المظلمة، تأثرت عقول الناس بأشياء لا تمت إلى الواقع بصلة. ولهذا، فان أي شيء مكتوب ومؤرخ، يعثر عليه الباحث، تكون له قيمته الهامة في سجل الأحداث. ففي تلك الأيام المظلمة، قل من تجده يحسن القراءة أو الكتابة، ولولا تأثر الناس بالدين، وحرصهم على تعليم أولادهم قراءة القرآن الكريم، لكانت المصيبة اعظم. ومع كل هذا، فقد كان ذلك النوع من التعليم، قاصرا على طبقة من الناس، سمحت لهم ظروفهم بتعليم أولادهم ذلك النوع من التعليم، وهو حفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة وشيء يسير من علم الحساب. أما غالبية الناس، فكانت تعيش في لجة من الجهل المطبق والأوهام والخزعبلات.

وأود العودة هنا إلى موضوع الجناعات أو القناعات، فأقول من باب الاجتهاد والاستنتاج المبني على المنطق والمتشابهات، أنهم بوضعهم الحاضر ينتمون إلى عدة بيوت أو عائلات، وربما أن الصلة قد توثقت بين هذه البيوت ليس فقط عن طريق النسب، بل عن طريق المصاهرة، تم انضوت هذه البيوتات فيما بعد تحت اسم العائلة أو القبيلة الواحد، وهذا ليس بالشيء المستغرب بالنسبة لكثير من العائلات والتجمعات في المنطقة وغيرها.

كذلك، أود أن أشير بأن الجناعات وليس القناعات، كما وردت في كتاب الشيخ يوسف بن عيسى، هي الكلمة المذكورة في الأوراق القديمة العائدة للعائلة أي الجناعات بدلا من القناعات، وهذا مصطلح جرى عليه عرب المنطقة في قلب القاف إلى جيم، كقولهم: جاسم بدلا من قاسم، وعبدالجادر بدلا من عبدالقادر. كذلك أود أن أشير هنا إلى ظاهرة تتعلق بتلك الأيام، وبساطة الحياة، وسهولة الانتقال، حيث لا حدود ولا قيود بالنسبة للأفراد أو الجماعات على حد سواء.

وللإنسان العربي طبائع وعادات خاصة به، أملتها عليه ظروفه التي تأثرت بعوامل جغرافية وتاريخية.

ومن هذا المنطلق، أصبح الإنسان العربي واحدا من اثنين إنسان رحل بمفرده أو جماعته إلى المدن القريبة من الأنهار أو البحر ذات الطابع الحضاري المستقر نسبيا، فاندمج بالمجتمع الجديد ومارس مهنة لم يكن له عهد بها من قبل مثل الزراعة وتعلم الحرف أو ركوب البحر، كما حدث في موانئ الخليج، ثم بدأ شيئا فشيئا يبتعد عن عادات الصحراء وتقاليدها وأصبح ولاؤه للأرض والوطن والأمة بدلا من الولاء للقبيلة خلافا لذلك البدوي غير المستقر، المتنقل طلبا للماء والمرعى، والذي ألف المخاطر وأصبحت شيئا من حياته، كما ألف حياة التقشف والحرمان، ولكن ظل محافظا على أهم شيء لديه وهو انتسابه لقبيلته التي يفاخر بها، وينظم الأشعار والقصائد في مدحها وقد يتعدى ذلك إلى الطعن بأنساب خصومه، والأشعار في هذا المجال كثيرة ومعروفة منذ العهد الجاهلي، بالرغم من تصدي الدين الإسلامي لها، كما أشارت بعض الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. وهكذا ظلت عادة المفاخرة بالأنساب باقية بقاء الصحراء ومنذ بداية هذا القرن، حدث تطور في المجتمعات العربية، لا سيما بعد انتعاش الكثير من المدن وزيادة وسائل الرخاء والترفيه فيها، بسبب ما أصابها من ثروة بعد اكتشاف البترول، لا سيما في منطقتنا، فكثرت الهجرة من البادية إلى المدن، كما نمت ونشأت مدن جديدة في قلب الصحراء، وتهيأت فيها كل الوسائل الحضارية من مدارس ومستشفيات وغيرها من متطلبات المدن الحديثة. ولذلك بدأ ارتباطه بالقبيلة يتراخى شيئا فشيئا كما حدث لأسلافه في الماضي حيث بدأ ينتمي لمجتمع أوسع واكبر يضمن له العيش الكريم ودولة تحميه عوضا عن حماية القبيلة. وتوجب عليه أن يدين لها بالولاء والإخلاص وعلى قصر هذه المدة، فقد حدث تطور سريع في حياة الأفراد وأساليب المعيشة بسبب تغير نمط الحياة وكثرة الأسفار وانتشار المعاهد العلمية ووسائل الإعلام مما توجب عليه اكتساب عادات ومفاهيم جديدة. وعلى ذكر الانتماءات القبلية، أود أن أشير إلى ما اطلعت عليه مؤخرا في كتاب حول هذا الموضوع واسمه "المعجم الجغرافي - للبلاد العربية السعودية - بلاد القصيم - القسم الأول، بقلم محمد ناصر العبودي - منشورات دار اليمامة بالمملكة العربية السعودية"، حيث جاء في الصفحة 155-151 من الكتاب ما نصه (ومن الصعب إرجاع أصول القبائل العربية المعاصرة إلى القبائل البدوية القديمة، وذلك أن بعض القبائل العربية القديمة قد انتهى اسمها من القصيم حتى لا يعرف إلا من ينتسب إليها من أهل الحضر المقيمين فيه في الوقت الحاضر مثل بني أسد وبني عبس. إضافة إلى ان بعض القبائل العربية قد هجرت مواطنها القديمة ودخلت في قبائل أخرى، حتى نسي اسمها، وذلك أمر طبيعي في الجزيرة العربية إبان عهود الفوضى والصراع على المرعى والاحتفاظ بالماشية، حيث لا يكون الفوز إلا للقوي، أما الضعيف، فانه يفقد حقه. لذلك تشعر بعض القبائل البدوية، أو الأفخاذ من قبيلة ينفصل عنها ذلك الفخذ لسبب من الأسباب، انه لا بد لها لكي تحافظ على انفس أفرادها وأموالهم من أن تنضم إلى قبيلة أخرى قوية، توفر لها الحماية. وقد تكون للهجرة إلى الأقطار الخصيبة المجاورة، كالعراق والشام، دخل في نسيان اسم فخذ من قبيلة من القبائل، إذ تهاجر بعض القبائل ويبقى بعضها لسبب من الأسباب، فيضطر البعض في سبيل أن يحمي نفسه إلى الدخول في قبيلة أخرى. ومن المعلوم والجاري على سنة تكاد تكون ثابتة أن هجرة القبائل العربية تأتي من اليمن إلى الحجاز، ثم إلى نجد، ثم تذهب إلى البلاد الخصيبة في الشام والعراق. وقد تأتي بناء على هذه القاعدة جماعات من تلك الجهات، لا تبلغ من القوة أن تكون بنفسها قادرة على حماية نفسها، فتدخل في اسم إحدى القبائل، وينسى الناس اسمها القديم. لذلك يصعب القول بأن القبيلة الفلانية في العصر الحاضر، كانت تسمى باسم كذا عند ظهور الإسلام). انتهى ما جاء ذكره في الكتاب أعلاه بالنص.

من هم العرب

هناك سؤال لا يزال يتردد على لسان بعض العرب أو غير العرب، والسؤال هو من هو "العربي" أو من هم "العرب"؟ وقد كثر هذا التساؤل بصورة ظاهرة في بداية القرن التاسع عشر، بسبب التفتح الذي شمل العالم وبسبب انتشار وسائل العلم والمعرفة وسهولة المواصلات بالنسبة لما كان عليه الحال قبل ذلك. ومما زاد في هذا الاتجاه ظهور القوميات والتعصب لها، لا سيما بالنسبة لتلك الشعوب الضعيفة المستعمرة من قبل الشعوب الأقوى، كما حصل مثلا في أوروبا بالنسبة للشعوب التي كانت تخضع للنفوذ التركي العثماني -دول البلقان بصورة خاصة- بسبب الفوارق الدينية والعرقية بين الحاكم والمحكوم.

أما بالنسبة للدول العربية، فقد وقع معظمها في قبضة الاستعمار الغربي بعد فترة الحكم التركي العثماني. وبدأ هذا الاستعمار يبث التفرقة بين بلدي عرب وآخر، أو بين جماعة وأخرى، على نظرية "فرق تسد".

وقد مهد لهذه الحملة بعض المستشرقين، الذين سخرهم الاستعمار الغربي لخدمة أغراضه الاستعمارية، فجاءوا بفكرة "العرب" و"الناطقين باللغة العربية"، ومعنى هذا بأن هناك عرب، وان هناك غير عرب ولكنهم يتكلمون اللغة العربية. وبمجرد وقفة تأمل قصيرة أمام هذه المصطلحات، نستطيع أن ندرك الغاية البعيدة منها، وهي تفكك وزعزعة كيان الأمة العربية، حتى لا تقوم لها قيامة، وبذلك يسهل حكمها وتستغل خيراتها، كما ثبتت الأيام ذلك.

ومما يؤسف له، أن مثل هذه النظريات والأفكار، لاقت هوى عند بعض الأقليات في المجتمعات العربية، لا سيما عند بعض أدبائهم وكتابهم، فألفوا الكتب، وحرروا المقالات في الصحف، وكلها تضرب على هذا الوتر، وتر "العرب" و"الناطق باللغة العربية"، حيث أن تلك الإيحاءات أثارت عندهم المخاوف والشكوك. وأحد الأمثلة على ذلك في تلك الأيام، ما حدث في لبنان من مذابح ومآسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت نتيجتها أن حصلت الدول الغربية الكبرى على امتيازات خاصة في لبنان من الدولة العثمانية، بحجة حماية ورعاية تلك الأقليات.

ومع كل ما حدث من أساليب التضليل والتخويف، فان كثيرا من الكتاب العرب تصدوا لأصحاب تلك الفتن ومثيريها، ومن أولئك الرجال، العلامة العربي الأستاذ ساطع الحصري، عن طريق الخطب في الندوات أو الكتابة بالصحف، وفي تأليف الكتب، ومنها كتابه الذي عنوانه "العروبة بين دعاتها ومعارضيها"، فقد ذكر في ذلك الكتاب بالنص "اما أنا فلا أرى أي وجه لمثل هذه الأسئلة لأني لا اعرف أي مبرر كان للتمييز بين (الشعب العربي) و(الشعوب التي تنطق بالعربية) فإني اعلم علم اليقين، أن الأبحاث العلمية برهنت برهنة قاطعة، على انه لا يوجد على وجه البسيطة شعب منحدر من أصل واحد حقيقة". ثم يقول "وأما محاولة التمييز والتفريق بين "العرب" و"الناطقين بالعربية"، أي ARABE وبين ARABOPHONE حسب تعبير الفرنسيين، فهو من وسائل التضليل والتفرقة التي كثيرا ما يلجأ إليها الكتاب المستعمرون".

ثم يذكر في مكان آخر في الكتاب المذكور، "في تشبيه الأمم بالنهر الكبير التي تتكون مياهه من عدة روافد وعيون كلها تسير وتجري في ذلك النهر الكبير وتصبح جزءا من مياهه وتسمى باسمه"، ثم يضيف "أن أحوال الأمم ومنابعها تشبه ذلك شبها كبيرا. إن الإنجليزي المثقف لا يعرف ما إذا كان بينه وبين شكسبير أو نيوتن أو ميلتون رابطة أهل ونسب، ومع ذلك فانه يعتبر هؤلاء أجدادا له وأسلافا، ويفتخر بهم اكثر مما يفتخر بأجداده الحقيقيين. وكذلك الفرنسي المثقف، فانه لا يتساءل عما إذا كان مجري في عروقه حقيقة شيء من دم شارلمان او راسين او فولتير، ومع هذا فهو يعتبر هؤلاء كلهم أجدادا له وأسلافا يعتز بهم اكثر مما يعتز ببني أسرته الأقربين. فيجدر بنا نحن العرب أيضا، أن نحذو حذو هؤلاء، قد لا نعرف ما إذا كان يربطنا شيء من أواصر القرابة والنسب بسعد بن أبي وقاص مثلا، أو خالد بن الوليد، أو بن الهيثم، أو أبي العلاء المعري ولكننا مع ذلك، يجب أن ننتسب الى هؤلاء والى أمثالهم، ونعتبرهم أجدادنا المعنويين، ونفتخر بهم اكثر مما نعتز ونفتخر بأبناء أسرنا الحقيقيين".

ولا شك أن ما جاء أعلاه من كلام العلامة الأستاذ الحصري، يشتمل على الجواب الأمثل في التصدي للمحاولات والدسائس التي لازالت مستمرة في بث بذور التفرقة والشقاق في كيان الأمة العربية، من اجل بعثرة طاقاتها وتجزئتها، وذلك في تشكيك بعض البلاد أو الفئات في انتماءاتهم العربية.

فالعروبة بمعناها الصحيح هي رابطة التاريخ والثقافة واللغة الواحدة والمصير المشترك أما وحدة الدم فلا وجود لها كما يقول علماء الأجناس ليس بالنسبة للعرب فحسب بل بالنسبة لجميع شعوب الأرض وذلك بسبب اختلاط الدماء بالتزاوج. والعرب كغيرهم مثل بقية الشعوب لا سيما بعدما انتشروا في ارض الله الواسعة بعد ظهور الإسلام حيث اختلطت دمائهم بدماء مختلف الشعوب.

وما نشاهده هذه الأيام، مع الأسف الشديد، من نزاع بين بلد عربي وآخر أو بين جماعة عربية وأخرى، إلا الدليل على عدم إدراكنا للمأساة التي تم التخطيط لها منذ زمن بعيد، وكأننا سائرون على الطريق الذي يتمناه لنا الخصوم والأعداء فإلى الله المشتكي وهو الهادي إلى سواء السبيل.

أهم محتويات الجزء الثاني

1941-1961

بعد العودة إلى الكويت، السفر إلى لبنان. الزواج. الاشتغال بالأعمال الحرة. نهاية الحرب العالمية الثانية، السفر إلى الهند. أمريكا تنهي الحرب مع اليابان بالقنبلة الذرية. أول شحنة نفط من الكويت وبداية عصر النفط. بريطانيا تستعد للانسحاب من شبه القارة الهندية. مشروع تقسيم فلسطين. الحرب في فلسطين. وفاة الشيخ أحمد الجابر وتولي الشيخ عبدالله السالم. مصدق في إيران وتأميم النفط الإيراني. مجابهة الشركات الاحتكارية له وسقوطه. شركات النفط توافق على تقسيم الأرباح بين المنتجين، الثورة في مصر والإطاحة بحكم الملك فاروق. تأسيس أول بنك وطني في الكويت. الشركات الخمس في الكويت والجنرال هيستد. العودة إلى الوظيفة في معارف الكويت. انتخاب المجالس واستقالتها، تأسيس اللجنة التنفيذية العليا. الجريدة الرسمية. المطرة الهدامة وتشكيل لجنة لمساعدة المتضررين من الأمطار. الثورة الجزائرية. تشكيل دائرتي المطبوعات والنشر والشئون الاجتماعية، صحافة الكويت في الخمسينات. حلف بغداد. تأميم قناة السويس والحرب بعدها. إنشاء مطبعة للحكومة. الإتحاد بين مصر وسوريا. الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن. الوصي على عرش العراق عبدالإله يدعو الشيخ عبدالله السالم لزيارة العراق. ثورة 14 تموز. استكمال استقلال الكويت وإلغاء معاهدة 1899. عبدالكريم قاسم يفتعل أزمة مع الكويت. الكويت تستدعي القوات البريطانية. قبول الكويت كعضو في جامعة الدول العربية. إنعقاد مؤتمر الإعلام العربي في القاهرة برعاية الجامعة العربية وحضور الكويت لهذا المؤتمر. ضم الإذاعة إلى دائرة المطبوعات والنشر وإجراء التجارب على البث التليفزيوني.

أهم محتويات الجزء الثالث

1962 1971

تشكيل الوزارات في الكويت. مؤتمر الإعلام التابع لجامعة العربية يعقد في المبنى الجديد لوزارة الإرشاد والأنباء -المطبوعات سابقا-. المجلس التأسيسي والدستور ومجالس الأمة. ثورة في اليمن الشمالي والإطاحة بالإمام البدر. انفصال سوريا عن مصر. تأزم الأوضاع في عدن. تشكيل لجنة المساعدات. الإطاحة بحكم عبدالكريم قاسم في بغداد. الكويت عضو في الأمم المتحدة. مؤتمرات القمة وتشكيل لجنة تابعة للجامعة العربية لمساعدة إمارات الخليج. اللجنة تبدأ بزيارة الخليج بناء على توصية من مؤتمر القمة. الملك فيصل يتولى زمام الحكم في المملكة العربية السعودية. عزل الشيخ صقر بن سلطان القاسمي من إمارة الشارقة. الشيخ زايد يتولى الحكم في أبو ظبي. حرب الأيام الستة ومؤتمر الخرطوم. انسحاب القوات المصرية من اليمن. دور الكويت في إنهاء الأزمة بين البحرين وإيران. السلطان قابوس يتولى الحكم في عمان. الكويت تحاول التوسط بين السلطان قابوس والإمام غالب. انسحاب القوات البريطانية من الخليج وإنهاء معاهدات الحماية. مساهمة الكويت والسعودية في قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. إيران تحتل الجزر العربية الثلاثة في الخليج منتهزة فرصة رفع الحماية البريطانية.

******************

************

******