بسم الله الرحمن الرحيم
إهــــداء
يسعدني ويشرفني أن أهدي هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة إلى جميع المخلصين الأوفياء من أبناء هذا الوطن العزيز، الصغير بحجمه، الكبير بأمانيه وتطلعاته البناءة.. وأهدافه النبيلة، وإلى كل الساعين إلى خدمته والحفاظ على عزته وكرامته، وعلى رأس الجميع حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح وسمو ولي عهده الأمين، الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، حفظهما الله وحفظ الكويت من كل سوء ومكروه.
المقدمـــة
قد تمر على كثير من الناس أمور وحوادث لها أهمية تاريخية ذات شأن سواء بالنسبة للأفراد أو الجماعات، وحتى البلاد، قد يراها البعض في وقتها أنها أحداث عادية لا تستحق الاهتمام ولكن سرعان ما تأخذ تلك الأحداث مكانتها من الأهمية مع مرور الزمن لا سيما عند طبقة الباحثين والدارسين المهتمين بتسجيل الأحداث ومتابعتها، والأمثال على ذلك كثيرة.
ومن هنا تبرز أهمية التدوين وتسجيل تلك الأمور بأوقاتها، أو بعد فترة طبقاً للظروف وطبيعة تلك الأحداث، وكلما توسعت مدارك الإنسان واقترب من مرحلة النضوج الفكري والحضاري تزايدت عنده الرغبة في الاطلاع على خفايا الماضي، وإذا كان التاريخ يعيد نفسه كما يقولون فما أحوجنا إذن للسعي وراء معرفة ذلك التاريخ واستخلاص العبر منه.
لقد ظهرت عندي الرغبة والاهتمام بدروس التاريخ في المراحل الأولى من أيام دراستي في مدارس البصرة حيث كانوا يدرسوننا التاريخ العرب قبل الإسلام وبعده وأذكر جيداً كيف كان الأستاذ يشرح لنا تفاصيل ثورة الشريف حسين بن علي ضد الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى وكان التركيز على هذا الموضوع واضحاً حيث إن الملك فيصل الأول بن الحسين كان ملكاً على العراق في ذلك الوقت، ولهذا أعطى موضوع الثورة أهمية خاصة تمشياً مع سياسة الحكم الهاشمي في العراق وأذكر أني في أحد الامتحانات كتبت عن هذا الموضوع أربع صفحات من الحجم الكبير وحصلت على درجة عالية وكان عمري في ذلك الوقت لا يتجاوز الثالثة عشرة.
وعلى العموم لقد كانت في العراق في منتصف العشرينات صحوة عربية عجيبة جاءت كردة فعل للحكم التركي الذي دام قرابة أربعة قرون، حيث كانت الأناشيد العربية الحماسية التي نظمها شعراء عرب أمثال الرصافي وكنا نرددها صباح مساء كما كنا نقرأ عن مساوئ الحكم التركي وعن جمال باشا السفاح الذي أعدم أحرار سوريا ولبنان، والأشعار التي قيلت في رثائهم. كما أذكر ما كان يحدثنا به الأساتذة عن الحركة الصهيونية ووعد بلفور وأخبار المظاهرة، التي سارت في بغداد في ذلك الوقت بمناسبة الهجرة الصهيونية ووعد بلفور والتي سار في مقدمتها شابان أحدهما عراقي اسمه يوسف زينل والثاني لبناني واسمه محيي الدين النصولي وهو من عائلة معروفة في بيروت وأظنه كان مدرساً في إحدى مدارس بغداد. وقد اعتقلت الشرطة بعض المتظاهرين ومن بينهم هذان الشابان ونفتهم إلى الفاو في جنوب البصرة. ولا شك أن ذلك الاعتقال والنفي كان بوحي من السلطات البريطانية
(لقد وقعت تلك الحوادث في عام 1927 عندما كان العراق تحت الانتداب البريطاني الذي استمر حتى عام 1932 عندما أصبح العراق عضواً في عصبة الأمم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى والتي حلت محلها هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية).
وكما كانت هناك نهضة عربية فقد كانت هناك أيضاً صحوة تحرر ورغبة في حكم ديمقراطي، وكان الملك فيصل يعتبر ملكاً دستورياً، لذا كان هناك مجلس نيابي وكان النواب فيه ينتخبون انتخاباً على النظام الثانوي بالنظر لظروف العراق في ذلك الوقت. ومع أن غالبية النواب كانوا من رؤساء العشائر وأصحاب النفوذ إلا أنه كانت في البرلمان معارضة قوية يتزعمها رجال اتصفوا بالنزاهة وكانوا على مستوى عال من الثقافة والنضوج، أمثال ياسين الهاشمي وجعفر أبو التمن وتوفيق السويدي وغيرهم.
ومن الغريب أن بعض التقارير البريطانية في تلك الأيام كانت تشير إلى أن الملك فيصل كان يشجع المعارضة لاستخلاص ما يمكن الحصول عليه من السلطة البريطانية التي كانت لها الهيمنة على العراق في ذلك الوقت. وعلى ذكر المعارضة فإن عبدالمحسن السعدون الذي كان رئيساً للوزراء في أواخر العشرينات أقدم على الانتحار وقد ذكر في رسالة وجهها إلى ولده قبل انتحاره نشرتها الصحف العراقية في وقتها يذكر فيها الأسباب التي دعته للانتحار ومنها المعارضة القوية التي كانت تطالب بوقف تدخل الإنجليز في شئون البلاد وكتب يقول "الشعب يريد والإنجليز لا يوافقون"
(كان انتحار عبدالمحسن السعدون في الثالث عشر من شهر نوفمبر "تشرين الثاني" 1929).
أعود إلى صلب الموضوع فأذكر أني أدركت أهمية التدوين وتسجيل الأمور الهامة في إحدى زياراتي إلى مدينة لندن وذلك في صيف 1959، ولندن غنية عن التعريف بآثارها ومتاحفها وثروتها العلمية، التاريخية حتى لقد ذكر أحد العارفين بقيمة تلك الآثار فقال "إذا كانت بريطانيا قد فقدت مستعمراتها فيما وراء البحار والتي كانت كما يقولون لا تغرب عنها الشمس فإنها أي بريطانيا قد كونت لها ثروة عظيمة لا تقدر بثمن من الكتب والمخطوطات والتحف لا مثيل لها في أي بلد من بلدان المعمورة".
أقول لقد زرت بعض تلك الأماكن في ذلك العام بصحبة الدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة والذي كان يحضر لنيل شهادة الدكتوراه وقد سبق له التدريس في الكويت. وقد تعرفت عليه عن طريق كتاباته عن الخليج في بعض الصحف المحلية ومنها مجلة العربي علما بأن الرسالة التي كان يحضر لها كانت تتعلق ببعض شئون الخليج العربي.
وكان لقائي الأول معه في لندن حيث زرنا بعض المعاهد التي كان يستمد منها معلوماته مثل مكتبة الهند والمتحف البريطاني حيث كانت تلك المعاهد تزخر بمختلف الوثائق المتعلقة بشئون الخليج منذ بداية نشاط شركة الهند الشرقية في أوائل القرن السابع عشر. وكما هو معروف فإن لتلك الشركة تاريخاً حافلاً بترسيخ النفوذ الاستعماري في شبه القارة الهندية وفي منطقة الخليج العربي وجنوب العراق وإيران، بالإضافة إلى نشاطها التجاري المرموق.
ولقد دهشت عندما شاهدت بعض تقارير وكلاء تلك الشركة ومعتمديها محفوظة بنسخها الأصلية ومكتوبة بخط واضح على أوراق سميكة استطاعت أن تقاوم شتى عوامل التلف، كما كانت ملصقة مع بعضها نماذج من الأقمشة التي يطلب الوكلاء إرسال كمية منها وكان عمر تلك الوثائق يزيد على المائتي عام، وهناك تقارير أخرى وهي الأهم والتي تتعلق بأحوال المناطق التي جاءت منها تلك الرسائل وعن الأوضاع السياسية السائدة في ذلك الوقت.
وكانت لبعض تلك التقارير أهميتها بالنسبة لمنطقتنا حيث كانت في كثير من الحالات هي المصدر الوحيد للمعلومات بسبب ندرة أو عدم توفر من لهم الاستعداد والمؤهلات لتدوين ما كان يحدث في تلك الأيام من أهل تلك البلاد. كذلك كان هناك مصدر آخر للمعلومات وهم الرحالة الأجانب الذين زاروا المنطقة في تلك الأيام وكتبوا عنها أمثال الرحالة الدنماركي "كارستن نيبور" والرحالة البريطانيين "لويس بلي" و "شارل داوتي" وغيرهم علما بأن كتاباتهم لم تكن دائما منصفة أو دقيقة ولكنها على أي حال كانت مفيدة لعدم توفر ما هو أحسن منها.
وعند عودتي إلى البلاد في نهاية ذلك الصيف بعد انتهاء إجازتي شرحت للشيخ صباح الأحمد عن مشاهداتي حول هذا الموضوع وكان وقتها رئيساً لدائرة المطبوعات والنشر وكنت مديراً للدائرة، حيث سبق أن لمست عنده رغبة ملحة في كتابة تاريخ لبلادنا يستند إلى المصادر الموثوقة ليكون مرجعاً يعتمد عليه بعد أن كثرت المؤلفات الرخيصة ذات المعلومات الضحلة أو المغلوطة والتي تفتقر إلى البحث العلمي الصحيح، بل كان هدف الكثير منها المنفعة المادية.
وتكرر الحديث مع الشيخ صباح الذي نتج عنه تأليف لجنة لكتابة تاريخ الكويت برئاسته وعضوية كل من السادة عبدالحميد الصانع، نصف اليوسف النصف، أحمد البشر الرومي، محمد سليمان العتيبي، درويش المقدادي، بدر خالد البدر، كما تم تعيين السيد عبدالعزيز عبدالله الصرعاوي سكرتيراً للجنة، ثم انضم بعد ذلك إلى عضوية اللجنة وحل محله السيد ابراهيم الشطي بصفة سكرتير لها.
والواقع أنه بعد الذي شاهدته في لندن ذلك العام ثم انضمامي إلى عضوية لجنة التاريخ واطلاعي فيما بعد على كثير من الكتب والوثائق المتعلقة بها بتاريخ المنطقة أدركت أهمية الكتابة وبدأت منذ ذلك الوقت أدون ما كنت أعتقده هاماً ومفيداً وقد يكون هذا التدوين في مفكرة الجيب وأحياناً على أوراق أكثر شمولاً وهذا ما سيكون لي مرجعاً ومساعداً عند كتابة الأجزاء القادمة من هذا الكتاب إن شاء الله.
وفي الختام أود أن أقول بأني كتبت هذا الكتاب في ظروف متفاوتة منذ عام 1965 كما ذكرت وكنت معتمداً في الكتابة بصورة رئيسية على تجربتي ومعاناتي الشخصية ومن تجارب وأحاديث من سبقوني إلى هذه الحياة، وكذلك سيجد فيه القارئ معلومات أخذتها من مصادرها المكتوبة، كما حرصت أن أذكر بقدر ما سمحت به الذاكرة أسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ على ضوء علاقتها بتلك الأحداث، ولا بد أن القارئ الكريم سيجد أن الأسلوب الذي كتب به الكتاب جاء على الطبيعة وبدون تكلف، ففيه الحقائق الموثقة إما بالصور أو المستندات التي استطعت الاحتفاظ بها خلال فترة زادت على الخمسين عاماً.
وأملي أن يجد القارئ في هذا الجزء والأجزاء القادمة -إن شاء الله- شيئاً يملأ بعض الفراغ والله المستعان وهو ولي التوفيق.
المولد والنشأة
كان مولدي في غرة محرم من عام 1331 لهجرة الموافق الحادي عشر من شهر ديسمبر من عام 1912 للميلاد، وكنت في الماضي أعتقد أن ميلادي كان قبل ذلك بعام ولكني تذكرت كلمة قالتها الوالدة لي أيام الشباب أنها ولدتني فجر يوم الأربعاء في أول يوم من محرم وكان يوماً ماطراً وهي مناسبة تدعو للتفاؤل وعند مراجعة سجل مقارنة التاريخ الهجري والميلادي تبين لي تأكيد ما أشرت إليه. كما ذكرت لي الوالدة أنه عند وفاة الشيخ مبارك كان عمري ثلاث سنوات، فإذا عرفنا أن وفاة الشيخ مبارك كانت في شهر نوفمبر من عام 1915 تأكد صحة تاريخ ميلادي كما ذكرت.
كانت ولادتي في الكويت في بيت يملكه الوالد في حي بن خميس (منطقة شرق) وسموني (بدر) وهو اسم جدي لوالدي كما هو اسم جد والدتي، واسمها منيرة بنت سليمان بن بدر بن سرى. أما والدي فهو خالد بن
سليمان بن بدر بن محمد بن بدر الجناعي، وبعد سنتين من ولادتي انفصلت الوالدة عن الوالد بالطلاق وانتقلت إلى بيت أبيها وكان يقع قرب حي بن جوعان القريب من حي الشيوخ.
ولقد كنت الخاسر الأكبر بسبب ذلك الطلاق كما سيرى القارئ، فقد تزوج الوالد ثم تزوجت الوالدة فيما بعد.
كانت مهنة والدي التجارة، كما كانت له بعض أملاك النخيل في البصرة، أما جدي لأمي فكانت مهنته أيام الشباب (نوخذة) أي ربان سفينة ثم اعتزل هذه المهنة فيما بعد واشتغل بالتجارة وكان كثير الأسفار إلى الهند كعادة الكثيرين من التجار الكويتيين لا سيما الصغار منهم وأصحاب الرأسمال المحدود، ولن أنسى فرحة العائلة بقدومه من السفر وفرحتي أنا بصورة خاصة انتظاراً (للصوغة) وهي عبارة عن هدية السفر وقد تكون لعبة أو بدلة أو حذاء.
وكنت أشعر حين التقي به وكأنه والدي، حيث عشت في بيته وتحت رعايته وكنت أحس بحبه لي وعطفه علي، ومن أسباب ذلك انه لم يكن له ولد وكانت والدتي هي الوحيدة عنده.
أما الوالد فكانت والدتي الزوجة الثالثة وكان له ولدان وبنت عند زواجه من الوالدة.
كنت أرى الوالد بين الحين والآخر عندما يرسل الخادم أو الخادمة في طلبي وكنت أبقى عنده حتى المساء ثم أعود للوالدة، وكان عمري في ذلك الوقت بين الرابعة والخامسة وهي بداية مرحلة التعرف والإحساس بما كنت أرى وأسمع وأذكر أني في إحدى تلك الفترات سألت الوالدة لماذا لا تذهب معي إلى بيت الوالد فأجابتني بأنها (زعلانة) وبمرور الزمن أدركت معنى الزعل ومدى المأساة التي شملتني بفواجعها وحرمانها كما سيأتي ذكره فيما بعد في تلك السن المبكرة.
دراستي الأولى
عندما بلغت السادسة على ما أذكر أدخلني الأهل عند (المطوع) أو (الكتَّاب) أو (الملا) كما يسمى في العراق وكان مقره في براحة الدبوس القريبة من حي القناعات.
وكانت المدرسة -إن صح هذا التعبير- عبارة عن حجرة من ضمن بيت المطوع فتح لها باباً على الشارع ولها باب آخر صغير متصل بحوش البيت، وكانت أرض الحجرة مفروشة بالحصران البالية وكان المطوع وهو من أصل فارسي يجلس في الزاوية القريبة من باب الحجرة المطل على بيته وأمامه سحارة أو (بشتختة) من الخشب الصاج صنع الهند وبجانبه الفلقة أو (اليحيشه) كما كنا نسميها ولا أدري من أين جاءت هذه التسمية الغريبة، وكذلك بقربه مجموعة من عصي الخيزران المختلفة الأطوال والأحجام منها الطويلة وهي مخصصة للجالسين في الصف الخلفي والمتوسطة لصف الوسط والقصيرة لمن هم أقرب إليه من الصبيان وكذلك عندما يستعمل الفلقة.
وعندما نأتي في الصباح يجلب كل منا معه كوز ماء معلق بحبل حيث توجد عدة مسامير في الحائط من أجل تعليق كل كوز، ومن لا يجلب معه كوزاً يصبح تحت رحمة أحد أقرانه إن بقي في الكوز الصغير شئ يكفي للمشاركة.
وكان البعض منا يجلب في جيبه كسرات من الخبز (الرقاق) أو المرقوق أو حبات من التمر المجفف. وكانت تلك الغرفة أشبه بخلية النحل تعج بهمهمة أصوات متنافرة وقد يدعو المطوع أحدنا ليسمعه ما حفظ من السور فيدنو منه مرتعش الأوصال خوفاً من أن يخطئ فتهوى على ظهره العصا حيث المطلوب قراءة السورة قراءة صحيحة مع الحفظ عن ظهر قلب في بعض الأحيان. وساعة المتنفس تأتي عندما يدخل الأستاذ إلى البيت لقضاء بعض حاجاته، حيث يسود الهرج والمرج داخل الغرفة، وكم تمنينا أن تطول غيبته. كما أنه لا توجد فرصة خلال فترة الدرس بل دوام مستمر حتى آذان الظهر، ثم نعود بعد الغداء، إلى قبل المغرب بقليل.
وعقاب (الفلقة) يأتي عادة بسبب (هروب) الصبي من الدرس أو بسبب خناقة بين اثنين من الأولاد، وأحياناً بسبب إيعاز من ولي أمر الولد بسبب (جرم) اقترفه الولد في البيت!!
هذه باختصار أمثلة عابرة عن مآسي الطفولة في تلك الأيام ولم تكن تلك الأوضاع مقتصرة على الكويت بل كانت تشمل المنطقة العربية بأسرها. كذلك كانت الفتيات يذهبن إلى (المطوعة) ولكن بعدد أقل من الفتيان، وفي العراق يسمونها (ملاية) مؤنث كلمة (ملا) وأظن أن الكلمة تركية الأصل لأنها متداولة في بعض البلاد العربية منذ أيام العهد العثماني
(لقد تطرق بعض الكتاب الكويتيين في مؤلفاتهم إلى الكثير من عادات تلك الأيام وتقاليدها، أمثال السيد أيوب حسين الأيوب والسيدة مريم عبدالملك الصالح والسيد سيف مرزوق الشملان).
كان أسعد الأيام عندنا يوم الخميس حيث تليه عطلة الجمعة وكنا نذهب ذلك اليوم إلى (المدرسة) ومعنا (الخميسية) وهي دريهمات معدودة لا تزيد عن (آنه) هندية (أربع فلوس) نقدمها للأستاذ.
وكان الشارع ميدان اللعب عندنا وألعابنا بدائية وكانت أمهاتنا تصنع (اللعبة) مثل العرائس وغيرها للبنات وكنا نحن الأولاد نصنع بعض ألعابنا بأيدينا وكان الأكبر منا سناً يمارسون السباحة في البحر وصيد السمك (الحداق) أو صيد الطيور أيام الربيع بالفخ و(الصلابة) وهي عبارة عن عودين من أغصان الأشجار يتم ربطهما من الأسفل وفي أعلاهما خيط مزدوج يمر من خرق في أحد العودين وينفذ داخل الخرق عود خشبي يشبه قلم الرصاص طوله حوالي ثمانية أو عشرة سنتيمترات وتوضع الصلابة وسط بعض أغصان الأشجار الصحراوية ثم فوق أعلى مكان في البيت فإذا حط الطير فوق القلم سقط بسبب ثقل الطير فتشتبك رجلا الطير في الخيط ويظل مدلى ولا يستطيع الإفلات.
وعلى ذكر طيور الربيع في الكويت وهي كثيرة الأنواع والأسماء فمنها الحمامي وهو من الطيور الصغيرة الجارحة ولونه سماوي مع خطوط سوداء في بعض ريش جناحيه وفي رأسه عند العينين وحجمه أكبر من حجم العصفور وعند صيده كنا نحتفظ به عدة أسابيع ونطعمه من لحوم صغار الطيور كما كنا نحتفظ به ونربيه كما يربى الكبار الصقور!
وقد رأيت نموذجاً من هذا الطير الجميل في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، وهجرة الطيور كما هو معروف هجرة عالمية تتبع فصول السنة، وقد أخبرني أحد المولعين بالصيد أنه اصطاد مرة طيراً في أهوار العراق الواقعة شمالي مدينة البصرة ووجد في رجله حلقة مكتوب فيها أنه تم إطلاقه من أحد نوادي الصيد في روسيا!
لقد كنا نحن الصغار نتلهى ونسعد نجتل هذه الأمور البسيطة والتي كانت تخفف عنا شيئاً من قسوة الحياة في تلك الأيام. ولا أذكر الفترة التي قضيتها في ذلك الكتاب (المطوع) في تلك الأعوام المبكرة من عمري ولكني ما زلت أشعر بوطأتها الثقيلة على نفسي ولم تستطع كل هذه السنين الطويلة أن تمحو بعض ذكرياتها المرة بالنسبة لنا كأطفال وهناك من يقول بأن تلك الظروف القاسية التي مررنا بها بما فيها من قسوة وحرمان لم تكن كلها شروراً مطلقة بل قد تكون فيها بعض النواحي الإيجابية حيث اكتسبنا أشياء من المناعة في تحمل مشاكل الحياة التي تصادفنا والحياة كما هو معروف مد وجزر فيوم لك ويوم عليك وويل لمن يتجاهل هذه المعادلة الثابتة وفي حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام [اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم]، وقد قال الشاعر العربي:
"فيوم لنا ويوم علينا
|
ويوم نساء ويوم نسر"
|
وقال شاعر آخر:
"إن كنت ترغب أن تحيا فكن خشناً
|
فمنخل الدهر لا يبقى سوى الخشن"
|
والواقع أنها كانت مناعة دائمة اكتسبناها وبفضلها استطعنا الثبات على الشدائد وتحمل المشاق وأرجو أن يرث أولادنا وأحفادنا شيئاً منها.
معركة الجهراء
في تلك الأيام الكالحة وقعت معركة "الجهراء" وسبقتها بأشهر قليلة معركة "حمض" التي هاجم فيصل الدويش زعيم قبيلة مطير القوات الكويتية التي كانت معسكرة بالقرب من "حمض" وهو المكان الذي سميت باسمه المعركة، وكانت القوات الكويتية تحت قيادة الشيخ دعيج بن سلمان الصباح وكان نتيجة ذلك الهجوم أن خسرت الكويت الكثير من الأغنام والإبل نهبتها القوات الغازية، ومن أسباب هذه المعركة الخلاف على الحدود ومناطق النفوذ القبلي.
بعد معركة "حمض" أمر الشيخ سالم الصباح حاكم الكويت في ذلك الوقت ببناء سور حول مدينة الكويت وهو السور الثالث حيث سبقه سوران في الماضي تم هدمهما نتيجة للتوسع الذي طرأ على المدينة كما أن هذا السور الثالث تم هدمه في عام 1957 ولحسن الحظ فقد بقيت البوابات الخمس ترمز إلى ذلك السور الذي تم البدء بإنشائه في شهر رمضان من عام 1338هـ الموافق شهر مايو (أيار) من عام 1920م.
وقد شاركت في البناء جميع طبقات الشعب الكويتي تطوعاً، ولأن العمل بدأ في شهر رمضان فكان البناء يبدأ ليلاً بعد صلاة العشاء، فكانت الناس تخرج على شكل تجمعات من كل حي من أحياء المدينة حاملة معها عدة البناء ومياه الشرب وأدوات الشاي والقهوة وتتجه تلك المسيرات نحو موقع السور حيث تعرف كل جماعة مكان عملها، وكنا نحن الأطفال نتبع تلك التجمعات فرحين بهذه المناسبة الفريدة وبذلك المنظر الرائع لأولئك الرجال بصفوفهم المتراصة رافعين الرايات ومرددين الأهازيج والأغاني الحماسية منسجمة مع قرع الطبول ولعلعة الرصاص مع رقصات الحرب المسماة (العرضة)، لقد كان في ذلك المنظر الرائع لتلك التجمعات أو ذلك المهرجان العفوي ما يكفي لإثارة المشاعر عند كافة طبقات الشعب، ثم كان ذلك التلاحم والوقوف وقفة رجل واحد أمام الشدائد والأزمات في تلك الأيام الصعبة، وقد استمر البناء طيلة شهر رمضان والأشهر التي تلت واكتمل البناء في شهر سبتمبر (أيلول) من ذلك العام. أما معركة الجهراء التي نحن بصددها فقد بدأت في العاشر من شهر أكتوبر من ذلك العام وانتهت يوم الثاني عشر منه بانسحاب قوات فيصل الدويش باتجاه الصبيحية
(للمزيد من المعلومات عن معركة الجهراء وأسبابها يرجى مراجعة كتابنا "معركة الجهراء - ما قبلها وما بعدها" الذي صدر عام 1980، وعلى ذكر هذه المعركة وأمثالها من معارك تلك الأيام فقد أصبحت في ذمة التاريخ ولا يجوز قياس أحداثها ومسبباتها بمقاييس هذه الأيام. فتلك المنازعات القبلية انبثقت من طبيعة الصحراء وتقاليدها وشح الطبيعة وقسوتها. وقد انتهت تلك الأحداث إلى غير رجعة بعد أن استطاع الملك الراحل عبدالعزيز آل سعود في بسط سيطرته على البادية والقضاء على التمرد والعصيان بما أوتي من دهاء وذكاء وحكمة وبعد نظر فوحد المملكة ووضع أسس الدولة الحديثة التي ساعدت ثروتها من النفط على سرعة نموها وازدهارها).
الانتقال من الكتَّاب (المطوع) إلى المدرسة
كانت الكتاتيب منتشرة في جميع أحياء الكويت منذ القدم، منها وهو الأكثر مخصص للأولاد والبعض الآخر للبنات، أما أول مدرسة فكانت المباركية فقد تم فتحها في سنة 1911-1912م في عهد الشيخ مبارك الصباح حيث سميت باسمه وقد هدمت هذه المدرسة مع الأسف الشديد في الخمسينيات مع أن بناءها كان قوياً ومتيناً وكان بالإمكان أن تبقى سنيناً طويلة مع بعض الصيانة لها كأثر من آثار الكويت التي يجب أن يبقى لتذكر الأجيال الصاعدة بماضي بلادهم حيث كان من الممكن الحفاظ عليها وعلى صفوفها بما فيها من آثار لا سيما وأن ذكراها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجدان الكثيرين من رجالات الكويت.
أما المدرسة الثانية في تلك الفترة فكانت مدرسة عبدالملك الصالح المبيض المربي الكويتي المعروف حيث سميت باسمه، فقد أنشأها بعد خلافه مع بعض هيئة التدريس في المباركية في تلك الفترة، وكان مقرها في بيت العامر وهو بيت قديم لعائلة كويتية معروفة، كان بعض أعضائها يزاولون التجارة ولا سيما تجارة تصدير الخيول إلى الهند، وقد هدم ذلك البيت مع ما هدم من البيوت القديمة ومكانه في السوق المسمى الآن بسوق المعجل.
أدخلني الأهل بهذه المدرسة من أجل تعلم الكتابة حيث في الكتَّاب الذي كنت أدرس فيه كنا نتعلم حفظ القرآن الكريم فقط، وقد رأيت الجو فيها مختلفاً فقد كان هناك شيء من النظام وعلى ما أذكر كان يوجد ثلاثة أو أربعة صفوف حسب مستوى الطلاب وأعمارهم.
وقد أدخلوني في الصف الذي يشرف عليه الأستاذ محمد الشايجي رحمه الله وأتذكر اثنين من الأساتذة الآخرين وهما حجي بن جاسم ومدرس آخر اسمه يوسف وكان الدوام في المدرسة علي فترتين الفترة الصباحية وفترة بعد الظهر وأذكر أن الوقت كان صيفاً وعندما تميل الشمس عند العصر كان بعض الأساتذة يأخذون تلاميذهم فوق السطح هروباً من حر الغرف الخانق وكنا نحن الصغار نستمع إلى بعض الكبار وهم يرددون المحفوظات الشعرية وأذكر منها القصيدة المشهورة للطغرائي ومطلعها:
حب السلامة يثني عزم صاحبه
|
عن المعالي ويغري المرء بالكسل
|
وكنا نرددها معهم ولا نعرف معناها، وكنا نجلس على الأرض فوق الحصران وأمام كل واحد منا (بشتخته) لها قفل ومفتاح وكنا نضع بها حوائجنا المدرسية مثل القرآن الكريم والحبر والأقلام وكنا في دروس الخط نكتب بقلم القصب الرفيع بعد إصلاح رأسه بطريقة تجعله كريشة الحديد التي كنا عادة نكتب بها. وقد وجدت فرقاً ظاهراً بين نظام المطوع ونظام المدرسة. ومع هذا فقد كنا نهرب من تلك المدرسة بين حين وآخر. حيث كنا نفضل اللعب بالشوارع والسباحة في البحر على جو المدرسة الجدي المتزمت وكان عقابنا الضرب أو الحبس خلال فترة الظهر وحرماننا من تناول طعام الغداء. ولا أذكر بالضبط كم بقيت في تلك المدرسة التي تعلمت فيها مبادئ الكتابة ولكني أعرف أني تركتها في صيف 1921م عندما سافرت إلى البصرة للدراسة هناك كما سيأتي ذكر ذلك في فصل آخر.
ومن المدارس التي فتحت في تلك الفترة المدرسة الأحمدية في عام 1340هـ 1922م في عهد الشيخ
أحمد الجابر رحمه الله حيث سميت باسمه. وكذلك تم فتح مدرسة أخرى أسسها شملان بن علي بن سيف رحمه الله على نفقته الخاصة ولكنها لم تدم طويلاً، وكان اسمها -مدرسة السعادة- وموقعها بالقرب من بيته في منطقة الشرق.
حالة العائلة الاجتماعية
كان وضع الوالد المادي فوق المتوسط بمقاييس تلك الأيام بماله من موارد من أملاكه في البصرة ومن اشتغاله بالتجارة كما أشرت إلى ذلك في المقدمة وكان لنا بيت في البصرة وبيت في الكويت، وبسبب الفراق الذي حصل بين الوالد والوالدة فإن جدي لأمي كان وكأنه والدي الفعلي فهو الذي أراه كل يوم وأعيش معه تحت سقف واحد وأحياناً أرافقه في ذهابه إلى السوق أو إلى المسجد أو بعض الدواوين خلال الليل وأتذكر من تلك الدواوين ديوان حمود الروضان كما أتذكر صقور الصيد رابضة فوق أوكارها في ذلك الديوان أو (الديوانية) بالمصطلح الكويتي.
كان الوالد يقضي فترة الصيف في البصرة ثم يعود إلى الكويت في نهاية الصيف أو أوائل الشتاء بعد الانتهاء من تصريف وبيع محصول التمور من قطعة النخيل التي كان يملكها ولهذا كنت التقي به في فترات متقطعة لذلك فقد كان من الطبيعي أن يكون ارتباطي العاطفي بجدي أكثر عمقاً وتأثيراً في نفسي من ارتباطي بالوالد، كما كنت أشعر بألم وحسرة وفراغ مخيف عندما يغادرنا مسافرا إلى الهند.
وتزوجت الوالدة فيما بعد وكنت في السادسة من عمري، وتركت البيت الذي كنا نعيش فيه سوياً وانتقلت إلى بيت زوجها وهنا ازدادت حيرتي ومحنتي وكانت تزورنا أحياناً ونزورها أنا وجدتي في الأوقات المناسبة، وأحياناً أذهب وحدي لها وقد يكون ذلك في أوقات غير مناسبة لها. وقد أثرت هذه التغييرات العائلية في نفسيتي كثيراً وفقدت شيئاً من حالة الاستقرار التي كنت أنعم بها. وقد ازدادت عندي هذه الانفعالات عمقاً عندما أرسلوني إلى البصرة للدراسة وأنا لم أكمل التاسعة من عمري.
الوضع الاجتماعي والمعيشي في الكويت في تلك الأيام
كانت المعيشة متشابة بصورة عامة عند كافة طبقات الشعب مع بعض الفوارق النسبية البسيطة. لكن حياة البساطة والكفاف وأحياناً الحرمان كانت القاسم المشترك لجميع الكويتيين من أميرهم إلى فقيرهم ولا أريد أن أدخل في كل التفاصيل لأن ذلك يخرج عن هدف هذا البحث وأرجو أن يأتي اليوم الذي يتولى فيه الشباب الكويتي المثقف التعمق في تفاصيل تلك الظروف ما دامت هناك بقية باقية من الشواهد والمعالم ذات الصلة بتاريخ الكويت في تلك الأيام
(هناك مجال واسع عمل بحوث ودراسات في نمط الحياة في تلك الأيام وعن صناعة الغوص وتجارة اللؤلؤ وعن صناعة السفن ومنها السفن المخصصة "للسفر" ليس فقط للكويت بل لدول الخليج لأن التقاليد وأساليب الحياة فيها متشابهة).
كانت التجارة بالنسبة للكويتيين العمود الفقري لمصدر رزقهم فقد اشتهروا بصناعة صيد اللؤلؤ أو (الغوص) أو (السفر) بسفنهم إلى الهند وشرق أفريقيا محملين بالبضائع المختلفة وعلى الأخص التمور العراقية ثم يعودون بعد مرحلة شاقة طويلة بالبضائع المختلفة مثل المواد الغذائية والأخشاب والأقمشة والبهارات وغيرها، وقد لعبت السفن الكويتية دوراً هاماً وبارزاً في نمط الحياة عند أهل الكويت لا سيما خلال الحربين العالميتين في أوائل هذا القرن حيث شحت زيارة السفن التجارية لمنطقة الخليج بسبب المجهود الحرب وبهذا عوضت السفن الكويتية والخليجية الشيء الكثير من ذلك النقص في السفن ومن نتيجة ذلك فقد ازدادت حركة التجارة بسبب ما كانت تتمتع به من حرية الحركة وتضخمت رؤوس الأموال وارتفعت مستويات المعيشة عند غالبية الناس.
ولا بد من الإشارة إلا أن الأزمة العالمية الاقتصادية التي اجتاحت الولايات المتحدة عام 1929/1930 وعمت العالم فيما بعد، أثرت على الأوضاع الاقتصادية في منطقة الخليج لا سيما فيما يتعلق بتجارة اللؤلؤ، فقد انخفضت الأسعار بصورة فجائية مما أدى إلى تدهور أوضاع بعض التجار حتى أن بعضهم فقد كل ما يملك ومما زاد الطين بلة في تجارة اللؤلؤ ظهور اللؤلؤ الياباني المزروع في أحواض وأماكن خاصة والذي لا يختلف بشكله كثيرا عن اللؤلؤ الطبيعي علما بأن الفارق بالأسعار كان كبيراً. لقد تحمل الناس تلك الأيام القاسية بشيء من الصبر والجلد وقد ساعدتهم على ذلك حياتهم البسيطة التي اعتادوا عليها وقابليتهم لتحمل المشاق التي تعودوها في صبرهم على قسوة البحار وشح الصحراء فقد ألفوا تحمل المكاره والقناعة بالقليل مما يسد الرمق ويغني عن السؤال وبهذا عفت نفوسهم واشتهروا بالصدق والأمانة والوفاء وقد شهد لهم بذلك من تعامل معهم من الأجانب حيث دونوها فيما كتبوا عن المنطقة في سجلاتهم.
فالكلمة عندهم مقدسة وملزمة في جميع معاملاتهم وتصرفاتهم والتجارية منها على الأخص. كما نشأت عندهم بسبب أسفارهم الطويلة عادات وتقاليد فيها الكثير من النخوة وروح التعاون وصفات الفروسية والانضباط والطاعة.
ومن عادات أهل الكويت في ذلك الوقت أن تسكن العائلات الكبرى في بيت واحد يضم الأب وأولاده الكبار وزوجاتهم وأبناءهم وأحياناً تسكن العائلة الكبيرة في أكثر من بيت، متلاصق بعضها ببعض وبينهم (فرية) أو فرجة يمكن الانتقال منها بين بيت وبيت، والطبخ عادة للجميع بدون تفرقة ويتقدم الرجال في الأول ثم يأتي دور النساء. والأكل يكون عادة على الأرض حيث تفرش (السفرة) وهي عبارة عن حصيرة مستديرة الشكل ومصنوعة من خوص النخل، تصف فوقها صحاف الطعام، وكان بسيطاً في حد ذاته، فالسمك بأنواعه المختلفة هو أهم ما يقدم في فترة الغداء ومعه الرز، ومن عادة البيوت الكبيرة أن تكون فيها بقرة أو أكثر ولذلك فإن اللبن الرائب مع التمر يشكل عنصراً أساسياً في نظام التغذية في تلك الأيام، وجميع هذه المواد سواء السمك أو التمر كانت رخيصة وفي متناول الجميع وطاقتها الغذائية كبيرة. أما اللحم فعادة يقدم في وجبة العشاء في أكثر الأحيان ويطبخ مع الرز أو محضر بشكل (مرق) مع بعض أنواع الخضار المتيسرة مثل البامية والقرع الأحمر وكانت تأتي من البصرة أو إيران بواسطة السفن الشراعية حيث إنها تتحمل فترة زمنية معقولة قبل أن تتلف مما يساعد ويشجع على جلبها عبر البحار.
وكما أشرت فإن السمك كان على رأس القائمة في نظام التغذية في منطقة الخليج بأسرها ولكنه يقل عادة في فصل الشتاء ويستعاض عنه ببعض البقول مثل العدس والماش واللوبة (اللوبياء) وكذلك الربيان المجفف والأسماك المجففة التي تجلب عادة من ساحل عمان، وعلى ذكر الربيان المجفف فإنه لا يزال إلى يومنا هذا من الأكلات الشعبية المحببة إلى معظم الكويتيين، أما الباقلاء أو (الفول) فهي أيضاً من الأكلات الشعبية المفيدة والمغذية وتحضر في البيوت بغليها لفترة طويلة على نار قوية حتى تنضج، كما تخصصت في بيعها بعض النساء الأفريقيات حيث يجلسن على ناصية الشارع وأمامهم قدر أسود مغطى عادة بالخيش ليحافظ على حرارته، ويأتي الصغار لا سيما في الصباح الباكر ومعهم بعض الأواني لشراء حاجتهم من الباقلاء وبأسعار زهيدة، وكان للتمر أهميته في نظام التغذية سواء في البوادي أو الحواضر وذلك بسبب بقائه فترة طويلة تزيد عن السنة دون أن يصيبه التلف وكان يعبأ بسلال من خوص النخل يصل وزن بعضها إلى خمسة وسبعين كيلو وبعضها إلى نصف هذه الكمية وتسمى (نصيفية) وهي الدارجة في التداول لسهولة حملها.
وأشرت إلى أهمية اللبن أو الحليب في نظام التغذية في تلك الأيام، فإن البيوت الكبيرة تحتفظ بالأبقار والغنم والماعز، كما ذكرت، وتكون لها زرائب خاصة في ناحية من نواحي البيت أما العائلات المحدودة العدد فتحتفظ بالماعز أو النعاج وتفضل المعزة على النعجة لأن فترة إدرار الحليب عند الماعز تكون أطول وتكلفتها من حيث القيمة والمعيشة أقل.
وإذا ذكرنا الماعز فلا بد من ذكر (الشاوي) وهو الراعي الذي يسرح بالماعز والأغنام وأذكر أنه كان بالقرب من بيوتنا (شاوي سلامة) وكان هناك آخر في منطقة الشرق (شاوي المطبة) كذلك فاسم الشاوي يطلق على المكان الذي تتجمع فيه الماعز والأغنام وهو عبارة عن (حوطة) أو زريبة تجلب إليها البهائم وعندما يكتمل العدد يخرج الشاوي معها إلى الصحراء فإذا كان الوقت ربيعاً نعمت بالعشب الوفير. أما في الصيف فلا شيء غير الجوع والعطش.
وكانت من مهامنا نحن الصغار توصيل المعزة إلى الشاوي صباحاً قبل الذهاب إلى (المطوع) أو المدرسة ثم جلبها في المساء إلى البيت وكنا نجد صعوبة في (تطويع) المعزة على الذهاب إلى الشاوي في بداية الأمر ولكن مع الاستمرار تتعود على الطريق وتراها تتجه إلى البيت أو إلى الشاوي بدون قيادة. ويتقاضى الشاوي مبلغاً زهيداً في الشهر قدره "أربع آنات" أو عشرون فلساً عن كل رأس!
كذلك فإن كلفة المعيشة في تلك الأيام كانت زهيدة ولنأخذ مثلاً السمك وأحسن أنواعه الزبيدي كما هو معروف، فإن الأوقية منه والتي تساوي عشرة أرطال إنجليزية كانت تباع بأقل من نصف روبية. وكيس الرز أو السكر الذي كان وزنه لا يقل عن خمسة وسبعين كيلو غراما فسعره في حدود العشر روبيات -سبعمائة وخمسون فلساً- وأوقية اللحم الممتاز التي تساوي خمسة أرطال تقارب سعر السمك أو تزيد قليلاً. وهذه الأسعار المتدنية كانت في الكويت وكافة المنطقة أو بالأحرى في العالم أجمع.
أما بيوتنا فقد كانت في منتهى البساطة ولا يزال توجد بعض نماذج منها وكان في كل بيت بئر يستعمل ماؤه للشئون المنزلية ولا يصلح للشرب لشدة ملوحته. أما ماء الشرب فيجلب بصورة رئيسية من الآبار المنتشرة خارج المدينة وينقل على الجمال أو الحمير، كما تجلب السفن الشراعية الماء من مصب شط العرب عند ميناء الفاو ويوزع على البيوت بواسطة الدواب أو الرجال الذين يحملونه في (تنكات) النفط الفارغة ويسمى بائع الماء بهذه الطريقة (الكندري). وقد انتشرت فيما بعد فكرة إنشاء البرك في البيوت لجمع مياه الأمطار أيام الشتاء إما من السطوح عن طريق (المزاريب) أو بوضع (الشتر) وهو عبارة عن قطعة مربعة من القماش الأبيض السميك توجد في أطرافها حبال تربط في حيطان الحوش العليا وتغطى بذلك مساحة كبيرة من الحوش وفي وسط الشتر فتحة يتدلى منها (خرطوم) من نفس نوع القماش ويوصل هذا الخرطوم إلى خزان الماء أو البرك، وماء الشتر هذا يكون عادة أنظف وأنقى من الماء المنحدر من أسطح المنازل.
وكان في المدينة سوق للماء ومكانه عند مدخل سوق أو سكة ابن دعيج من جهة القبلة كما وهذه السكة هي نقطة العبور الرئيسية إلى السوق بالنسبة لأهل شرق وأهل حي الوسط وفيها مدرسة المرحوم ملا زكريا الأنصاري وأتذكر أنه كان يدرس الأولاد في مدخل (دهليز) بيته. كما كان في نهاية السكة من جهة القبلة سبيل ماء للشرب يسمى (سبيل بن دعيج) وهو عبارة عن بئر تجلب له المياه وتصب فيه وبجنبه دلو أو مغراف مربوط بحبل لجلب الماء من أعماق البئر ولا أظن أن أحداً فكر في تنظيفه على أيامنا لأني أتذكر طعم مائه الآسن بسبب ترسبات الطين في عقر البئر. ومن عادة الناس في تلك السكة المشهورة أن يسأل بعضهم بعضاً عند اللقاء دون معرفة سابقة عن سعر الحاجيات التي يحملها الشخص، فمثلاً يسأل عن سعر السمك إذا كان حاملاً سمكاً بيده أو الجت (البرسيم). وكانت توجد بعض الدكاكين البسيطة والبسطات على الأرض، وعادة السؤال عن سعر الحاجة لم تكن مستنكرة بل إن فيها نوعاً من الفائدة والتوعية. وكان يوجد عند مدخل السكة من جهة الشرق مدفع قديم ضخم بالقرب من أسطبل الشيوخ أو (ياخور الشيوخ) كما كان يسمى وأظن أن وجود المدفع بذلك المكان ربما لأنه كان منصوباً فوق السور الثاني القديم الذي كانت إحدى بواباته في ذلك الموقع وكانت تسمى دروازة العبدالرزاق نسبة إلى عائلة العبدالرزاق المعروفة والتي كانت تسكن بجوار ذلك المكان.
والحياة في داخل البيوت كانت في منتهى البساطة ومنسجمة مع متطلبات وظروف تلك الأيام، فالنساء عموماً لا يستنكفن من الخدمة في الطبخ وغسل الملابس وتنظيف البيت مع الاستعانة بالخدم عند العائلات الميسورة الحال. وكما سبق وذكرت فقد كنا نصنع ألعابنا بصورة بدائية بأنفسنا كأن نصنع حمارا من الطين أو عربة من خشب، وعجلاتها من أغطية علب التنك المستديرة، وهكذا تسير الحياة على بساطتها
(وفي الألعاب التي كنا نتسلى بها ما يجلبه لنا الغواصون أو "الغواويص" من كميات كبيرة من نجمة البحر المخمسة ونسميها "العوعو") ونقاوتها، وكانت ملابس النساء في منتهى البساطة وهي تشبه لباس نساء بعض البدو في هذه الأيام ويشتمل على سروال طويل فوقه (الدراعة) وهي تشبه الدشداشة (الجلابية)، ومن عادة النساء في ذلك الوقت أن لا يخرجن كثيراً فإذا خرجن فيكون ذلك لزيارة الأهل أو الجيران أو لشراء بعض الحاجات من السوق بالنسبة للنساء اللاتي تقتضي ظروفهن أن يقضين حاجاتهن بأنفسهن.
وفي أيام الصيف عند حلول موسم (الغوص) نجد النساء في الشوارع أكثر من الرجال حيث أن معظم الرجال القادرين مرتبطون بهذه المهمة باستثناء بعض التجار وأصحاب الدكاكين أو الطاعنين في السن.
ومع أن معظم الرجال في مثل هذا الوقت هم خارج البلاد فإن الأمن مستتب وقلما تسمع عن حادثة سرقة أو أي خلل في الأمن. وكان المسئول عن الأمن في ذلك الوقت وبعده الشيخ صباح ابن دعيج الملقب (بصباح السوق) لأنه كان يتواجد دائما في السوق وغالباً ما يكون جالساً في قهوة أبو ناشي عند مدخل سوق التجار ومكانها مقابل جامع السوق حالياً وكان مشهوراً بالصرامة والشدة تجاه العابثين بالأمن، وتحت إمرته عدد من الحراس موزعون على الأسواق وكنا نسمعهم في سكون الليل يتبادلون كلمة (صاحي) ويمدونها ويرددونها بأعلى أصواتهم دلالة على أن الجميع في يقظة، ولا شك أن تلك الصيحات كان لها تأثير نفسي على الناس من حيث الاطمئنان وكذلك على من تسول له نفسه العبث بالأمن. وعندما سافرت إلى البصرة شاهدت هناك حراساً بنفس النظام تقريباً ولكنهم يستعملون الصفارة بدلاً من كلمة (صاحي) وربما كان ذلك من باب التطور! وكان حراس الكويت في الأسواق فقط أما حراس البصرة فكانوا في الشوارع أيضاً.
بعض عادات تلك الأيام
وكما ذكرت في عدة مناسبات فان طابع تلك الأيام كان البساطة وربما كانت تلك العادات متوارثة منذ القدم، فمثلاً عندما يجد الحاكم أن هناك أمراً يجب أن يبلغ إلى الشعب فهناك شخص مشهور بصوته الجهوري يمر بالأسواق مبلغاً الناس بالأوامر أو البيانات وفي الكويت كان ذلك الشخص اسمه (الرندي) يقوم بهذه المهمة، فيقال مثلاً اليوم صاح الرندي وقال كذا وكذا، وهكذا يعم الخبر الجميع حيث يبلغ الناس بعضهم بعضاً.
كذلك عند فقد شيء، مثلاً طفل ضل الطريق إلى بيت أهله، فيكلف أهله شخصاً يتجول في الشوارع وينادي بأعلى صوته ويسمي (المطرّب) بتشديد الراء والمقصود المنادي، أما إذا فقدت معزة أو ضلت طريقها فإن أطفال البيت بالمشاركة مع أطفال الجيران يجوبون الشوارع مرددين بأصوات منسجمة مثل (الكورس) مثلاً.. "يا من شاف.. كذا وكذا.. جزاه الله خير ورحم الله والديه".
كذلك فيما يتعلق بتنظيف الآبار التي داخل البيوت والتي سبق ذكرها، فهي بين فترة وأخرى تحتاج إلى تنظيف ورفع الرمال المتراكمة داخلها فهناك أناس تخصصوا في هذه المهمة وعادة يكونان اثنين، واحد ينزل في البئر والثاني يقف على الحافة يساعده في النزول أولاً ثم يسحب الدلو الملأى بالرمل من أعماق البئر وإعادتها ثانية وهكذا حتى ينظف البئر ويخرج الرجل الذي نزل فيه بمساعدة صاحبه. وقد شاهدت في عدة مناسبات أن يكون الرجل الذي ينزل في أعماق البئر أعمى أما الآخر فيكون بصيراً وهو الذي يقوده في الشوارع ويرشده إلى البيوت.
ومن عادات تلك الأيام أيضاً طبخ الطعام على نار الحطب وتوجد عدة مصادر للوقود الطبيعي وأهمها سعف النخيل الذي يستورد بواسطة السفن من البصرة ثم يأتي (العرفج) وهو نبات بري معروف ينبت في الصحراء بعد هطول الأمطار ويجف خلال فترة الصيف ويجلب إلى المدينة على ظهور الجمال أو الحمير ويباع بالحمل أي حمل البعير أو حمل الحمار أما السعف فيباع بالحزمة وتسمى (الكارة) وتحتوي على ستة عشر أو عشرين سعفة وأحياناً خمسة وعشرين وكذلك (الكرب) وهو الجزء المتبقي من النخلة بعد قطع السعف منها وهذا يباع بالألف، كذلك يستعمل بعض الناس الأخشاب الصغيرة المتخلفة من قصاصات خشب النجارين الذين يصنعون السفن على شاطئ البحر، كذلك توجد قصاصات في أغصان الأشجار السميكة وتسمى (القرم) وهي غالية نسبياً وتستعمل نارها عادة عندما تدعو الحاجة إلى الطبخ في قدور كبيرة في الولائم والمناسبات مثل الأعياد وغيرها حيث تكون نارها قوية. ومكان بيع السعف والكرب على ساحل البحر في المكان الذي ترسو فيه السفن الشراعية بالقرب من قصر السيف من ناحية القبلة. أما العرفج فمكانه صفاة الكويت وكان حجمها في ذلك الوقت أضعاف حجمها اليوم، فكانت محطة للقوافل القادمة والمسافرة كما كانت مكاناً للفرجة والتنزه لا سيما في أوقات الأعياد حيث تجد فيها خليطاً من رجال البادية ونسائهم وأولادهم. كما تزدحم بالقادمين من البادية أيام فصل الربيع يعرضون ما عندهم من بضائع كالسمن والأغنام.
وعلى ذكر العرفج، فإذا تم التفاهم مع الجمّال على السعر فإنه يقود جمله إلى داخل المدينة وأحياناً تكون الشوارع ضيقة وملتوية يستنكرها البعير الذي تعود على الفضاء الرحب فيقوده صاحبه بصعوبة ويتجه أمام البيت ثم يعقل إحدى قوائمه الأمامية ويبدأ في إدخال العرفج إلى البيت وكنا نحن الأطفال إذا صادفتنا مثل هذه المناسبة نعتبرها فرصة للترفيه، فنشارك في إدخال العرفج إلى البيت ثم ننتهز فرصة غياب الجمّال داخل البيت فيأخذ أحدنا قطعة من التنك الرقيق الملقى عادة في الشوارع فنمررها على الحائط بقوة بالقرب من الجمل فتحدث قعقعة ودويا يفزع له الجمل ويقفز من مكانه على ثلاثة قوائم هائجاً لا يلوى على شيء. أما نحن الأطفال فنهرب خوفاً من عقاب الجمّال لنا!
وعلى ذكر العقال الذي يعقل به البعير فيقال إن تسمية العقال الذي نلبسه اليوم مصدره أن الجمّال عندما يفك عقال بعيره يلفه على رأسه خشية ضياعه فأصبحت هذه عادة مألوفة عند سائر الناس.
والواقع أن عادات وتقاليد تلك الأيام نبعت وترعرعت من ظروف المنطقة وواقعها في تلك الأيام وهي عادات تتغير وتتطور مع سير الزمن ولا يتبقى منها إلا الذكريات العالقة في الذهن ولذا حرصت أن أذكر بعضها وهي كثيرة.
ومن الأمور التي كانت ملازمة لظروف الكويت اليومية -طبيخ ابن عمير-، وابن عمير هذا كان من خدم الشيوخ ومهمته أن يطبخ الطبيخ كل مساء ويقدمه للفقراء والمحتاجين ومكانه في بناية السجن القديم الذي موقعه مقابل قصر السيف وكان يتواجد كل مساء قبل غروب الشمس وأمامه قدر كبير فيه كمية هائلة من الرز الأبيض وبدون إدام، ويتجمع عند المكان كل مساء الكثير من الفقراء المعدمين يحمل كل منهم إناء بيده، وغالبيتهم من الوافدين عن طريق البر والبحر. وقد تكون عادة تقديم الطعام هذه قديمة وربما كانت من أيام جابر الأول حاكم الكويت الثالث الذي كان لقبه "جابر العيش".
وكان طبيخ بن عمير هذا مضرباً للأمثال فإذا أراد أحد ذم طعام أكله في مكان فيقول مثل طبيخ بن عمير لأنه خال من الإدام والدسم. وأذكر أن ابن عمير ظل يقدم طعامه هذا حتى الثلاثينات. كذلك كانت في الكويت مجموعة من المجانين منهم الشرس الخطر وكانت أيديهم أو أرجلهم مقيدة بالسلاسل ومنهم الوديع الذي يتسلى الناس بالتحدث معه لما يقوله من نكات عفوية. وأذكر من هؤلاء امرأتين واحدة بدوية اسمها (صدية) كانت تجوب الأسواق ذهاباً وإياباً حاملة مزودة فوق ظهرها وتدعى أن زوجها أخذ حلالها وطلقها وربما كان ذلك سبب جنونها والثانية زنجية أفريقية اسمها
(حسينة) كانت تقف أمام الدكاكين وترقص مقابل ما يعطى لها من الدريهمات وأذكر أن في مرة صادفتها وكان ذلك في صيف 1932 وكانت معي آلة تصوير استعرتها من عبدالرسول فرج رحمه الله وكان عنده دكان يبيع فيه مثل هذه الحاجيات فأوقفتها وأخذت لها صورة.
والخلاصة، من ذكر ما تقدم نرى أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده المرتبطة بزمان ومكان ذلك المجتمع، والكويت لم تخرج عن هذه القاعدة.
والمجتمع الكويتي في تلك الأيام وأقصد بها أيام ما قبل النفط كان مجتمعاً منسجما مع ظروفه قانعاً بتلك الحياة البسيطة البعيدة عن زخارف الحياة وتعقيداتها حيث كان الناس يعيشون عيشة الكفاف مع حاجاتهم اليومية المحدودة وبذا اطمأنت نفوسهم وحسنت نواياهم وتأقلمت أجسادهم وأمزجتهم مع ذلك النمط من الحياة الخشنة كما عمرت قلوبهم بالإيمان والرضى بما قسم الله لهم.
وأتصور أن تربية البحر التي كانت تشمل معظم الكويتيين منذ القدم وأقصد بذلك حياتهم على ظهر السفينة أشهراً طويلة قد فرضت عليهم نمطاً فريداً في التعايش والتعاون فكل فرد في السفينة يهمه سلامتها حتى تصل إلى شاطئ الأمان وهذه السلامة لا تتم إلا إذا قام كل واحد منهم بما عليه من واجب وبمرور الزمن نمت صلت فيهم هذه الروح التعاونية حتى توارثتها الأجيال فإذا أصابت أحدهم نكبة كخسارة في تجارة أو غرق سفينة وهي حوادث كانت تتكرر دائما هبوا لمساعدته والأخذ بيده بما يستطيعون والأمثلة على ذلك كثيرة يرويها من عاصروا تلك الأيام الغابرة.
السفر إلى البصرة
إن سفري أو بالأحرى تسفيري إلى مدينة البصرة كان بلا شك نقطة تحول أثرت ولعبت دوراً هاماً في رسم مسار حياتي ومعالم مستقبلي.
فقد ولدت وعشت في الكويت حتى بلغت الثامنة من عمري وعشت بنمط واحد يكاد يتكرر مع كل يوم فالأهل والأقارب وأولاد الجيران والشوارع والبحر والصحراء كانت جزءاً من كياني وكانت العالم كله بالنسبة لي.
ولكن بين عشية وضحاها تغير كل شيء بالنسبة لي ففي صيف 1921 وصل أخي من أبي -سليمان- من البصرة ومعه والدته المريضة التي نصحها الأطباء هناك بالمجيء إلى الكويت (لتبديل الهواء) وكان الوالد في البصرة في تلك الفترة وقد سبق له في عدة مناسبات أن طالب بضمي إليه ليتولى تربيتي ولكن جدي لأمي رحمه الله بسبب زيادة محبته لي كان يرفض ذلك وكذلك فعلت الجدة والوالدة. وبما أن جدي كان كثير الأسفار كما ذكرت وبسبب زواج الوالدة الذي أشرت إليه بقيت أنا مع جدتي، ومع مرور الأيام كانت تشعر الجدة بعجزها في السيطرة علي فقد ازدادت شقاوتي وكثر تهربي من المدرسة وتمردي على أوامرها. وما أدري هل كان والدي قد طلب من أخي أن يصحبني معه إلى البصرة عند عودته. المهم الذي حدث بعد تردد من الوالدة والجدة تمت الموافقة على سفري. وعلمت بالخبر فلم أهتم بوقتها وتصورت أن الأمر لا يعدو أن يكون نزهة والركوب بالباخرة أو (المركب) كما كنا نسميه ولم نكن نراه إلا من بعيد -وكما يقول المثل: عرفت شيئا، وغابت عنك أشياء-.
وجاء يوم السفر وجاءت الوالدة إلى البيت وكانت قد اشترت لي صندوقاً صغيراً من عمل الهند من التنك وضعت فيه بعض أمتعتي البسيطة وخرجنا من البيت وأنا أحمل الصندوق على رأسي وقد لاحظت أن الوالدة كانت تبكي بكاء مراً صامتاً وكنت أحس وكأنها تشرق بدموعها وأنا أتابعها بنظرات حائرة حتى وصلنا إلى مكان السفينة الشراعية المعد لنقل الركاب إلى الباخرة
(كانت البواخر في تلك الأيام ترسو على مسافة ثلاثة أميال من الساحل تقريباً تجنباً للمياه الضحلة وخطر الارتطام بالصخور القريبة من الساحل وظل الحال كذلك حتى تم إنشاء الميناء والأرصفة في مطلع الخمسينات) ووجدنا أخي في الانتظار فودعتني الوالدة وداعاً حاراً وظلت واقفة على الشاطئ حتى ركبنا السفينة مع من ركب معنا من الركاب وبدأنا نبتعد عن الشاطئ وعادت الوالدة أدراجها بقلب فارغ يعصره الألم والأسى وقد حدثتني الوالدة فيما بعد عن مقدار الحزن والألم الذي حل بها هي ووالدتها بسبب فراقي وكانت كل واحدة تلوم الأخرى على ما فرطا فيه من موافقتهما على سفري كما أن جدي عندما علم بسفري تأثر كثيراً ثم جاء إلى البصرة لزيارتي ومعه الهدايا التي اعتاد أن يتحفني بها في كل سفرة من سفراته.
أعود إلى حديث الباخرة، فقد كانت من بواخر الحمل وقد أفرغت حمولتها من الفحم في الكويت ولم نستطع الجلوس بسبب قذارة المكان حيث بقايا الفحم الناعم الذي لطخ ملابسنا البيضاء.
وفي الأخير وجدنا مكاناً وضعنا فيه أمتعتنا وأدركنا الليل وكانت ليلة مزعجة لم أذق طعم النوم المريح بسبب الضجيج والحركة التي لم تهدأ. وببزوغ الشمس دخلت الباخرة شط العرب وقد بهرني منظر الشط والنخيل الباسقة على ضفتيه والباخرة تسير الهوينى منسابة في ذلك النهر العظيم.
ووصلنا إلى ميناء المعقل حيث ألقت الباخرة مراسيها عند الظهر وصعد إلى الباخرة بعض الموظفين وغالبيتهم من الهنود بلباسهم العسكري حيث لا زالت جيوش الاحتلال البريطاني باقية البصرة وبقية المدن العراقية.
وقد فاتني أن أذكر أنه كانت معنا خادمة جاءت مع أخي لخدمة والدته ثم عادت معنا وكانت من العبيد الذين استعادوا حريتهم بالعتق.
ونزلنا من الباخرة واستأجر لنا أخي (بلم)
والبلم قارب نهري صغير يشبه الجندول وتشتهر البصرة به حيث كان واسطة من وسائط النقل المهمة في أنهر البصرة الكثيرة، ونزلنا إلى البلم أنا والخادمة ومعنا الأغراض وتوجه أخي الى البصرة بالسيارة. وميناء المعقل وأرصفته بناه جيش الاحتلال البريطاني عندما احتلوا البصرة عام 1914 وظل تحت إدارتهم وإشرافهم لفترة طويلة.
وسار بنا البلم وسط النهر متجهين من المعقل إلى ميناء العشار وبينما كنا وسط النهر الكبير شعرت بالعطش فقلت للخادمة إني أشعر بالعطش فأشارت بيدها إلى النهر وقالت بشيء من عدم الاكتراث اشرب من هذا، فعجبت لمبادرتها هذه وقلت لها كيف أشرب من ماء البحر فابتسمت ابتسامة التهكم وقالت هذا ليس بحراً بل نهراً وماؤه عذب ويمكنك أن تشرب منه فانحنيت فوق حافة البلم وبدأت العق من ذلك الماء وأروي عطشي وأنا في غاية الحيرة.
كانت رحلة البلم طويلة ومملة ولم يكن الهواء يساعد على استعمال الشراع لضعف سرعته فاضطر الملاح الذي في مقدمة البلم لاستعمال المجداف أما الملاح الذي في المؤخرة فكان يستعمل (الغرافة) وكانت مهمته مساعدة الملاح الذي في المقدمة وضبط سير البلم في المجرى الصحيح. وكلما طال الوقت ازددت مللاً وشعوراً بالوحدة والضياع، ومالي بهذا النهر العظيم وأشجار النخيل المتراصة على ضفتيه وحركة الأبلام والزوارق البخارية التي تمخر عبابه. وبدأ الحنين يتصاعد عندي إلى الأهل وأولاد الجيران وذلك الزقاق الضيق المترب وكل شيء حتى الكلاب السائبة التي كنا نطاردها بالحجارة. وفي النهاية دخلنا نهر العشار الصغير المتفرع من شط العرب والموصل إلى مدينة البصرة التي تبعد عن العشار بحوالي خمسة كيلومترات ورأيت البيوت المبنية من الطابوق والمكونة من طابقين على الضفة اليمنى من النهر ومنظرها يدل على أنها بيوت بعض الأغنياء وأصحاب النفوذ. أما الضفة اليسرى من النهر فكان يوازيها الشارع الرئيسي الذي يربط مدينة العشار بالبصرة وكانت تسير فيه بكثرة العربات التي تجرها الخيول ونسبة قليلة من السيارات وبعض الدواب التي تحمل مختلف السلع. وقد ألهتني هذه المناظر بعض الشيء عن حيرتي وضياعي.
وصلنا البصرة ودخلنا البيت قبيل آذان العصر بقليل فرأيت الوالد جالساً في فناء الحوش على حصير من الجولان
(نبات نهري ينبت على شواطئ نهر شط العرب له ساق طويلة قد تصل إلى أكثر من متر وتصنع منه الحصران وتستعمل بكثرة في فصل الصيف. كما يستعمل الجولان لا سيما ذي السيقان القصيرة كعلف للحيوان. وكانت السفن تجلب منه كميات كبيرة الى الكويت) ومتكئا على بعض الوسائد وبقربه زوجته وطفلها الذي لم يتجاوز السنة وقد وصلا منذ بضعة أشهر إلى البصرة وكانت صينية الشاي في الوسط فسلمت عليه ومد لي يده فقبلتها ثم أخذ يسأل الخادمة عن تفاصيل السفرة وخرج بعد ذلك كعادته لصلاة العصر والذهاب إلى القهوة الذي اعتاد الجلوس فيها في محلة السيف ولم يعد إلا بعد صلاة المغرب وتناولت العشاء معه ثم صعدنا إلى السطح للنوم حيث كان الوقت صيفاً. وكانت وسائل الإضاءة الفوانيس التي تضاء بالنفط كما هو الحال في الكويت حيث لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى المساكن في تلك الأيام. وهكذا انتهت مرحلة من حياتي ودخلت في مرحلة جديدة تقرر فيها مصير المستقبل بالنسبة لي {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم}. كما جاء في الآية الكريمة.
أحوال البصرة في تلك الأيام
ولمحة سريعة عن تاريخها
كانت معالم الاحتلال العسكري البريطاني تشاهد في معظم الأماكن لا سيما في دوائر الحكومة. وأفراد الجيش الهندي وضباطهم الإنجليز حيث كانوا يشاهدون في معظم الأماكن إذ لم يمض على انتهاء الحرب العالمية الأولى سوى ثلاث سنوات.
وقد احتل البريطانيون البصرة في شهر نوفمبر سنة 1914 بعد معارك لا تكاد تذكر باستثناء معركة الشعيبة الحاسمة شمال غربي مدينة الزبير والتي كانت نتيجتها هزيمة الحامية التركية وانسحابها إلى الشمال فقد كانت غالبية أفرادها من المجندين المحليين يقودهم بعض الضباط الأتراك وبعضهم من رجال القبائل الذين تطوعوا للقتال بجانب الأتراك وكانت أهميتهـم القتالية ضعيفة ناهيك عن نقص العتاد ومواد التموين.
أما الحملة البريطانية فجاءت من الهند محمولة على ظهر عدة بواخر تحرسها قطع كبيرة من قطع الأسطول البريطاني. وخلال فترة دخول هذه القوات إلى شط العرب ونزولها في البصرة وانسحاب القوات التركية، عمت الفوضى المدينة وكثرت أعمال النهب والسلب لا سيما في المناطق التجارية بالعشار وخاصة في مخازن البضائع في منطقة الجمرك وسميت تلك الأحداث (الفرهود) وهو مصطلح محلي يعبر عن أعمال الفوضى والسلب والنهب حتى إن بعض العوام في البصرة جعلوا لتلك الفترة أهمية تاريخية فيقولون (سنة الفرهود) لكن القوات البريطانية استطاعت بسرعة فرض سيطرتها على الموقف واستعملت القوة والحزم لوقف التجاوزات غير المشروعة ومنذ ذلك الوقت بدأت المدينة تنعم بشيء من النظام والاستقرار وسيادة القانون بصورة لم تعهدها خلال فترة طويلة أثناء الحكم العثماني.
وإليك مثالاً على ذلك ما كتبه شاهد عيان وهو المحامي المعروف سليمان فيضي في كتابه (في غمرة النضال) عن تلك الأيام. أيام العهد العثماني في العراق عامة والبصرة خاصة فيذكر بالنص "كانت من نتائج سوء الإدارة أن فقد الأمن في ربوع البلاد وأصبح اللصوص وقطاع الطرق في مأمن من العقاب يرتكبون جرائمهم في وضح النهار دون خوف أو وجل وكان الحال في المدن الكبرى مثل بغداد والموصل أهون شراً منها في النواحي البعيدة ولكنها في البصرة بلغت حداً خطيراً حتى ساد فيها قانون الغاب وأصبح من هم الناس أن يحرسوا أملاكهم بأنفسهم وأن يدافعوا عن حياتهم بسلاحهم". ثم يواصل الكاتب حديثه فيقول: "وأنا أذكر جيداً الحوادث المؤلمة التي كانت تروع سكان المدينة الآمنة بين حين وآخر وأذكر كيف كان بعض الرجال المدججين بالسلاح يدخلون السوق الرئيسية في وضح النهار فينهبون أموال الصيرفيين ويقتلونهم ثم يخرجون آمنين وأذكر أيضاً تلك الأمسيات القاتمة عندما تهاجم عصابة من أربعين أو خمسين شخصاً مسكن أحد الأثرياء أو مخزناً تجارياً فيقلعون الأبواب والنوافذ ويدخلون ويفتكون بساكنيها لا فرق عندهم بين صغير أو كبير في حين يقوم أعوانهم في سد الطرق المؤدية إلى المكان. فإذا انتهى الغزو حملوا المسروقات إلى البساتين المتاخمة لاقتسام الغنائم وهم يرددون الأهازيج ويطلقون الرصاص اعتباطاً.. كل هذا والحكومة ساهرة على الأمن وأعز الله السلطان!
ويواصل الكاتب وصفه لتلك الأيام السوداء فيقول: "وأذكر جيداً يوم اغتيل الحاج منصور السلمان عميد أسرة السلمان المعروفة بالبصرة بينما كان جالساً في مقهى التجار في البصرة المكتظة بالوجوه والأعيان وكيف سار الشقيان الهوينا بعد اقتراف جريمتهما المنكرة وتواريا عن الأنظار آمنين. وبصورة مماثلة اغتيل خالد باشا العون شيخ الزبير آنذاك في عرض الشارع المؤدي إلى جامع (ذي المنارتين) في البصرة". انتهى..
هذا شيء من تاريخ البصرة الحديث أما تاريخها القديم فقد بدأ في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أمر ببنائها سنة 15 للهجرة قرب مكان يسمى الخريبة قرب مدينة الزبير الحالية لتكون قاعدة عسكرية أمامية للمسلمين لفتح العراق وبلاد فارس وقد بنى فيها الإمام علي رضي الله عنه الخليفة الرابع مسجداً كبيراً لا تزال آثاره باقية عند مدخل مدينة الزبير من الشرق. كما وقعت قربها معركة الجمل المشهورة. وقد اشتهرت البصرة في العهود الإسلامية الأولى كمركز هام للثقافة الإسلامية والعربية كما اشتهرت بعلمائها وفقهائها في الدين واللغة العربية من أمثال الحسن البصري والجاحظ وأنس ابن مالك وبشار ابن برد والخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي وضع أوزان وبحور الشعر وأبي الأسود الدؤلي وغيرهم وعندما بدأ الانحلال يظهر في الخلافة العباسية سرت العدوى إلى مدن العراق ومنها البصرة فقامت ثورة الزنج والقرامطة ثم توالت عليها النكبات خلال فترة الحكم العثماني التركي الذي دام أربعة قرون والذي انتهى بالاحتلال البريطاني كما سبقت الإشارة.
ومادمنا في سياق الحديث عن التاريخ فإن عام 1921 كان عاماً له أهمية خاصة في تاريخ العراق الحديث حيث في شهر مارس (آذار) من ذلك العام انعقد (مؤتمر القاهرة) وحضره نخبة من رجال الإمبراطورية البريطانية ومن بينهم المستر ونستن تشرشل وأظنه كان وزيراً للمستعمرات في ذلك الوقت كذلك كان من بين الحاضرين السير برسي كوكس المندوب السامي في العراق والمس بيل وهي من المتخصصات بالشئون العربية وبخاصة شئون العراق وكانت لها أدوار هامة في توجيه السياسة البريطانية في المنطقة ولها رسائل مشهورة مطبوعة باسمها، كما حضر المؤتمر الكولونيل لورنس الملقب (لورنس العرب).
وفي ذلك المؤتمر تم ترشيح الأمير فيصل ابن الحسين ملكاً على العراق وكان الأمير فيصل في ذلك الوقت في لندن وبلغ بالخبر ويقول المؤرخ (فيليب أرلند) إنه عندما ذهب السير (كنهان كورنوالس) إلى الفندق ليخبر الأمير فيصل بهذا الترشيح وكان الوقت ليلاً فلم يجده فظل ينتظره حتى عاد عند منتصف الليل فأطلعه على البرقية الواردة من القاهرة فقال الأمير فيصل لكورنوالس "أنا لا أستطيع أن أتخطى أخي عبدالله فهو أكبر مني سناً" فرد عليه كورنوالس نحن على اتصال بالأمير عبدالله وقد تم التفاهم معه فقبل فيصل الترشيح وبدأ يستعد للسفر. وقد أقلته فيما بعد سفينة حربية إلى ميناء البصرة حيث وصل في شهر يونيو (حزيران) من ذلك العام وجرى تتويجه ملكاً على العراق في بغداد في أغسطس آب 1921
(أنظر الصورة).
أما كورنوالس هذا فقد أصبح له تاريخاً حافلاً في توجيه الوضع السياسي بالعراق حيث عين كمستشار لوزارة الداخلية وظل في هذا المنصب حتى عام 1935 عندما جاء رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية في وزارة ياسين الهاشمي فأنهى خدماته بصورة استفزازية أثارت حقد وغضب السلطات البريطانية. ومن سخريات القدر أن يأتي السير كنهان كورنوالس هذا سفيراً لبلاده في العراق قبيل تسلم رشيد عالي رئاسة الوزارة في عام 1941 وهو العام الذي قامت فيه حركة رشيد عالي والقواد الأربعة حيث لعب كورنوالس دوراً هاماً في إجهاضها الذي أدى إلى هروب رشيد عالي والذين قاموا بالثورة إلى طهران وبقاء كورنوالس
(راجع التفاصيل عن الحركة في آخر فصول الكتاب)!!
الالتحاق بالمدرسة في البصرة
بعد أيام قليلة من وصولي أدخلوني في إحدى المدارس التي تم فتحها في المدينة بعد الاحتلال البريطاني وبداية الحكم الوطني وتقع في محلة السيف وحملت نفس الاسم "مدرسة السيف" وكانت بالمستوى الابتدائي. وكان البناء على الطراز القديم بطابق واحد مربع والغرف تطل على باحة كبيرة (حوش) كانت متنفساً للتلاميذ في أوقات الفرص بين درس وآخر حيث يطغى في تلك الساحة الهرج والصخب أثناء تواجد التلاميذ فإذا دق الجرس هدأت الأمور وخلت الباحة ممن فيها.
والداخل الى الغرف يشاهد تأثير الرطوبة العالية على الجدران المبنية من الطابوق الأصفر (الطوب المفخور) غير المطلي فتجد الثقوب التي تعشش فيها الحشرات بأشكالها كما تتواجد المقاعد الخشبية على الأرض مباشرة ما يجعل الرطوبة لا تطاق في أيام الشتاء لا سيما عند هطول الأمطار وامتلاء شوارع المدينة بالأوحال التي تتشبع بها أحذيتنا فتزيد الطين بلة كما يقول المثل.
وكانت المدرسة كما ذكرت ابتدائية تبدأ بالصف الأول وتنتهي بالسادس. وكان يوجد صف تحضيري أشبه (بالروضة) اسمه "صف الصبيان" وقد ألحقوني به وكانت تدرس فيه مبادئ الكتابة والقرآن الكريم والحساب. وقد سبق لي كما ذكرت أن تعلمت شيئا من ذلك في الكويت ولذلك شعرت أني في مستوى أعلى. ولم تطل الإقامة في المدرسة حيث بدأت العطلة الصيفية بعد بضعة أيام.
وكان ذلك الوقت بداية نضوج ثمر النخيل (التمر) وكانت عادة بعض ملاك بساتين النخل في تلك الأيام الانتقال إلى تلك البساتين للإشراف على جني الثمار ويسمونه (موسم القصاص) أي قص العثوق المتدلية من النخلة والمحملة بالتمر. وكانت لهم بيوت ريفية غالبها يقع على شواطئ الشط أو على أحد فروعه الكثيرة وكانت للوالد قطعة من النخيل تقع في جزيرة الصالحية الواقعة بين شط العرب والنهر المسمى باسمها. وكان لنا هناك بيت ريفي بسيط تقضي فيهالعائلة فترة ثلاثة أشهر تنتهي مع انتهاء موسم قطف التمور وبيعها.
وهكذا تم الانتقال إلى هناك بواسطة البلم الذي كان أهم واسطة للنقل في تلك الأيام لا سيما وأن البصرة كما ذكرت يخترقها الكثير من الأنهار المتفرعة من شط العرب حيث تروي بواسطتها الكثير من بساتين النخيل وفي الوقت نفسه تقوم بمهمة طرق للمواصلات النهرية بين قرى وأماكن كثيرة وقد اشتهرت البصرة منذ القدم بهذه الأنهر.
وفي تلك الفترة التي أتحدث عنها (عام 1921) لم تكن خطوط الكهرباء أو الماء قد وصلت إلى البيوت ولهذا فإن الحياة في الأرياف لم تكن تختلف كثيراً عن الحياة في المدن وقد تكون في كثير من الأحيان أيسر من الناحية المعيشية بصورة خاصة. وعلى ما أذكر فإن الكهرباء لم تصل إلى معظم البيوت في البصرة إلا في عام 1927 ولم تصل المياه عن طريق الأنابيب إلا في عام 1925.
كان بيت الوالد يقع في محلة الباشا وهو مبني على الطراز القديم كما ذكرت وكان قبل ذلك تملكه عائلة الشبيلي النجدية وكان يستعمل (خاناً) لخزن البضائع وأتذكر أن الوالد كان عندما يريد أن يصف الموقع لإيصال بعض حاجات البيت يقول للشخص هل تعرف (خان الشبيلي)؟
والبيت مؤلف من طابقين طابق أرضي فيه غرف واسعة مظلمة معد لخزن البضائع والطابق العلوي كان مخصصاً للسكن أما الباب الخارجي للبيت فكان أشبه بأبواب القرون الوسطى ذي فردة واحدة طولها حوالي مترين ونصف وعرضها يزيد على المتر والربع وسمكه بحوالي العشرين سنتمراً وليست له مفاصل بل يرتكز على محور أرضي من الحديد ومحور آخر علوي وذلك لسبب ثقله وله عوارض خشبية من الداخل مثبتة بمسامير ضخمة بارزة من الخارج كما كان له قفل ضخم مثبت من الداخل من الحديد وللقفل (الكيلون) مفتاح ضخم طوله حوالي ثلاثين سنتيمتراً وتسمع رنينه عندما يقفل من مسافة بعيدة. ومن الواضح أن صنع أبواب المنازل بهذه الضخامة مرده إلى اضطراب حبل الأمن في العهد العثماني كما سبقت الإشارة. ويقع بيت متصرف البصرة -أحمد باشا الصانع- بالقرب من بيتنا وصدف في تلك السنوات أن زار الملك فيصل الأول البصرة ونزل في بيت المتصرف على ما أذكر وقد ازدانت شوارع المحلة بالزينات وفرشت الشوارع بالسجاد العجمي.
وكانت المياه المستعملة للبيوت على نوعين نوع مخصص للشرب وينقل للموسرين من شط العرب بواسطة (البلم) في أواني نحاسية تسمى الواحدة منها (مصخنة) وهو نفس النوع الذي تحمله النساء الفلاحات لنقل المياه من الشط الى بيوتهن. أما النوع الثاني من المياه وهو ما يخصص للأغراض المنزلية وهذا ينقله السقاء من شط العشار إلى البيوت ولم تكن توجد تصفية للمياه أو أي تعقيم ولهذا فالأمراض الباطنية منتشرة على أشكالها مثل (الدسنتطاريا) الزحار (والبلهاريزيا) البول الدموي وأمراض الديدان المعوية المختلفة. ناهيك عن مرض الملاريا الذي اشتهرت به البصرة في تلك الأيام وكنت من ضحاياه كما سيأتي ذكره وسبب انتشار تلك الأمراض المشار إليها إن غالبية أهل البصرة كانوا يشربون من مياه السواقي القريبة من مساكنهم وحتى مياه شط العرب التي أشرنا إليها لم تكن خالية من جراثيم تلك الأوبئة.
أعود إلى انتقالنا إلى البيت الريفي في الصالحية فأذكر أن حالتي النفسية القلقة المتأثرة بفراق الأهل والوطن قد طرأ عليها التغير وذلك بسبب تغير المكان والأشخاص فجمال الريف ومنظر الشط والسفن الشراعية والبخارية وجني ثمار النخيل وأشجار الفاكهة مثل العنب والخوخ (الدراق) والرمان تتدلى منها ثمارها وفي متناول اليد كذلك كثرة أنواع الخضار المزروعة حول البيت وعلى شواطئ السواقي الصغيرة المنتشرة بين أشجار النخيل. كما سنحت لي الفرصة للتعرف على أبناء الفلاحين الذين كانوا في مثل عمري وكنت العب معهم بمرح وانطلاق لم أعهده منذ فارقت الكويت.
ومع كل هذا فان الوالد رحمه الله كان يشدد علي الحصار بين الحين والآخر لا سيما وقت الظهيرة فكان يجبرني على النوم بالقرب منه خشية منه علي من الذهاب للاستحمام في النهر وتعرضي للشمس المحرقة وغير ذلك من الأخطار. وكانت هناك أيام استمتع بها بكامل حريتي وذلك عندما يغادر في الصباح إلى العشار والبصرة ولا يعود إلا في المساء وذلك يحدث كل أربعة أو خمسة أيام. فمن السباحة في النهر وعدم النوم ظهراً إلى قضاء معظم الوقت في بيوت الفلاحين القريبة من بيتنا واللعب مع أولادهم والذهاب معهم إلى أماكن بعيدة لجلب الحشيش إلى أبقارهم التي لا يكاد يخلو منها بيت.
وعلى ذكر الفلاح فقد كان عندنا في أرض الوالد التي كانت تبلغ مساحتها حوالي ثلاثين جريباً
(الجريب حوالي أربعة آلاف متر مربع) أو فداناً أربعة فلاحين مع عائلاتهم يسكنون في الأرض بصورة دائمة ولهم حصة معينة سنوية بعد بيع محصول التمر توزع فيما بينهم. كما أن للفلاح الحق في زرع ما يشاء من الخضروات لاستهلاكه وبيع ما زاد منها عن حاجته ولكن الفلاحين البعيدين عن مركز المدينة يصعب عليهم بيع الفائض عندهم بسبب صعوبة المواصلات ولذا تجدهم لا يهتمون كثيراً في زيادة الإنتاج عن حاجتهم. كذلك فيما يتعلق بالفاكهة فان لهم الحق أن يأكلوا منها مع عدم السماح لهم بالبيع لأن الفاكهة تعتبر ملكاً لصاحب الأرض ويعتبر هذا النوع من الاتفاق هو المتعارف عليه غالباً بين الفلاح والمالك وعلى العموم فالفلاح في العراق في تلك الأيام ومما بعدها حتى ثورة تموز (يوليو) 1958 كان خاضعاً لنوع من النظام الإقطاعي لا سيما في منطقتي دجلة والفرات حيث تنتشر زراعة الرز والقمح والشعير بصورة خاصة وقد سمعنا قصصاً كثيرة عن قسوة الإقطاع هناك والاستهتار بحقوق الفلاحين واعتبارهم كالعبيد حتى أن بعض كبار الإقطاعيين كانت لهم سجون خاصة لسجن الفلاحين!
أما في منطقة البصرة فكان الوضع يختلف والعلاقة بين المالك والفلاح لا تصل الى المستوى الذي أشرنا اليه في الإقطاعيات الشمالية كذلك فإن معظم بساتين النخيل في البصرة يملكها صغار الملاك والعلاقة بين الملاك وفلاحيهم وفي البصرة على وجه العموم أكثر إنسانية.
موسم قطف التمور في البصرة
يبدأ موسم قطف التمور في البصرة اعتباراً من نهاية شهر آب (أغسطس) وبداية سبتمبر
(أما نضوج الرطب فيبدأ في النصف الثاني من شهر تموز "يوليو" ويتقدم إذا كان الصيف شديد الحرارة والرطوبة ويتأخر إذا كان الصيف معتدل الحرارة ولكن بأيام معدودة) من كل عام وينتهي عند منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) وكانت تلك الفترة فترة خير وبركة على الكثيرين من أهل البصرة وغيرها من مناطق البلدان المجاورة بالنظر لما تهيئه من مصادر للرزق للكثيرين في شتى المجالات والأعمال.
فعلاوة على السفن البخارية التي قد تصل حمولتها إلى عشرة آلاف طن وأكثر تصل إلى ميناء البصرة لحمل التمور المعبأة بالصناديق للأصناف المطلوبة في أوربا وأمريكا. فهناك الكثير من السفن الشراعية الخليجية وعلى الأخص سفن الكويت وعمان تصل إلى البصرة لنقل التمور المعبأة (بالخصاف) المصنوع من خوص النخل إلى سواحل أفريقيا والبحر الأحمر والهند.
وكان المرحوم الحاج حمد العبدالله الصقر من أكبر التجار المصدرين للتمور بواسطة السفن الشراعية، كما أنه يعد من كبار الملاك الكويتيين لبساتين النخيل في منطقة البصرة في تلك الفترة. كما أن عائلة آل الصباح كانت وما زالت تملك أراضي واسعة لزراعة النخيل في منطقة الفاو وما جاورها. وكذلك عائلة آل الابراهيم وبجوار أراضي الوالد كانت توجد أرض يملكها أحمد وصالح أبناء محمد صالح الحميضي وكان الوالد يتولى الإشراف عليها وبعد وفاة الوالد تولى العم عبدالرحمن البدر مهمة الإشراف عليها وعلى بساتين أخرى اشترياها فيما بعد.
وأذكر من الكويتيين الذين تملكوا بساتين النخيل في منطقة الصالحية المرحوم جبر الغانم ولم تكن أرضه بعيدة عنا وكان الوالد يزوره في بعض الأمسيات ويصحبني معه. والواقع أن الاستثمارات الكويتية في ذلك الوقت كانت محدودة وكانت مقتصرة على الهند والعراق ومنطقة البصرة بالذات حيث كانت هذه منطقة جذب بالنسبة للكويتيين المقتدرين بالنظر لقربها من بلدهم ولتوفر وسائل المعيشة الرخية فيها. أما على الصعيد التجاري فإن سفنهم الشراعية كانت تتردد على ميناء البصرة باستمرار حاملة البضائع المختلفة من وإلى الميناء كما كان لبعض الكويتيين مكاتب تجارية هناك.
زراعة النخيل في منطقة البصرة
تعتبر مدينة القرنة ضمن الحدود الشمالية لمنطقة البصرة حيث عندها يلتقي النهران العظيمان دجلة والفرات ويتفرع منهما النهر الكبير المسمى (شط العرب) وعلى ضفتي هذا الشط العظيم تقع بساتين النخيل حتى مدينة الفاو حيث تلتقي مياه شط العرب بمياه الخليج. وفي هذه المنطقة تزرع مئات الأصناف من التمور وقد ذكر الشيخ عبدالقادر باشا أعيان في كتابه -النخلة سيدة الشجر- ستاً وثمانين صنفاً سماها بأسمائها وأشهرها (البرحي) والحلاوي والخضراوي والساير أو السعمران والقنطار الى آخر القائمة. وقد أشار إلى البرحي فقال أن تمر البرحي لم يكن معروفاً إلا في حوالي المائة عام حيث نبتت هذه الشجرة المباركة في أرض براح أي مكشوفة تملكها عائلة معروفة في مدينة أبي الخصيب وهي عائلة -آل زيدان- فوجدوا أن ثمرها كان من النوع الممتاز الذي لم يكن معروفاً لديهم في الماضي فسموه (برحي) واهتموا به وتكاثرت زراعته يوماً بعد يوم.
ومما لا شك فيه أن شجرة النخل شجرة مباركة فقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في عدة سور ومنها سورة مريم وبسبب وفرة المواد السكرية في التمر فبالإمكان الاحتفاظ به مدداً طويلة دون أن يتلف ومع احتفاظه بطاقته الغذائية الكبيرة ولهذا فإن التمر كان أحد المواد الغذائية الرئيسية التي تزود بها السفن عند إبحارها لأشهر طويلة وكذلك بالنسبة للقوافل التي ترتاد الصحاري القاحلة. ولم يكن في المنطقة أي بيت كبيراً كان أو صغيراً إلا ويحتفظ بكمية من التمر كمادة غذائية رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها وذلك تمشياً مع الظروف المعيشية التي كانت سائدة في تلك الأيام. وهناك مواد أخرى في النخلة ذات فائدة لا يستهان بها فجذع النخلة يستفاد منه في عدة أمور مثل تسقيف البيوت وأنا أذكر أن بعض البيوت الكويتية القديمة كانت سقوفها من جذوع النخل. كذلك فإن سعف النخلة يستعمل للوقود كما تصنع من جريد النخل بعض الحوائج المنزلية مثل الأسرة والأقفاص وغيرها ويصنع من (الخوص) أوراق السعف الحصران والسلال وغيرها.
الحياة في أرياف البصرة
الواقع أن الحياة الريفية في البصرة في تلك الأيام كانت أيسر وأوفر لا سيما وأن المنتقل إلى الأرياف لا يفقد الكثير من حياة المدينة فالكهرباء لم تكن موجودة في المدن ولم تكن هناك مياه تصل إلى البيوت كما سبقت الإشارة وغالباً ما تكون غير نظيفة لا سيما إذا كانت منقولة من الأنهار الفرعية.
أما في الأرياف الواقعة علي شط العرب أو على فروعه الرئيسية فإن مياه الشرب فيها أنظف بكثير.
والحقيقة أن المعيشة الريفية كانت مريحة ورخية حتى بالنسبة للفلاح فمع الدخل البسيط الذي يحصل عليه فإنك لا تشعر بأنه معرض إلى نقص في التغذية فمن النادر أنك تجد فلاحاً لا يملك بقرة وكان سعرها في ذلك الوقت لا يزيد على الأربعين روبية أي ثلاثة دنانير للأنواع الممتازة. والبقرة في الريف لا تكلف الفلاح شيئاً لأن علفها متيسر وبكثرة. وزوجة الفلاح لا تقل نشاطاً عن زوجها سواء في داخل البيت أو خارجه فهي التي تهتم بشئون البقرة وطبخ الطعام وخبز الخبز يومياً حيث أن الخبز لا يباع عند الخبازين في الأرياف بل يخبز في التنور داخل البيت أو خارجه. وغالبية الغذاء اليومي للفلاح كما شاهدته الرز المسلوق مع اللبن الرائب والخبز والتمر. أما الأدام فأحيانا يكون من السمك الذي قد يصطاده الفلاح أو أبناؤه من النهر. وهناك نوع من السمك المملح يجلب من منطقة الأهوار في شمال البصرة واشهر أنواعه (البرزم) وجمعه برازم وعلاجه بالملح قريب الشبه بالفسيخ المصري ومجلب إلى هذه المناطق بواسطة الأبلام أو (المشاحيف) التي هي قريبة الشبه بالجندول الإيطالي وتكون عادة ذات لون أسود لأنها مطلية من الخارج بالقار لكي يحفظها من تسرب المياه ومن الغريب أن غالبية الذين يمارسون مهنة البيع في الأنهر بهذه (المشاحيف) والمفرد يسمى مشحوف من النساء اللاتي ينتمين إلي قبيلة (المعدان) في منطقة الأهوار والمفرد للمذكر معيدي وللمؤنث معيدية ولأنهن يأتين من مسافات بعيدة فقد هيأن أنفسهن للعيش في مراكبهن كما يفعل بعض سكان الشرق الأقصى. وتتم عملية البيع والشراء غالباً بطريقة المقايضة بالتمر. هذا في السمك أما اللحم فان الفلاح لا يستطيع شراءه إلا بالمناسبات لغلائه نسبياً أما الدواجن فهي متيسرة ولا يخلو منها بيت في الريف وعلى ذكر منطقة الأهوار في شمال البصرة أعتقد أن من الفائدة إعطاء نبذة عابرة عنها فالمنطقة عبارة عن بحيرات هائلة من المياه الضحلة تقدر مساحتها بآلاف الكيلومترات وتزداد هذه المنطقة اتساعاً في موسم الفيضانات لنهري دجلة والفرات في فصل الربيع حيث تصل المسافة المغمورة بالمياه إلى مشارف مدينة الكوت وأشهر هذه الأهوار هو هور الحفار وتكثر في هذه البحيرات الهائلة أنواع من الأسماك النهرية كما تتواجد فيها الخنازير الوحشية التي تعيش بين أشجار القصب الكثيفة التي تنبت على الطبيعة وبكثرة ومن هذا القصب تصنع الحصران التي تسمى (البواري والمفرد بارية) ومن القصب والبواري تصنع بيوت القرويين هناك. كما أن قسما كبيراً من أراضي هذه الأهوار صالحة لزراعة الرز لا سيما بالقرب من مدينة العمارة.
ولقد ألف الرحالة البريطاني ولفرد ثاسجر
(The Marsh Arabs-Wilfred Thesiger) كتاباً قيماً وصف فيه وصفاً دقيقاً لتلك الأماكن وأهلها وقبائلها بعد أن عاش معهم عدة سنوات وتحمل شتى أنواع المشاق في سبيل هذه المهمة.
وأعود إلى الفترة التي دامت حوالي ثلاثة أشهر من صيف 1921 والتي قضيتها في بساتين النخيل حيث تفتحت أمامي ولأول مرة معالم عالم جديد وكيف أن موسم قطف التمور وتصديرها يفتح أبواباً كثيرة للرزق لأهل البلاد ولغيرهم من تجار وعمال وحراس وأصحاب الحرف المختلفة وقد رأيت رجالاً من نجد يأتون في هذا الموسم لكسب الرزق ويقومون بمهمة الحراسة في بساتين النخيل.
العودة إلى المدرسة
عدت إلى المدرسة بعد عودة العائلة إلى مدينة البصرة أو بعد انتهاء موسم تصريف التمور وكما أشرت سابقاً فإن تلك السنة كانت أولى سنوات الحكم الوطني في العراق ويذكر الأستاذ ساطع الحصري في كتابه (مذكراتي في العراق) عن المرحلة ما بين 1921-1927 أنه كان في وزارة المعارف مستشار إنجليزي وكان يسير على خطة المستر دنلوب المشرف على شئون المعارف في الحكومة المصرية. فالدراسة الابتدائية كانت ست سنوات، اثنان منها تسمى أولية والأربعة الباقية تسمى ابتدائية - أي كانت التسمية أول أولى، ثاني أولى، ثم أول ابتدائي وهكذا وقد أجرى الأستاذ ساطع الحصري تعديلات جذرية في نوعية الدراسات بعد أن أوكلت له مهمة وضع أسس جديدة.
كذلك كانت هناك مدارس خاصة مثل المدرسة الأمريكية وأصبح لها فرع فيما بعد في مدينة البصرة لتعليم البنات. وكانت هناك أيضاً مدرسة الاليانس اليهودية والتي مركزها الرئيسي في باريس ولها فروع في كافة البلاد العربية وفي تركيا وبلاد فارس والدروس فيها تدرس باللغة الفرنسية.
ولا أذكر كم من الأشهر مكثت في الصف التحضيري أو صف الصبيان كما كان يسمى حيث نقلت بعد هذه المرحلة إلى الصف الأول أولي وكان مدرسونا خليطاً من الشباب الذين تخرجوا حديثاً في دورات التدريس التي كان مستواها أقل من مستوى الدراسة الثانوية. كما كان من بين المدرسين من هم أكبر سناً ومن الذين خدموا في العهد العثماني وكانوا أوسع خبرة.
وخلال هذه الفترة وما بعدها تعاقدت الحكومة العراقية مع بعض المدرسين من البلاد العربية مثل سوريا ولبنان وفلسطين لسد بعض النقص في أجهزة التدريس وأذكر في فترة الدراسة الابتدائية أن جاءنا مدرس من بيروت اسمه عبدالرحمن العيتاني كان يدرسنا الحساب واللغة الإنجليزية وكانت غالبية التلاميذ تحبه ونحترمه والواقع أن الأستاذ ساطع الحصري عمل كثيراً من أجل تطوير أنظمة التدريس في العراق حيث كانت له خبرة واسعة في مجال التربية والتعليم منذ العهد العثماني كما أصبح فيما بعد وزيراً للمعارف في دمشق في عهد الملك فيصل أيام حكمه القصير كملك لسوريا بعد تحريرها من العثمانيين الأتراك. وقد جاء الأستاذ الحصري إلى العراق بناء على رغبة الملك فيصل وتأييده حيث استطاع التغلب على كثير من الصعاب والمضايقات التي كان يواجهها من السلطات البريطانية وبعض العناصر المحلية كما يشير في مذكراته.
وكانت نوعية الدروس في المدارس الابتدائية تشبه إلى حد ما ماهي عليه الآن وكانت اللغة الإنجليزية تدرس في الصفين الأخيرين أي الخامس والسادس ابتدائي.
وكانت بعض كتب الدراسة تأتي من مصر مثل كتاب (القراءة الرشيدة) أما كتب تدريس اللغة الإنجليزية فكانت تأتي من بيروت ومن الكتب التي تدرس في الصفوف التحضيرية في الجامعة الأمريكية.
وأود الآن أن أترك موضوع المدرسة والدراسة جانباً لأعود إليه فيما بعد وأذكر شيئاً عن الحياة خارج المدرسة.
فالوضع السياسي كان كما أشرت سابقاً احتلالاً بريطانياً في البداية ثم مجيء الملك فيصل في صيف 1921 بصفته ملكاً على العراق في الوقت الذي كانت فيه هيمنة بريطانية تحت اسم الانتداب. إنما مع مرور الزمن بدأت معالم الحكم الوطني تبرز للعيان وبرزت شخصيات عراقية اشتهرت بوطنيتها وإخلاصها للبلاد مثل ياسين الهاشمي وجعفر أبو التمن وعبدالمحسن السعدون وغيرهم وبشهادة الكثيرين ممن أرخوا لتلك المرحلة من عرب وأجانب فإن الملك فيصل الأول لم يكن ألعوبة بيد الإنجليز بل كان في كثير من الحالات يقف إلى جانب المعارضة من أجل تحقيق الأماني الوطنية للشعب العراقي بقدر ما كانت تسمح به الظروف وقد قاسى من وراء ذلك الكثير من المصاعب والمتاعب مع المواطنين ومع الإنجليز على حد سواء كما سبق وذكرت.
وكانت البلاد تمر في تلك الأيام في فترات من الأمن والرخاء لم تعهدها من قبل وبسبب ظروف الحرب وما بعدها وانتعشت التجارة وارتفعت أسعار الأراضي والمحاصيل الزراعية وظهرت ثروات بيد بعض الأفراد لم تكن معروفة من قبل وارتفعت أسماء وهبطت أسماء. وكما هو الحال في كل زمان ومكان فعندما تأتي الثروة بسرعة يسهل مجال الصرف والبذخ وهكذا بين عشيته وضحايا زالت معظم تلك الثروات وباع البعض أملاك آبائهم وأجدادهم بسب تعودهم على تلك الحياة الباذخة ثم أصبحوا على بساط الفقر.
العودة إلى الكويت
في صيف 1923 أي بعد سنتين من مغادرتي الكويت وصل جدي لأمي إلى البصرة وقابل الوالد وطلب منه الموافقة على سفري معه إلى الكويت لزيارة الوالدة فوافق الوالد لا سيما وأن عطلة الصيف قد بدأت. ولا أستطيع أن أصف فرحتي عندما أخبرني جدي بأن الوالد وافق على سفري وبلمح البصر لملمت بعض حوائجي المتواضعة حيث ذهبنا إلى العشار وهو الاسم الذي يطلق على جزء من مدينة البصرة المشرف على نهر شط العرب ويقال انه سمي بهذا الاسم حيث كانت السلطة أو الحكومة لها موظف هناك يجبي ضريبة العشر على السلع والأطعمة المستوردة إلى داخل المدينة.
قضينا ليلة في أحد الخانات هناك وفي الصباح ركبنا بأحد الأبلام العشاريه وتوجهنا نحو (بوم) كويتي ألقى مراسيه في الشط وكان محملاً (بالبواري) جمع بارية وهو نوع من الحصران المصنوعة من القصب والتي أشرت إليها في مناسبة سابقة. وبسبب خفة وزن البواري فإن ارتفاع الحمولة كان يعلو على سطح السفينة الذي لم يبق منه إلا بضعة أقدام مربعة مما اضطرنا إلى الصعود على البواري والنوم فوقها ليلاً.
لا أتذكر متى تحركت السفينة ولكن أتذكر أن الريح الشمالية التي كانت تهب في ذلك الوقت كانت ضعيفة ولهذا فإن مجرى تلك السفينة الشراعية كان بطيئاً كذلك كان مجراها يتأثر بتيارات المد والجزر التي امتاز بها نهر شط العرب.
كان اتجاهنا نحو الفاو وهو ميناء البصرة الذي يقع عند ملتقى شط العرب بمياه الخليج وهناك يوجد مركز للجمارك ومحطة تلغراف منذ أيام العهد العثماني وقد أجرى عليها الإنجليز بعض التحسينات ولم تكن هناك إدارة للجوازات ولهذا لم يطالبنا أحد بجواز لا في العشار ولا في الفاو ولم أكن أحمل جوازا على أي حال!
وبسبب بطء سير السفينة كما أشرت فقد دامت الرحلة أكثر من يوم وليلة على ما أذكر والبوم الذي نحن بصدده يسمى بالمصطلح المحلي (بوم قَطَّاع) وهذا النوع من السفن الشراعية يستعمل لنقل البضائع في منطقة الخليج وهو عادة أصغر حجما من (البوم السفَّار) الذي يكون مهيئاً للسفر خارج منطقة الخليج مثل الهند وشرق أفريقيا وقد تصل حمولة الواحد منه ما بين 350 و 400 من الأطنان.. وعلى ذكر هذه الرحلة فكان الخيار محدوداً فيما يتعلق بوسائل السفر فالبواخر في تلك الأيام مع وجودها لم يكن قد تم تنظيم مواعيد سفرها بين الكويت والبصرة كما أن الطريق البري لم يكن مطروقاً من قبل السيارات التي لم يبدأ سيرها بانتظام إلا في عام 1927 كما سيأتي ذكره وكان السفر براً بين البصرة والكويت يتم في تلك الأيام وما قبلها بواسطة الجمال أو البغال وكانت مدينة الزبير محطة هامة لتلك القوافل.
واصلنا سيرنا البطيء نحو الفاو فوصلناها عند المغرب وقد أرخى الظلام سدوله. فبتنا فوق البواري كما أشرت وفي الصباح قبل طلوع الشمس أذن المؤذن لصلاة الفجر ثم تناولنا الشاي وعندما طلعت الشمس غمرت بأشعتها الذهبية أشجار النخيل المتراصة على ضفتي النهر ومع صعوبة تلك الرحلة ومشقتها إلا أني كنت أشعر بسعادة عارمة ولأول مرة منذ مغادرتي الكويت. حيث بعد تلك الغيبة الطويلة بدأ حلم العودة يتحقق.
ارتفعت الشمس وبدأت حرارتها تشتد شيئاً فشيئاً وكانت السفينة قد ألقت مراسيها أمام مركز الكمرك القديم الذي بناه الأتراك وإذا بنا نرى عن بعد زورقاً بخارياً يقف بجانب المركز ويرفرف عند مؤخرته علم الكويت!
فصاح جدي هذا (لنج)
عبدالعزيز السالم، وطلب جدي من ربان السفينة (النوخذة) أن يأمر بعض بحارة البوم لتوصلنا إلى الزورق بواسطة القارب الصغير المربوط بمؤخرة السفينة والمخصص لمثل هذه الخدمات ويسمى بلغة أهل البحر (القلص). وعند اقترابنا من الزورق البخاري تأكدنا بأنه الزورق الذي يستعمله عبدالعزيز في تنقلاته بين البصرة والفاو والكويت للإشراف على أملاك آل الصباح، هذه الوظيفة ا لتي ورثها عن أبيه سالم البدر عند وفاته عام 1895 حيث كان سالم البدر يقوم بهذه المهمة منذ عهد صباح الثاني حاكم الكويت الرابع. عرف المرحوم عبدالعزيز السالم بأننا متجهان إلى الكويت فعرض على الجد أن نصحبه في هذه الرحلة فقبل العرض مسروراً وشاكراً وعدنا الى البوم ودفعنا للنوخذة أجرته وحملنا أمتعتنا إلى (اللنج) وما هي إلا لحظات حتى حان وقت الغداء وشتان بين ذلك الغداء الدسم والوجبات البسيطة التي تناولناها في البوم. وقضينا ذلك النهار في الفاو وبتنا ليلتنا في الزورق وفي الصباح الباكر غادرنا الفاو وباتجاه الكويت. وكانت سفرة من أسعد السفرات بالنسبة لي على الأقل. ومن حسن الطالع أن البحر كان هادئاً في ذلك اليوم والنسائم الباردة تهب علينا من كل الجهات بسبب حركة القارب وصوت المحرك الرتيب تتردد أصداءه وكأنه بالنسبة لي يعزف إحدى السمفونيات الخالدة وواصلنا المسير حتى مال قرص الشمس الأحمر نحو الغروب ومررنا بين جزيرتين وعرفت من الجماعة أن التي على اليمين اسمها (مسكان) والتي على الشمال هي جزيرة (فيلكا). وما هي إلا لحظات حتى اختفى قرص الشمس في اللانهاية. وأصبحنا نمخر في ظلام دامس وبعد ما يقارب الساعتين بدأنا نرى الضوء الأحمر الذي كان مثبتاً فوق صاري العلم أمام دار المعتمد البريطاني.
وبدأنا شيئا فشيئا نقترب من الساحل دون ان يستطيع أحد الاهتداء إلى المكان المعد للنزول لسبب شدة الظلام في تلك الليلة.
الدخول الى النقعة:-
النقعة هي مصطلح محلي خليجي للمكان المحمي من الأمواج والذي يكون عادة محلاً آمنا لرسو السفن. ولكون الكويت بلد ساحلي وان مهنة غالبية السكان هي ركوب البحر سواء الانخراط في حرفة الغوص على اللؤلؤ أو صناعة السفن الشراعية والسفر بهذه السفن المعدة لأعالي البحار.
وكان من الطبيعي أن تكون بيوت أصحاب هذه السفن الذين يمونون عادة من كبار التجار في محاذاة الساحل حيث تسمى تلك الأحياء بأسماء الأشخاص البارزين من الذين يملكون تلك السفن أو يعتنون بصناعتها. كما جرت العادة أن يكون ساحل البحر أمام تلك البيوت محوطاً بأسوار من صخور البحر التي تجلب من منطقة في غرب الكويت اسمها (عشيرج). وتنشأ تلك الأسوار برصف تلك الصخور المجلوبة رصفا فنيا دقيقا بدون أية مادة بناء تربط الصخور ببعضها. وكلما كان الرصف متقنا كانت مقاومة السور للأمواج العاتية أشد وأطول عمراً. فترسو السفن بأمان داخل هذه الأسوار ويسمى هذا المكان (النقعه) ولا تزال بعض هذه النقع باقية حتى الآن وقد أجرى على بعضها بعض التغيرات مثل جلب الصخور البيضاء الرملية من المناطق القريبة من المدينة مثل منطقة المطلاع. ولكل نقعه من هذه النقع فتحه تكفي لدخول السفن وتسمى (الفاتق) والكلمة مشتقة من كلمة (فتق).
أعود الى زورقنا الذي بدأ يقترب من أحد هذه الأسوار بكل حذر خشية الاصطدام. حمل احد الملاحين رمحاً طويلا بيده ويسمى (مردي) وهو من خشب البامبو ومجلب من الهند أو شرق أفريقيا. ويستعمل عادة لدفع القوارب الصغيرة في المياه الضحلة. وبدأ الملاح يتجسس السور الذي أصبح قريبا منا وهو يضرب السور ضربات خفيفة اتقاء لاصطدام الزورق به وباحثا عن المدخل (الفاتق) الذي اهتدينا إليه حيث اتجهنا نحو الشاطئ استعداداً للنزول.
وبينما كنا نتلمس طريقنا إلى الساحل انطلقت الأصوات من مآذن المساجد المنتشرة على الساحل تنادي إلى صلاة العشاء وكانت لتلك الأصوات رنة خاصة في نفسي اعتدت على سماعها منذ بدأت أدرك ما حولي في هذه الحياة.
وكانت تلك الأصوات تأتي واضحة مسموعة دون الحاجة إلى مكبرات الصوت والتي تختلط عاده مع ضوضاء المدن الصاخبة. أما في تلك الأمسية فكان الأمر على النقيض حيث خيم السكون علي المدينة من أقصاها الى أقصاها مما يساعد على سماع المؤذن ينادي للصلاة من مسافات بعيده بذلك الصوت المبسط الخالي من التمديد والتمطيط.
حملنا أنا وجدي أمتعتنا البسيطة منطلقين من (نقعه الشيوخ) التي رسى فيها القارب واتجهنا نحو تلك الطرق الضيقة المظلمة وكانت خطواتي أسرع من خطوات الجد لشدة لهفي على وصول البيت ثم كان اللقاء الحار المفاجئ حيث لم يكن يعلم أحد من أهل البيت بموعد وصولنا وقد وجدت ضالتي التي فقدتها خلال عامين تلك الضالة التي لا يعادلها شيء بالنسبة لأي طفل ألا وهي حنان الأم!
وفي خلال فترة حياتي حكمت علي الظروف أن أغيب عن الوطن في عدة مناسبات فترات طويلة ولكن تلك الغيبة التي لم أكن مهيأ لها البتة كانت أطول غيبة لي وأقساها وان فرحة تلك الأمسية لم أجد إلا مثيل طيلة حياتي كما ان ذكريات تلك السفرة لم تمحها الأعوام الطويلة التي انسلخت من العمر وقد أذكرها أحيانا عندما أعود إلى الوطن على متن إحدى الطائرات ليلاً وأرى الأنوار المتلألئة من أبعد مكان.
وقضيت أياماً ممتعة خلال عطلة الصيف التي دامت قرابة ثلاثة شهور حيث بالإضافة إلى متعة القرب من الأهل فقد ازدادت هذه المتعة بسبب لقائي بأقران الطفولة من الأقارب وأولاد الجيران فكان اللعب المستمر والسباحة بالبحر. ولكن تلك المتعة لم تكن كاملة فقد عادت إلي الملاريا الملعونة وأقعدتني في البيت فترة من الوقت إلى ان أخذني جدي رحمه الله إلى المرحوم الحاج أحمد محمد الغانم الذي اشتهر بعلاج الأمراض بالأعشاب كما اشتهر في تجبير الكسور في العظام وكان يؤمن بالمثل القائل آخر الدواء الكي ولما علم بأني مصاب بالملاريا أعطانا قليلا من مسحوق القناقينا (الكنين) وقال للجد امزج بعض من هذا المسحوق بالزبدة وادهن به جسد الولد وفعلاً انقطعت عني الملاريا لفترة من الوقت بسبب هذا العلاج. وكان الحاج أحمد الغانم يعالج الناس مجانا ويقوم بهذا العمل تطوعا لوجه الله.
العودة إلى البصرة
نحن لا نزال في صيف 1923 وقد انقضت أيام العطلة وكأنها غمضة عين. لقد كانت أيامي كلها اعياداً ومتعة حتى الفترة التي كنت فيها مصابا بحمى الملاريا التي كنت بها محاطاً بالعطف والحنان فلم أشعر بوطأتها الشديدة التي كانت تجثو على جسمي الهزيل أيام زيارتها لي في البصرة.
لقد كنت أشعر بالمتعة بسماع هديل الحمام وزقزقة العصافير وقصف أمواج البحر وهياجها والزبد الذي يتلاشى على تلك الرمال الذهبية. لقد كنت أستمتع بأغاني البحارة وأهازيجهم وهم يهيئون سفنهم للأسفار الطويلة كما كنت أتلذذ بأغاني البنائين وهم يرددون "هيَّا هلمه" وأظن كلمة هلمه هي اختصار لكمة هلمَّ العربية.
وبدأت أتهيأ للمغادرة حيث اقترب موعد افتتاح المدارس وكان هذا الموعد يتناسب مع موعد سفر الجد الذي اعتاد زيارة البصرة في مثل هذا الموسم لشراء بعض التمور.
وكانت الوسيلة الوحيدة المضمونة هي السفن الشراعية التي تتكاثر زيارتها للبصرة في مثل هذا الموسم، موسم قطف التمور. وكان موعد إقلاع السفينة قبل الغروب بقليل فودعت الوالدة والأهل وخرجنا نحمل متاعنا نحو مكان السفينة التي سنسافر بها.
كنت وقتها في الحادية عشر من عمري وقد تعلمت الكثير من تجارب السنتين الماضيتين وكنت في سفرتي الأولى كمن هو ذاهب إلى المجهول. أما هذه المرة فالأمر يختلف فقد أصبح لي أصحاب وزملاء في الدراسة كما لم تكن المدرسة مكان خوف من عقاب الفلقة أو ملل من أمور رتيبة لذلك فلا مجال للمقارنة بين احساساتي خلال السفرتين.
دامت السفرة إلى ميناء العشار حوالي ثلاثة أيام وصلناه بعد الظهر ومن هناك استأجر جدي أحد القوارب (البلم) التي كانت تقوم مقام (التكسي) في أنهر البصرة في ذلك الوقت. وأنزلنا أمتعتنا واتجهنا نحو نهر الصالحية المتفرع من شط العرب ولم تكن هناك معاملات جمارك أو جوازات سفر.
فاتني أن أذكر أن عند دخولنا شط العرب صادفنا الكثير من السفن الشراعية الكويتية التي تنقل الماء من مصب شط العرب بالقرب من مدينة الفاو وذلك بواسطة عدة خزانات من الخشب تحملها كل سفينة ويسمى الخزان والواحد باللغة الدارجة (تانكي والجمع توانكي).
ويقال أن السفن الكويتية بدأت بنقل مياه الشرب من شط العرب منذ أيام الشيخ مبارك عندما نمت الكويت وتوسعت وأصبحت مياه الآبار لا تكفي لسد حاجات الناس في استهلاكها اليومي علما بأن الكويتيين يستعملون مياه الآبار الغير صالحة للشرب والتي لا يخلو منها منزل في ذلك الوقت للأغراض المنزلية الأخرى.
كذلك لا بد من الإشارة هنا إلى أن الشيخ مبارك في أواخر أيام حكمه أوصى على قطاره لتقطير مياه البحر وتم نصبها في نقعه الشيوخ وان شركة بريطانية في البصرة هي التي تم الشراء بواسطتها ولكن تلك القطارة لسبب من الأسباب لم تنجح تجربتها وظلت عاطلة حتى أوائل أيام حكم الشيخ أحمد الجابر وكنا نشاهدها ونحن صغار حيث كانت منصوبة داخل شبره صغيره عند ركن من أركان سور النقعه وأتذكر وجود جهاز مستدير فوقها يشبه الساعة في إطار من البرونز الأصفر وسطه بعض الأرقام ومؤشر واحد يشبه أحد عقارب الساعة وربما كان هذا الجهاز نوع من العدادات. وقد أطلعت في الفترة الأخيرة على رسائل بين حكومة الكويت والجهات التي باعت تلك القطارة وهي موجودة في مركز الوثائق التابع للديوان الأميري.
بداية العام الدراسي الجديد 1923-1924
بعد عودة العائلة من الريف إلى المدينة داومت بالمدرسة التي سبق أن فتحت أبوبها قبل عدة أيام من وصولنا والتحقت بصفي الجديد الذي رقيت إليه بعد نجاحي في الامتحان. وكنت كما ذكرت قد تأقلمت إلى حد ما مع مجتمعي الجديد سواء في البيت أو في المدرسة وحتى في الشارع حيث بدأت أتقن اللهجة البصرية بينما كنت في الماضي أتعرض للسخرية من بعض فتيان الحي بسبب لهجتي الكويتية.
وقد اختلفت الأمور بالنسبة للماضي الذي كنت أقضي فيه معظم الوقت في البيت بعد العودة من المدرسة وبدأت أعيش في آفاق اختلفت كثيراً عن فترة السنتين الماضيتين.
كذلك ازداد حبي وتعلقي بالمدرسة وبزملائي في الصف وخارجه. ومما زاد في هذا الجو المريح معاملة المدرسين لنا باللين وتوجيه النصائح حتى كنا نرى في بعضهم المثال الأعلى، بخلاف تجربتي القاسية في "المطوع" الكتَّاب في الكويت.
وكما ذكرت في بداية البحث بان الإنجليز عندما تم لهم احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى بادروا إلى تشكيل حكومة وطنية بعد ثورة الفرات المشهورة التي جعلت البريطانيين يتخلون عن الحكم المباشر للعراق وتسليم الأمور بصورة تدريجية إلى أهل البلاد حيث شكلوا أول حكومة عراقية برئاسة نقيب بغداد عبدالرحمن النقيب والذي كان قد تجاوز الثمانين من عمره علما بأن الهيمنة الحقيقية على الوزارة كانت بيد المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس الذي لعب دوراً هاماً في المنطقة خلال فترة الحرب وما بعدها.
وقد بدأت السلطات البريطانية منذ ذلك الوقت بوضع أسس التعليم في العراق على أسس مشابهة لما كان عليه الحال في مصر. لكن الأستاذ ساطع الحصري الذي جاء فيما بعد أجرى الكثير من التغييرات على تلك الأنظمة مخالفاً بذلك رأي الخبير البريطاني الذي كان مسئولاً عن دائرة المعارف بالعراق واسمه (فارل).
ويقول الأستاذ الحصري في مذكراته أنه لم يكن ليقوى على الوقوف بوجه ذلك الإنجليزي المتعجرف لولا تأييد الملك فيصل الأول له تأييداً مطلقا أدى في النهاية الى إبعاد (فارل) عن شئون المعارف واليك بعض ما جاء في تلك المذكرات كما يذكر الأستاذ الحصري انه قبل استلام مهامه التعليمية في العراق ذهب إلى مصر للاطلاع على شئون المعارف هناك لا سيما فيما يتعلق بتدريس اللغة العربية وطبع الكتب اللازمة لذلك فقد كانت مصر في ذلك الوقت متقدمة كثيرا في ذلك المجال بالنسبة لبقية الدول العربية كما كانت مصر رائدة في إنشاء المدارس الحديثة في أوائل القرن العشرين ويقول انه شاهد الاهتمام كان أكثر بالعلوم النظرية والأدبية وعدم الاهتمام الواضح بالعلوم الطبيعية التي لها علاقة بتقدم العلوم مثل الطب والهندسة والكيمياء وغيرها. كما يذكر أنه عندما تولى الملك فيصل الأول الحكم في العراق عام 1921 كان عدد المدارس الرسمية تسعين مدرسة وعدد المعلمين أربعمائة وثمانين والتلاميذ ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وتسعين. وكان نظام التدريس يشبه ما كان عليه في مصر أي بثلاثة مراحل وهي أولي، ابتدائي، ثانوي.
كان الأولي سنتين والابتدائي أربع سنوات والثانوي أربع سنوات ويقول انه غير هذا النظام عندما تولى شئون المعارف عام 1922 فجعل الدراسة الأولية أربع سنوات والابتدائية سنتين والثانوية أربعاً.
وأصبحت اللغة الإنجليزية تدرس في الأول ابتدائي أي الصف الخامس وكذلك في الثاني ابتدائي (السادس). وعليه فالذي يذهب إلى الثانوية يكون قد درس سنتين لغة إنجليزية. وقد بدأ هذا النظام اعتباراً من العام الدراسي 1922/1923.
وكان للأستاذ الحصري الفضل في عمل تغييرات جذرية في أصول التدريس ومواده لا سيما فيما يتعلق بتاريخ الأمة العربية، خلافا لما كان عليه الحال في العهد العثماني وعهد الاحتلال. وكانت المدارس الثانوية أربع فقط في جميع العراق موزعة على البصرة وبغداد والموصل وكركوك وكانت تدرس في السنة الأولى والثانية معلومات عامة ثم يبدأ التخصص في الصف الثالث والرابع للأدبي والمحلي وكانت ثانوية البصرة بصفين فقط لعدم توفر العدد الكافي من الطلبة
(يذكر الأستاذ الحصري أن عدد الطلاب في جميع مدارس العراق في العام الدراسي 1922-1923 وصل إلى 17232 في المدارس الحكومية وعدد المدرسين 681. وهناك حوالي ثمانية آلاف تلميذ في المدارس الخاصة العائدة للأقليات مثل المسيحيين واليهود بالإضافة إلى المدارس التبشيرية الأميركية).
وكانت مخصصات وزارة المعارف من الميزانية العامة مائتي ألف روبية أي خمسة عشر ألف دينار!
هذه نبذه مختصرة عن كيفية بداية التعليم في العراق في بداية الحكم الوطني، تلك الفترة التي عايشتها منذ البداية.
وأود أن أضيف هنا إلى أن عدم اكتمال ثانوية البصرة كان سببه الرئيسي هو الطلب المتزايد من قبل دوائر الدولة على الشباب العرب ليحل محل الأجانب الذين كانت تمتلئ بهم دوائر الحكومة والشركات. كذلك فان غالبية المدرسين في مدارس البصرة لا سيما مدرسي الصفوف الأولي كانوا من خريجي الصف الثاني الثانوي. وقد كانت في بغداد دار معلمين واحدة لتخريج المدرسين للمدارس الابتدائية ومدرستان للمعلمات، واحدة في بغداد والثانية في الموصل. ومدة الدراسة في تلك المدارس سنة واحدة في بداية الأمر ثم ارتفعت إلى ثلاث سنوات فيما بعد وكانت تفرض بعض الأجور على الدراسة في مدارس الحكومة ففي العام الدراسي 1921/1922 كان يدفع التلميذ في الصفوف الأولية الأربع روبيه واحدة في الشهر أي (75) فلساً ثم ألغيت في السنة التي تلت. وظلت الأجور على الصفين الأخيرين الخامس والسادس خمسة عشر روبيه في السنة.
والواقع أنه لا يستطيع أي شخص التحدث عن ذكريات تلك المرحلة في بداية التعليم في العراق على أسس ومفاهيم وطنية وعربية إلا ويذكر دور الأستاذ الحصري الهام والحاسم في ذلك المجال. حيث في الصفحة 214 من مذكراته ما يدل على عمق ثقافة الرجل وسعة اطلاعه في شئون التربية والتعليم وتنشئة الأجيال الصالحة حيث يقول
(مذكراتي في العراق عن المرحلة 1921-1927. ساطع الحصري. الجزء الأول 1921-1927 دار الطليعة - بيروت 1967):-
إن العناية بالتعليم في المدارس الابتدائية ليست هي تحفيظ المباحث الكثيرة وإلقاء المعلومات الواسعة، بل هي تثقيف العقل. وتجهيزه بالمعلومات الضرورية التي لا غنى عنها لأحد مهما كانت مهنته. لذلك كان من الواجب على المدرس رعاية الأمور الآتية.
- بذل العناية في اصطفاء المباحث المفيدة لقابلية التلميذ والاقتصار على الأهم منها.
- الاهتمام في حسن تفهم المواضيع وجعلها متناسبة مع القدرة العقلية والسوية العلمية للتلميذ.
- الابتعاد عن جعل التلاميذ سامعين مطيعين فحسب بل الاهتمام في جعلهم مفكرين مفتكربن وذلك بتعويدهم على الانتباه والملاحظة وسوقهم إلى المقايسة والمحاكمة خلال كل درس.
- التدرج بالسير بإرشاد الأولاد من المعلوم إلى المجهول ومن المألوف إلى غير المألوف ومن المادي إلى المجرد ومن السهل إلى الصعب.
- ربط الدروس ببعضها حتى يقوى ويؤدي كل واحد الآخر.
هذا بعض ما جاء في الصفحة 215،216 حول دراسة التاريخ "يجب الاجتناب عن ذكر وقائع وأسماء وتواريخ كثيرة وعن جعل الدروس مجموعة أسماء وأرقام متسلسلة بل يجب الاكتفاء بذكر الحوادث والأسماء والبلدان المهمة التي لا بد من معرفتها لفهم سير التاريخ.
يجب الاعتناء بمقايسة الأحوال الماضية مع الأحوال الحاضرة وإظهار الفروق والمشابهات الموجودة بين الأجيال الغابرة المختلفة.
يجب الاهتمام بتصوير الوقائع والأحوال بطرز تؤثر على مخيلة التلاميذ وجعلهم يتخيلونها وكأنهم يرونها.
يجب زيارة الأبنية التاريخية والأطلال القديمة ويجب استلفات أنظار التلاميذ إلى أسباب الوقائع المهمة ونتائجها لا سيما أسباب انقراض الدول العربية ونتائج الاختلافات الداخلية والتركز على فكرة وحدة الأمة العربية وتاريخ العرب".
كذلك لم تغفل تلك التعليمات الناحية الدينية فبالإضافة إلى تعلم الفرائض الواجبة فقد اهتم بالمنحى الأخلاقي في الإسلام وما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد وتشير إلى ذلك كقوله تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقول النبي صلى الله عليه وسلم [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق] حيث يشترط عند أداء الفرائض حسن سلوك الإنسان مع أخيه الإنسان.
والواقع أن مدارس العراق وهي في بداية عهدها في ذلك الوقت كانت في أمس الحاجة إلى مثل هذا الرجل وخبرته في التعليم مع ثقافته العالية ونزعته العربية وذلك في وقت بدأت فيه الأمة العربية تستعيد شخصيتها بعد سنوات طويلة من الجهل والتخلف إبان عهود الاستعمار بمختلف أشكاله المعروفة وبالإضافة إلى ما ذكر أعلاه من بعض آراء الأستاذ الحصري في التعليم والتربية فإنه كان يعتقد بان الصفوف الأربعة الأولى يجب أن توجه لها عناية خاصة وان تكون مرحلة قائمة بذاتها يتلقى فيها التلميذ المعلومات العامة عن أهم المواضيع التي تساعد على بناء شخصيته آخذاً بنظر الاعتبار انه قد يضطر بعض التلاميذ إلى ترك المدرسة بسبب ظروف عائلية أو معيشية أو أي ظروف أخرى وعندها ستكون لديهم المعلومات الأساسية التي تساعدهم على بدأ حياة أفضل وبذلك، حسب قوله، خالف النظام المصري في ذلك الوقت الذي كان متبعا في العراق من الخبراء البريطانيين والذي سبقت الإشارة إليه.
ولا زلت أتذكر استنادا إلى هذه النظرية أننا قرأنا في الصفوف الأولى الأربعة وحفظنا من المعلومات ما يكفي ويؤهل لدخول المدارس الثانوية في هذه الأيام وربما يزيد.
فلقد قرأنا في تلك المرحلة تاريخ الأمة العربية بتفاصيله ما قبل الإسلام وبعده كموضوع العرب العاربة والمستعربة والحميريين في اليمن والغساسنة في بلاد الشام والمناذرة في العراق بما في ذلك عاداتهم وحروبهم مثل حرب البسوس وداحس الغبراء وحفظنا الأشعار التي قيلت بهذه المناسبات ثم انتقلنا إلى العهد الإسلامي من الخلفاء الأربعة الراشدين إلى الدولة الأموية والعباسية إلى العرب في الأندلس إلى الدول غير العربية التي سيطرت على المنطقة بعد انهيار الحكم العباسي مثل السلاجقة والبويهيين حتى ظهور الدولة العثمانية.
ودرسنا دراسة مفصلة ثورة الشريف حسين بن على في الحجاز ضد الأتراك العثمانيين وتوسعنا في ذلك بسبب علاقتها بالبيت الهاشمي الذي يحكم العراق أما موضوع اللغة العربية فقد أخذنا مبادئ الصرف والنحو والإنشاء وكانت أحد الدروس المهمة عندنا درس المحفوظات حيث كنا نحفظ الكثير من أشعار العرب في العهد الجاهلي إلى شعراء الإسلام والى الشعراء المعاصرين أمثال حافظ إبراهيم وشوقي والرصافي ولازلت احفظ بعض أبيات من قصيدة حافظ ابراهيم التي مطلعها:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
التي نظمها في تمجيد اللغة العربية وذكر غناها في الألفاظ والمعاني حيث يقول عن لسانها:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
|
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي!!
|
ثم قصيدة شوقي المشهورة التي نظمها عندما قامت الثورة في سوريا عام 1926 وقاومها الفرنسيون بقسوة والتي مطلعها:
سلام من صبا بردي أرق
|
ودمع لا يكفكف يا دمشق
|
إلى أن يقول البيت المشهور:-
وللحرية الحمراء باب
|
بكل يد مضرجةٍ يُدق
|
وهكذا الى أشعار الرصافي التي كنا نحفظها أو نرددها كل يوم في الأناشيد الوطنية.
وعلى ذكر الأناشيد الوطنية فقد كانت بعض ألحانها مستورده ولم نكن ندرك ذلك إلا فيما بعد. فبعضها كان يلحن على نمط النشيد الوطني الفرنسي المارسيليز أو النشيد الوطني البريطاني (الله يحفظ الملك) كذلك لم ينس الملحن دولة تركيا حيث لحن لنا نشيد مطلعة (راية العرب دومي دمت من رمز) على لحن الأغنية التركية المشهورة (جنا قلعه ايجنده)
(نشيد جنا قلعة هذا له أهمية كبرى بالنسبة للأتراك حيث انتصرت فيها قواتهم على القوات البريطانية عندما حاولت هذه القوات الإنزال على الأراضي التركية في الحرب العالمية الأولى والتي انهزمت فيها القوات البريطانية هزيمة نكراء وسميت تلك المعركة "معركة غاليبولى" وكانت من المعارك المشهورة في تلك الحرب. وكانت القوات الأسترالية الإمبراطورية هي أكثر من دفع ثمن تلك الهزيمة) وأتذكر نشيد آخر مطلعه "وطني والحق سينجده مادمت بحبي اعبده" وقد تم تلحينه على وزن الأغنية المشهورة "يا ليل الصب متى غدُه"!! وكنا نقرأ هذه الأناشيد قبل الدخول الى الصفوف صباحاً وظهراً حيث كان الدوام صبحا وعصراً في تلك الأيام، أربعة دروس في الصباح واثنان بعد الظهر.
عام 1925 عام المفاجآت
وعلى هذا النمط تمر الأيام ويحل عام 1925 الموافق لعام 1343هـ وتحل معه المفاجآت المؤلمة بالنسبة لي حيث توفي جدي لامي في الأشهر الأولى من ذلك العام ولم تمضي أسابيع على هذا الحادث حتى أصيب الوالد بنزيف في الدماغ أصيب علي أثره بشلل نصفي ثم فارق الحياة في منتصف العام رحمهما الله جميعاً.
وبعد وفاة الوالد تولى الوصاية علينا أنا وأخي حمد أخونا الأكبر
عبدالله بموجب وصية الوالد وكان أخي حمد قد جاوز السنة الرابعة من عمره وكنت أنا في الثالثة عشر (كان للوالد أربعة أولاد وهم عبدالله وسليمان وبدر وحمد. وبنت اسمها منيرة. وزوجته الرابعة وهي أم حمد بزة بنت يعقوب المطوع).
وكانت عطلة المدارس الصيفية قد بدأت وقد مضت سنتان من زيارتي الأخيرة للكويت. وقد رتب أخي لي السفر على ظهر إحدى البواخر التابعة للشركة البريطانية الهندية والتي اعتادت سفنها زيارة مدن الخليج حيث كانت تحتكر هذه الشركة خطوط المواصلات البحرية بين الهند وموانئ الخليج. وقد تم حجز مكان على نفس الباخرة لزميلي في المدرسة وصديقي
محمد سعيد السيد حامد النقيب وأخيه أحمد حيث اعتادا السفر في العطلة الصيفية لزيارة والدتهما في الكويت وأتذكر إسم الباخرة (بامورا) الذي كان مكتوبا على أمكنة كثيرة في الباخرة لا سيما على قوارب النجاة والطوافات المستديرة.
وقد كنت كالعادة كثير الشوق للعودة الى الكويت ولكني عند الوصول أدركت مدى الحزن والأسى الذي حل بالوالدة وأمها بسبب موت الجد وقد أدركت أن وصولي ولقائي معهما خفف من تلك الفاجعة التي عمتنا جميعاً. كنت أحمل معي كتابا من أخي عبدالله إلى الشيخ يوسف بن عيسى الذي هو خاله يوصيه بها برعايتي أثناء وجودي في الكويت وكذلك إجراء راتب شهري لي كان على ما اذكر ثلاثون روبية. وكانت للشيخ يوسف جلسة خاصة بعد الظهر يتولى فيها إعطاء دروس باللغة العربية والفقه لبعض الشباب الكويتيين علما بأن هذه الخدمات والخدمات الاجتماعية الأخرى مثل عقود الزواج أو الإفتاء في بعض المسائل الدينية والتي كان يقدمها للمواطنين بدون مقابل وهي عادة درج عليها بعض الكويتيين القادرين على خدمة أبناء بلدهم كما أشرت مثل الحاج أحمد الغانم والقاضي عبدالله الخلف الدحيان وغيرهم. أما أغنياء البلد فمعظمهم لم يبخل في أداء ما عليه من واجبات مثل أداء فريضة الزكاة أو مساعدة المحتاجين وهذا أحد الأدلة على التراحم والتلاحم في المجتمع الكويتي في تلك الأيام.
وانتهت عطله الصيف وتهيأت للسفر الى البصره وقد بدأت في تلك الأيام حركة نشطه للنقل البحري بواسطة القوارب البخارية التي تعود ملكيتها الى أفراد وتنطلق هذه الزوارق البخارية باتجاه جزيرة بوبيان الى خور الصبيه ثم الى خور الزبير وهناك بالقرب من الزبير ترسو تلك القوارب في رأس الخور حيث توجد بعض العربات التي تجرها الخيول أو بعض السيارات لنقل الركاب إلى الزبير والبصره. وقد صادف أن كانت عائلة كويتية من الأقارب مسافرة إلى البصرة فكانت مناسبة طيبة أن يكون سفري معها مما خفف علي الكثير من المتاعب
(كان اسم صاحب ذلك الزورق البخاري ابن محطب على ما اذكر. وقد توقف نشاط تلك الزوارق بعد فتح طريق السيارات بين البصرة والكويت عام 1127 كلما سيأتي ذكره).
لقد كنت في تلك السنة ناجحاً من الصف الثالث الأولي إلى الصف الرابع ومرت تلك السنة الدراسية بصورة طبيعية وجاءت امتحانات ذلك العام 1925/1926 واجتزت الامتحانات بتفوق.
الانتقال إلى مقر المدرسة الثانوية
لقد أشرت فيما مضى أن ثانوية البصرة تشتمل على صفين فقط الأول ثانوي والثاني ثانوي وبينت الأسباب المؤدية لذلك وكانت المدرسة الثانوية تقع في مبنى قديم من طابق واحد لا يبتعد كثيراً عن دائرة المحاكم القديمة والقريبة من شاطئ نهر العشار وكانت البناية مؤلفة من قسمين يفصلهما فناء (حوش) واسع نصبت فيه أدوات بعض الألعاب الرياضية مثل كرة السلة وكان خير مكان لتجمع الطلاب أثناء فترة الفرص. وكان البناء الجنوبي مخصص للإدارة أما البناء الشمالي فكان يحتوى على صفوف للطلاب وكان فيه متسعا لأكثر من طلاب الثانوية في ذلك الوقت يقابله ضيق في المدرسة التي كنا فيها بسبب تزايد عدد الطلاب مما أدى إلى فرز بعض الصفوف إلى اثنين كقولك الثالث (أ) والثالث (ب) ولهذه الأسباب رأت دائرة المعارف نقل صف الأول ابتدائي (الخامس) والثاني ابتدائي في (السادس) إلى مبنى المدرسة الثانوية ابتداء من العام الدراسي 1926/1927 وهكذا وجدنا أنفسنا نحن تلاميذ الصف الخامس في مكان أرحب ومدرسين أوسع علما وأكثر ثقافة يحمل بعضهم شهادات عالية. كذلك فإن هذا الانتقال أعطانا شعور أكثر بالثقة بأنفسنا وأصبحنا نعتني أكثر بلباسنا ومظهرنا كذلك قررت الإدارة إلحاقنا بفرقة الكشافة الثانوية التي كانت في ذلك الوقت احسن فرق الكشافة في البصرة وكان لها لباس خاص يميزها عن كشافة المدارس الابتدائية. والملاحظ في ذلك الوقت انه كانت للحركة الكشفية في العراق أهمية خاصة. وكانت الفرقة الموسيقية مدربة تدريبا جيدا لا سيما في عزف الحان الأناشيد الحماسية والمارشات العسكرية التي تساعد على السير المنتظم كما هو الحال بالفرق العسكرية وكنا نخرج في جولة في المدينة كل يوم اثنين بتلك الفرقة الموسيقية وألبستنا الأنيقة وكنا عندما نمر في الشوارع تبدأ النساء اللاتي نصادفهن في الشارع أو اللاتي ينظرن إلينا من الشرفات أو المشربيات (الشناشيل) بإطلاق الزغاريد مما يزيد في حماسنا وانتظامنا في المشي بزهو واعتداد كأننا فرقة من جيش منتصر!
ومما زاد اهتمام الإدارة بفرقة الكشافة هذه مدير المدرسة وكان في الخمسينات من عمره وقد عمل ضابطا في الجيش التركي ثم التحق مع بعض الضباط العرب بثورة الشريف حسين كما سبقت الإشارة. وكان يخرج معنا بلباس الكشافة جنبا إلى جنب مع مدرس الرياضة وكان شديد الاهتمام بأمور الطلاب عطوفا عليهم ولكنه بنفس الوقت لا يتساهل إذا وجد أي تقصير من جانب الطلاب وحتى من جانب المدرسين وكأنما روح الانضباطية التي مارسها في خدمته العسكرية ظلت ملازمة له وبارزة في تصرفاته ومسيرة حياته.
وأتذكر انه من أمنياتي في ذلك الوقت أن تكون عندي دراجة وقد تحققت لي هذه الأمنية في تلك السنة وقد سبق أن تعلمت ركوبها من زميل لي في الدراسة كان يمتلك واحدة. والظاهر أن هذا التغير الذي حدث في مسيرة حياتي واتساع مجال اللهو أمامي قد أثر على حياتي الدراسية فنقصت الساعات التي كنت أخصها للدرس بينما كان المفروض أن تزيد بالنظر لمستوى الصف الذي نجحت إليه ولهذا جاءت نتيجتي في الامتحان وسطا بخلاف السنوات الماضية التي كنت فيها في مقدمة الناجحين. وربما أن يكون لتلك المرحلة أو ما يسمى الآن برحلة المراهقة ومنها اهتمام الشاب بنفسه وبمظهره ونظرته إلى الجنس الآخر والاعتداد بالنفس إلى غير ذلك مما هو معروف في مثل هذه المرحلة من العمر بالنسبة لكل من الجنسين أثره في ذلك.
وبدأت السنة الدراسية الجديدة، 1927/1928 وداومت في الصف السادس وهو الصف النهائي بالنسبة للدراسة الأولية والابتدائية وتكون الامتحانات فيه على نظام البكالوريا وهي أول شهادة رسميه تصدر في وزارة المعارف في بغداد وتسمى
"شهادة الدراسة الابتدائية". وكانت الدروس أكثر صعوبة وأشمل في مواضيعها وتفاصيلها ولكن كما ذكرت كانت عندنا نخبه من الأساتذة المشهور لهم بالكفاءة في مجال اختصاصهم. كان عندنا مثلاً الشيخ محمد النبهاني مؤلف كتاب تاريخ البحرين وكان يدرسنا اللغة العربية والدين. وهو حجازي الجنسية وكان يلبس الزي الحجازي المعروف لرجال الدين. وكان عندنا من بين الأساتذة العراقيين عبدالفتاح إبراهيم وعبدالرزاق الناصري كما كان عندنا شاب لبناني من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت اسمه شامل العطار وهو من طائفة الدروز. وكنا نحترم هؤلاء الأساتذة لمكانتهم العلمية والاجتماعية ولاهتمامهم بنا بصورة جدية. وكنا نشعر بالخجل إذا حدث منا أي تقصير.
وهذه على ما أعتقد من الأمور البديهية، فان شخصية الأستاذ ومدى إخلاصه في أداء الواجب تعمل عملها في مسيرة الطلاب وسلوكهم واهتمامهم بالدراسة. وحل موعد امتحانات البكالوريا النهائية وكانت الأسئلة موحدة ومفروضة على جميع مدارس العراق وتعد في بغداد ولم تكن سهلة ولم نسمع بالنتائج إلا بعد انتهاء العطلة لان أوراق أجوبتنا على ما اذكر أرسلت إلى بغداد وجاءتنا النتائج مع الشهادات فيما بعد من وزارة المعارف في بغداد وكانت نسبة نجاحي فوق المعدل بقليل والشهادة موقعة من مدير المعارف العام الجنرال طه الهاشمي العسكري المعروف والسياسي المخضرم. ومن الصعب التصور أن مثل هذه الدقة والانضباط والاهتمام في الدراسة الابتدائية تتم في بلد حديث العهد بالاستقلال الذي لم تكتمل مقوماته بعد مع وجود النفوذ الأجنبي الكثيف.
السفر إلى الكويت بواسطة السيارة
لقد حدث تطور هام في ذلك العام 1927 فقد أقدم السيد حامد النقيب الذي له جذور وارتباطات عائلية في البصرة والكويت بتأسيس شركة محلية سميت "شركة السيارات العراقية الكويتية" بعد أن حصل على امتياز لهذه الشركة من المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت في ذلك الوقت
(لقد حصل السيد حامد على الامتياز عام 1925 ولكن الشركة لم تبدأ أعمالها بصورة منظمة إلا في عام 1927 كما ذكرت). وبدأت الشركة أعمالها بثلاث سيارات سياحية من طراز فورد. وقد فرح الناس كثيراً بهذه الخطوة الجريئة عبر الصحراء في وقت كان فيه الانتقال بين الكويت والبصرة مقتصراً على الجمال والخيل والبغال. وقد أخبرني الأخ عبدالله أنه سافر في أحد الأيام من الكويت إلى البصرة مع الوالد على ظهر البغال مع قافلة كانت متجهة إلى الزبير تحمل بعض البضائع والبريد ودامت تلك الرحلة يوماً وليلة.
وكالعادة في سفرنا معا عند بدء العطلة فقد تم الاتفاق مع الأخ محمد سعيد النقيب أن نكون من ضمن الأوائل في تلك السنة الذين يقطعون المسافة بين البصرة والكويت بطريق السيارة وكانت الأمور ميسرة أمامنا بسبب أن والده هو صاحب المشروع كما ذكرت. وكان علينا مغادرة الزبير مع الفجر أو قبله بقليل تحاشيا لحرارة شمس الصحراء المحرقة وقد تم الترتيب على أن يكون مبيتنا تلك الليلة في الزبير في بيت المرحوم السيد يوسف النقيب عم الأخ محمد سعيد حيث انطلقنا من الزبير قبل الفجر ولم يكن الطريق مأمونا تماماً في ذلك الوقت فقد كانت تحدث في الصحراء كما هي العادة اعتداءات بين أفراد أو جماعات لخلافات أو عداوات وأحيانا يكون الاعتداء من أجل السلب والنهب لذلك كان على كل سيارة من السيارات الثلاث أن تحمل السلاح معها وفي السفرة بالذات كان السائق وهو من السواق الأكفاء المدربين متمنطقا بأحزمة الرصاص وبجانبه البندقية وكانت هناك بنادق وأعتدة داخل السيارة مخصصة للركاب ولم يكن في السيارة أحد سوانا نحن الثلاثة محمد سعيد وأخيه أحمد وأنا. وقد وصلنا إلى الكويت قبل الظهر سالمين ولله الحمد. وكنا من الرواد!
وعلى ذكر حوادث الاعتداءات فقد حدث اعتداء عام 1929 على سيارة كانت تحمل اثنين من الأمريكيين أحدهما دبلوماسي واسمه بلكرت وكانت نتيجة ذلك الاعتداء الذي قام به بعض قطاع الطرق مقتل بلكرت
(راجع كتاب "الكويت وجيرانها" تأليف ديكسن المعتمد البريطاني السابق في الكويت).
ومنذ بداية الثلاثينات لم تسجل أي اعتداءات تذكر وكثرت السيارات الخاصة التي بدأت تسير على هذا الطريق بعد أن تدفع كل سيارة خاصة رسم الطريق للشركة وقدره عشر روبيات (750) فلساً. ثم توقف دفع هذا الرسم. ولم يكن الطريق سهلاً ممهداً بل كان وعراً تكتنفه الرمال والحفر والوديان التي تسببها سيول الأمطار ومع ذلك فقد كان السفر على ذلك الطريق في الشتاء وخاصة أيام الربيع متعه بسبب الأمطار وكثرة الأعشاب التي تنبت في ذلك الفصل مع برك المياه التي تتكون بعد هطول الأمطار وتسمى (خبره) وجمعها خباري وكان بعض المسافرين لا سيما أصحاب السيارات الخاصة يأخذون طعامهم معهم حيث يتوقفون عند تلك الأماكن المعشبه بجوار مياه البرك فيكون في ذلك التوقف فترة راحه ومتعه. وكانت السيارة تقطع الطريق الذي يبلغ طوله مائة ميل أربع ساعات في المعدل. وجاء وقت العودة إلى البصرة بعد أن شارفت عطلة المدارس على الانتهاء.
تعثر دراستي الثانوية في مراحلها الأولى
وبدأ العام الدراسي 1928/1929 وكنت مسرورا ومغتبطا بانتقالي إلى المرحلة الثانوية ولم يتغير علينا شيء فالمدرسة هي هي وكذلك المدرسين حيث كما ذكرت سابقا كانت صفوفنا ملحقة بالمدرسة الثانوية ولكن حدث لي ما لم يكن في الحسبان فقد عاودتني الملاريا منذ الأيام الأولى من الدراسة وكانت شديدة الوطأة حيث لم تفد فيها العلاجات المعتادة. ونتيجة لذلك بقيت حبيس البيت والمرض فترة دامت حوالي الشهرين ذهبت بعدها إلى المدرسة فوجدت زملائي قد سبقوني بمراحل في الكثير من الدروس والتي بعضها كانت جديدة بالنسبة لي مثل دروس الجبر التي لا غنى للتلميذ في فهمها عن شرح المدرس ومعاونته.
وتحت تأثير تلك الظروف وما كنت فيه من وضع صحي ونفسي قررت عدم الاستمرار بالدراسة والعودة إلى البيت دون أن يكون في ذهني أي تصور لما ستكون عليه حالتي في المستقبل. ولقد أثار انقطاعي عن الدراسة استغراب الكثيرين من الأقارب والأصدقاء وحتى بعض المدرسين الذين كانوا يعرفوني فقد أسفوا للقرار المتسرع الذي اتخذته وبعثوا إلى بعض الزملاء من الطلاب لمعرفة الأسباب التي دعتني لترك الدراسة.
وتمر الأيام وتتحسن الصحة ويصفو الفكر ويعود الحنين للمدرسة وللزملاء وللأساتذة الطيبين ولكن بعد فوات الأوان وقد قاربت السنة الدراسية على نهايتها. وتحل العطلة الصيفية وتنتهي وتزيد عندي الرغبة في العودة إلى الدراسة ولكن هل التحق بالصف الأول ثانوي ومعظم زملائي نجحوا منه وانتقلوا إلى الصف الثاني وبقيت فترة أتخبط في أفكاري علني اهتدى إلى مخرج. وأخيراً جاءت الفكرة إلى أن اطلب شهادة نقل لإحدى مدارس بغداد الثانوية حتى أتخلص حسب تفكيري في ذلك الوقت من ذل البقاء في الصف الأول ورؤية زملائي في الصف الثاني.
وذهبت إلى مدير المدرسة واسمه عبدالمجيد زيدان وأخبرته بقصتي باختصار وطلبت منه أن يزودني بشهادة الانتقال. وقد أدرك الرجل بخبرته مدى اضطراب وتفكيري غير المتوازن والأسباب الواهية في نظره التي تضطرني إلى طلب الانتقال إلى بغداد فلم يقنع بما قلت وأبديت من مبررات. ورد على قائلا يا ابني ليس لدي ما يمنع من أن أعطيك ورقه النقل. ولكني متأكد من أنك ستواجه هناك مشاكل الإقامة ومدارس بغداد مزدحمة بالطلاب وقد لا تجد هناك الاهتمام الذي نوفره لك نحن هنا ونصيحتي إليك أن تعدل عن رأيك هذا وتبقى معنا ونحن نعرفك ومقدرين ظروفك وما عليك إلا ان تجد وتجتهد وستجد من الله التوفيق. وقد جاءت كلمات ذلك الرجل الفاضل برداً وسلاماً على نفسي وأعادت إلي شيئاً من الثقة التي فقدتها في نفسي وبقيت أمامه صامتا لا أدري ماذا أقول ثم أعاد علي الكرة بذلك الأسلوب المقنع وكان جوابي له بالموافقة وانتهت بذلك مرحلة قلقة من مراحل حياتي الدراسية.
ومشت الأمور معي على ما يرام في الدراسة بعد أن تعلمت درسا نافعاً من دروس الحياة. ثم جاءت نتيجة الامتحانات النجاح والانتقال إلى الصف الثاني الثانوي، ومن هذه التجربة تظهر حاجة الشباب القليل التجربة بهذه الحياة المعقدة في أيامنا هذه إلى طلب النصيحة وسماعها ممن هم أكثر خبرة وتجربة بمثل تلك النصائح المخلصة التي يمكن أن تأتي من الأهل أو المربين في المدارس أو أي جهة أخرى ناصحة ومجربة سيجد فيها الشباب القليلي التجربة نفعاً وفائدة في هذه الحياة.
العام الدراسي 1930-1931
في ذلك العام الدراسي انتقلت ثانوية البصرة من مكانها القديم في البصرة إلى مقرها الجديد في العشار على أرض رحبة واسعة تشمل على ملاعب للرياضة ومنها ساحة لكرة القدم كما تكاثر عدد طلاب الثانوية منذ فترة وأصبحت الدراسة كاملة بأربعة صفوف ثم تغير النظام فيما بعد حتى أصبحت الدراسة الثانوية في العراق بخمسة صفوف.
وخلال تلك السنة والسنة التي سبقتها حدث أن سافر بعض الزملاء في الدراسة من البصرة والالتحاق بالمدرسة الإعدادية التابعة للجامعة الأمريكية في بيروت كما سافر من الكويت كل من الشيخ محمد الأحمد الجابر الصباح والشيخ فهد السالم الصباح وأخيه الشيخ صباح السالم الصباح
(الشيخ محمد شغل منصب وزير الدفاع خلال فترة الستينات، أما الشيخ فهد السالم فقد شغل عدة مناصب في الخمسينات منها رئاسة الأشغال العامة والصحة والبلدية. أما الشيخ صباح السالم فأصبح أمير الكويت بعد وفاة أخيه الشيخ عبدالله السالم عام 1965- 1977). وكان من بين الذين سافروا من البصرة الصديق والزميل محمد سعيد النقيب وبدأت تردني منه رسائل يصف لي فيها الحياة في الجامعة وأشياء أخرى في مدينة بيروت. وقد شعرت وقتها بجذب قوي نحو أولئك الأصدقاء، وكانت السنة الدراسية قد اقتربت من نهايتها.
وهنا لا بد من أن أعيد إلى الذاكرة تولي أخي الأكبر عبدالله الوصاية على بعد وفاة الوالد عام 1915 ومنذ ذلك الوقت وأنا أنظر إليه في مقام الوالد وكان رحمه الله رحيما عطوفا علي ولم يقف يوما ضد طلباتي ورغباتي المعقولة وما يتبع ذلك من صرف ما يلزم من المال مما خصني من تركة الوالد. لذلك لم يكن علي من الصعب أن أفاتحه برغبتي بالذهاب إلى بيروت للدراسة أسوة ببعض الزملاء واستخلص منه الموافقة على ذلك.
وخلال تلك الفترة وردتني رسالة من الأخ محمد سعيد يذكر فيها بأنه لن يعود خلال فتره الصيف لأن الجامعة ستفتح دوره صيفية تدوم ثلاثة أشهر يلتحق فيها الطلاب الذين يريدون المزيد من الدروس أو تقوية أنفسهم في الدروس التي كانوا فيها ضعفاء أثناء السنة الدراسية. وانه سيلتحق بتلك الدورة ويسألني إذا كنت أود أن أحذو حذوه حتى يعمل اللازم لتسجيل اسمي.
بعد استلام هذه الرسالة زال عني أي شك أو تردد في السفر وفاتحت أخي بالأمر ولم يكن له خيار بعدما رأى مقدار حماستي وتصميمي على السفر. وهكذا قررت السفر لالتحق بالدورة الصيفية لذلك العام وكان ذلك قبل حلول الامتحانات النهائية.
السفر إلى بيروت
وصلت إلى بغداد وهناك حجزت عند إحدى الشركات المحلية وكان اسمها "شركة دبش وعكاش" ولها سيارات سياحية من الحجم الكبير أي ذات سبع ركاب ومن الاسم يظهر أن الشركة سوريه ودفعت أجرة المقعد من بغداد إلى دمشق وقدرها ليرة عثمانية ذهب وكان سعرها في ذلك الوقت أقل من الجنيه الإسترليني أو الدينار الذي لم يبدأ التداول به بعد في العراق إلا في عام 1932. وكانت معظم الدول الكبرى في ذلك الوقت لا تزال متمسكة بقاعدة الذهب أي ان الجنيه الورق يساوي جنيها ذهبا. إلا أن بريطانيا خرجت عن هذه القاعدة بعد عام أي 1932 حيث أصبح الجنيه الذهب يعادل جنيهين من الورق.
وكان سفرنا من بغداد في الصباح الباكر وكنا سبعة ركاب منهن ثلاث نساء لبنانيات علمت أنهن مدرسات في مدارس البنات في العراق وقد أخبرتني إحداهن أنها مدرسة في إحدى مدارس البصرة وأنها من مدينة بيت مرى في لبنان وكان اسمها على ما أذكر (ليندا).
وكانت السفرة في غاية الإزعاج والتعب حيث لم يكن الطريق بين بغداد والشام معبداً بل كانت الحفر والأتربة التي ملأت السيارة وكل شئ فيها وقد تنفسنا الصعداء قليلاً عندما وصلنا إلى الرطبة عند الظهر وكانت على أجسامنا طبقات من الغبار والتراب الأحمر وأخذنا شيئا من الراحة وتناولنا وجبة خفيفة ثم واصلنا السفر إلى دمشق فوصلناها عند المغرب. وبعد استراحة قليلة في الفندق الصغير القريب من ساحة الشهداء خرجت استمتع باستنشاق الهواء العليل بالقرب من نهر بردي الذي عرفته من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي كما أشرت إلى ذلك في مناسبة سابقة وفي صباح اليوم الثاني ركبت بإحدى سيارات الأجرة المسافرة إلى بيروت وسرنا بذلك الطريق المتعرج المتاخم لنهر بردى إلى ضاحية دمر مروراً بميسلون وهو المكان المشهور الذي وقعت فيه المعركة المشهورة بين الجيش الفرنسي الزاحف من لبنان وبين الجيش العربي للدولة العربية الفتية التي تأسست في سوريا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وعلى رأسها الملك فيصل بن الحسين. وقد كانت نتيجة تلك المعركة غير المتكافئة هزيمة الجيش العربي واستشهاد قائده يوسف العظمة ونهاية الدولة العربية في سوريا حيث تم للفرنسيين احتلال سوريا ولبنان وكان ذلك في عام 1920. وفقا لمعاهدة (سايس بيكو) التي أبرمتها فرنسا وبريطانيا عام 1916.
واجتازت السيارة الحدود السورية إلى لبنان باتجاه المدينة الجميلة شتوره وكنت طول الطريق مبهورا ومشدوها بتلك المناظر التي كنت أراها في الصور أو اسمع عنها من الذين رأوها. كما كنت لأول مرة في حياتي أرى الثلوج فوق قمم الجبال الشاهقة في عز الصيف وقد صدق المتنبي عندما وصف لبنان بان صيفه شتاء حين قال:
وعُقاب لبنان وكيف بقطعها
|
وهو الشتاء وصيفهن شتاء
|
الانتقال الى برمانا
وصلت إلى بيروت ونزلت في أحد الفنادق المتواضعة ولا أذكر كيف تم الاتصال بيني وبين الأخ محمد سعيد في برمانا ولكن الذي أتذكره هو أنه حضر بعد ظهر اليوم التالي من وصولي وذهبنا معاً إلى برمانا تلك المدينة الجبلية الجميلة التي ترتفع عن سطح البحر بحوالي ثمانمائة متر وتنتشر في سفوحها ووديانها أشجار الصنوبر وهي عروس جبل المتن الشمالي. كما هي محببة لكثير من الأجانب وكذلك من بعض الأثرياء العرب في ذلك الوقت وخاصة المصريين منهم كما تقع فيها مدرسة برمانا الإنجليزية التي سأتكلم عنها بإسهاب فيما بعد.
ودخلنا على أمين صندوق المدرسة الصيفية الأمريكية ودفعت رسم الدخول وكان خمس دولارات وأظن أني لازلت أحتفظ بذلك الوصل. كذلك حجزت غرفة خاصة
(انظر الصورة). وحل وقت العشاء عندما دق الجرس معلنا عن ذلك، فذهبت مع الأخ محمد سعيد وصادفته هناك يجلس على طاوله واحدة كبيرة الكثير من معارفي وأصدقائي، وجدت الشيخ محمد الأحمد الجابر الصباح ووجدت زملائي في الدراسة في البصرة في مدرسة السيف وبعدها في الثانوية كل من برهان باش أعيان الذي أصبح فيما بعد أحد وزراء خارجية العراق وكذلك أحمد عبدالرزاق العامر الذي أصبح نائبا للبصرة ثم نائبا لرئيس مجلس النواب في العهد الملكي بالعراق. وشباب آخرين من بغداد والموصل تعرفت عليهم بمرور الوقت. كذلك وجدت من آل الابراهيم عبدالقادر وعبدالعزيز بن عبدالرحمن الابراهيم.
دامت فتره الدراسة الصيفية حوالي ثلاثة أشهر وكانت من أمتع أوقات حياتي وماذا يريد الشباب في مثل تلك الأيام أكثر من الاستمتاع بتلك المناظر الطبيعية الجميلة والجو المعتدل والأصدقاء الطيبين في تلك المجموعة المختارة منهم.
والتحقت في الصف الذي به الأخ محمد سعيد وكان الصف الثالث إعدادي أو ثانوي. وكانت معظم الدروس تدرس باللغة الإنجليزية من أساتذة أمريكان وكان هناك بعض المدرسين العرب للغة العربية مثلاً الذي كان يدرسنا فيها الأستاذ كنعان الخطيب وكان من دروسنا معه مراجعة كتاب "الأيام" للدكتور طه حسين. وكنا نحضر محاضرات يلقيها علينا بعض أساتذة الجامعة الأمريكية بين حين وآخر وكنا نخرج في نهاية كل أسبوع في رحلات تدوم النهار بكامله إلى القرى والمدن المجاورة ولا أنسى تلك الرحلة التي قمنا بها الى جبل صنين حيث تناولنا الغداء عند سفحه بجوار مجرى ماء كما لن أنسى ذلك العسل والخبز المرقوق الذي كان من ضمن وجبة الغداء.
لقد صادفت بعض الصعوبة في بداية الدراسة بدروس اللغة الإنجليزية مع أني كنت من المتفوقين بها في مدارس العراق. ولكن مع مرور الأيام والدراسة المكثفة استطعت أن أتغلب على بعض المصاعب وجاءت الامتحانات في نهاية الدورة الصيفية وكانت درجتي باللغة الإنجليزية (60) وتعتبر أقل من المستوى المطلوب في مقاييس الجامعة الأمريكية في ذلك الوقت.
الالتحاق بمدرسة برمانا
كانت رغبتي أن أدخل في أحد الصفوف التي تؤهلني للالتحاق بالدراسة الجامعية في الجامعة الأمريكية ولكني كما ذكرت كانت درجتي باللغة الإنجليزية تحت المستوى المطلوب لذلك الصف. وقررت أن أحاول دخول الصف الرابع في
برمانا على أساس أني ناجح من الصف الثالث في دراستي الصيفية. وكان المسئول عن التسجيل رجل بريطاني من أصل أيرلندي اسمه المستر ديفيدسن وهو أيضاً مدرس التاريخ في المدرسة وزوجته مدرسة اللغة الإنجليزية في مدرسة برمانا وكانت كذلك تدرسنا في المدرسة الصيفية لهذا فكانت تعرفني وتعرف مستواي الدراسي.
ودخلت على المستر ديفيدسن ولم أكن غريبا عليه فقد كان يراني بين حين وآخر وقلت له إني أريد أن التحق بالمدرسة وبالصف الرابع بالذات. وبعد أن اطلع على درجاتي في امتحانات المدرسة الصيفية قال لي لا أستطيع قبولك في هذا الصف إلا إذا وافقت
المسز ديفيدسن (زوجته) واقتنعت بقدرتك على مواصلة الدراسة بموجب ذلك المستوى ثم طلب مني أن أذهب إليها لأخذ موافقتها. والواقع أني شعرت بشيء من الإحباط والارتباك وأنا في طريقي إليها. وعند دخولي إلى مكتبها أخبرتها بما جرى مع زوجها وانتظاره جواباً منها.
فقالت لي أنا أعرف أنك كنت مجتهدا خلال الدورة الصيفية وأنك بذلت المستطاع ولكنك لا تزال في المستوى اللغوي الذي هو دون المطلوب قلت لها انك رأيت التقدم الذي حصلت عليه خلال فترة الصيف وسأبذل جهداً أكبر إذا تم قبولي في الصف الرابع وليس من المعقول أن أخسر سنة كاملة بسبب ضعفي في مادة واحدة. وكانت السيدة ديفيدسن في حدود الخمسينات من عمرها رقيقة الطباع عطوفة طيب القلب وهي أمريكية الجنسية. واستمر الحديث والنقاش فترة من الوقت قالت بعدها، قد أوافق على قبولك في الصف الرابع على شرط أن تكد وتعمل كالعبد!
(UNLESS YOU WORK LIKE A SLAVE) فقلت لها بعزم وتصميم سأعمل كالعبد. بعد هذا النقاش الجاد تناولت السيدة ديفيدسن ورقة وكتبت عليها بعض العبارات الموجهة إلى زوجها معلنة بذلك موافقتها على قبولي في الصف الرابع.
وذهبت الى المستر ديفيدسن وسلمته الورقة فطلب إلي الجلوس وأخذ يوجه إلي بعض الأسئلة ويدون الأجوبة إلى أن سألني هل أنت مسلم، فأجبته
OF COURSE بالتأكيد وقد خرجت مني الكلمة بصورة عفوية وبدون قصد معين. فرفع رأسه إلي مستغرباً قائلا ولماذا تقول بالتأكيد وقد حرت في إيجاد الجواب المناسب في هذا الموقف الحرج ولم يتم تسجيلي في المدرسة المعروف عنها أنها مدرسة تبشيرية!
وكان السكوت أحسن جواب ومرت الأمور بسلام واستمر الرجل في إكمال معاملة التسجيل دون أن يظهر عليه أي أثر للانفعال.
نبذة عن مدرسة برمانا
اسمها الرسمي "مدرسة برمانا العالية"
BRUMMANA HIGH SCHOOL وهي مدرسة تبشيرية تابعة لجماعة الأصدقاء FRIENDS وهم مجموعة من الجماعات البروتستانتية في بريطانيا المعروفة باسم QUAKERS فهم جماعة مسالمة مبادئهم ضد الحروب، كما يدعون إلى البساطة في العبادة والتواضع في المسلك والملبس وتوجد جماعة أخرى منهم تسمى "الأنقياء" PURITANS وهي الجماعات التي ظهرت في أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر في بريطانيا وبعض بلاد أوربا. وقد تعرضت هذه الجماعات بوقتها للاضطهاد من قبل مخالفيهم ولذا اضطر بعضهم للهجرة إلى الولايات المتحدة وهناك استمروا في التبشير لمبادئهم.
أما كونهم يدعون للبساطة والتقشف والمسالمة فقد لاحظنا ذلك من تصرفاتهم معنا على كافة المستويات. وهم يؤدون طقوسهم الدينية على طريقة البروتستانت وفي قاعة كبيرة أشبه بقاعة المحاضرات بخلاف ما هو عليه الحال في الكنائس الكاثوليكية وكنا نحضر مثل هذه الحفلات الدينية التي تقام أسبوعيا في بعض الأحيان. كما دعتنا مرة المسز ديفيدسن الى قاعة صغيرة منعزلة قريبة من القاعة الكبرى مقاعدها من الخشب ولا شيء آخر فيها حيث يقضون فيها فترة غير قصيرة جالسين مطأطئي الرؤوس يسمونها فترات التأمل
(MEDIATION). ثم يخرجون من هذا المكان صامتين كما دخلوا. وهذه أمثلة على طريقة هذه الجماعة في العبادة.
أما بالنسبة للمدرسة ففيها قسمان القسم الابتدائي والقسم الثانوي المؤلف من أربعة صفوف كما يوجد صف آخر خامس يسمى صف المتريكوليشن
MATRICULATION وهو الصف الذي يهيئ الطلاب الذين يرغبون في دخول الجامعات البريطانية مثل أكسفورد وكامبردج، كما علمنا أن أسئلة الامتحانات لذلك الصف تأتي مختومة من لندن ولا تفتح إلا وقت الامتحان.
وبعد افتتاح المدرسة بأسابيع وصلت بعثة من الطلاب العراقيين عددهم حوالي عشرين طالباً كانوا يدرسون في مدينة صفد بفلسطين من أجل الحصول على شهادة المتريكوليشن المشار إليها ليتمكنوا بعد ذلك من الذهاب إلى بريطانيا. والظاهر أنهم اختلفوا مع مدير المدرسة وطلبوا نقلهم إلى بريطانيا وقد فرحنا بمجيئهم حيث تم إسكانهم بالقسم الداخلي. وقد انضم إلى هذه المجموعة بعض العراقيين الذين كانوا يدرسون على حسابهم الخاص. وكنا نقضي بعض أوقات الفراغ معهم وأحيانا نزورهم في الأماكن المخصصة لسكنهم فنستمتع بأحاديثهم ونكاتهم وكان قد أقبل الشتاء البارد فخفف هذا الدفء العاطفي من قسوة ذلك الطقس وشدته.
وكنت قد استأجرت غرفة خاصة لي وقد دفعت أجرة الغرفة وقسط المدرسة بما في ذلك تكاليف المعيشة بالليرات الذهبية العثمانية
(أذكر أني دفعت أجرة الغرفة لتسعة أشهر تسع ليرات ذهبية ولكني لا أذكر كم دفعت لقسط الدراسة والمعيشة). علما بأن العملة الورقية كانت متداولة في ذلك الوقت حيث بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان تشكل بنك اسمه "بنك سوريا ولبنان" ويتبع الحكومة الفرنسية وكان يعتبر بمثابة البنك المركزي وقد أصدر هذا البنك الليرة اللبنانية والليرة السورية ولم يكن بينهما فرق في السعر وأذكر أن الليرة الذهب كانت تساوي خمس ليرات لبنانية أو سورية. لكن المشاهد في ذلك الوقت أن الناس في سوريا ولبنان وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام على الاحتلال الفرنسي كانت تجري أكثر معاملاتهم بالليرة الذهبية وكانوا يقولون مثلاً اشتريت كذا وكذا بكذا ليرة عصملية أي عثمانية وأتذكر أني دفعت لصانع أحذية في برمانا بعد وصولي ليرة ذهب قيمة حذاء صنعه لي على القياس.
الجو العلمي والثقافي في المدرسة
إن نظام الدروس كان يتبع إلى حد ما النظام الإنجليزي مع بعض التعديلات التي تلائم المنطقة وكان من المشاهد وجود تعادل وثيق بين المدرسة وبين الجامعة الأمريكية في بيروت. فكثيراً ما يأتينا بعض أساتذة الجامعة لإلقاء بعض المحاضرات. وكانت لقاءاتنا مع الأساتذة مستمرة حيث معظمهم يسكن في مساكن قريبة من المدرسة. وكانت السيدة ديفيدسن واسمها الأول
PEARL لؤلؤة. تدعونا إلى بيتها بين حين وآخر لتناول الشاي معها ومع زوجها وكنا في تلك الفترة نخوض بأحاديث متشعبة كان القصد منها توسعة مداركنا وأتذكر كيف كانوا يحدثوننا عن تأسيس المجالس وطرق الانتخاب إلى غير ذلك من الأمور التي لها علاقة بحياة الفرد المتمدين اليومية. حيث كانوا يعتقدون أن الثقافة ليست دروسا تلقن في الصف فقط.
وكانت الدراسة في المدرسة مختلطة وتظهر بوضوح في الصفوف الابتدائية وكانت معنا بالصف بنت واحدة اسمها (ماري خوري) من أهل برمانا. ولكونها الوحيدة في الصف فقد كانت تشعر بشيىء من الحرج لا سيما عندما ينتقل الحديث بين الطلاب إلى النكات والمزح ولكن الجميع كانوا يحترمونها ولم تكن تخرج النكات والأحاديث عن مستوى اللياقة.
كما كانت هناك بعض المدرسات اللبنانيات لصفوف الأحداث. وفي إحدى زياراتنا إلى بيت ديفيدسن سمعت لأول مرة إذاعة خارجية من جهاز كبير يشبه البيانو وكان الصوت يأتي من أنقرة أو اسطنبول حيث كان الحديث والغناء باللغة التركية وكان ذلك في أوائل عام 1932.
وكانت عندنا سيدة لبنانية اسمها مدام قرطاس مسئولة عن قسم التغذية في المدرسة وقد اشتكينا لها مرة عن كثرة ما يقدم لنا في وجبات الغداء من الرز واللبن وطلبنا شيئا من التغيير. فقالت لنا ضاحكة بلهجتها اللبنانية المحببة ولو! نحن هون في لبنان إذا أردنا وصف شيء جميل قلنا انه مثل الرز مع اللبن!
وفي تلك الأيام حل شهر رمضان المبارك وأظن أن ذلك كان في شهر يناير (كانون الثاني) في ذلك العام وقررنا أن نصوم أنا وأحد الزملاء العراقيين واسمه هاشم الباجه جي من عائلات بغداد المعروفة وتقرر أن نذهب أنا وهو لمقابلة المدير الإنجليزي واسمه
NAISH ناش وعند اللقاء به أخبرناه برغبتنا بالصوم وطلبنا منه أن يخبر إدارة مطعم المدرسة بأن يهيئوا لنا وجبة الإفطار التي تحل قبل موعد تقديم العشاء الاعتيادي وكذلك فتح المطعم لنا وقت السحور. وأخذ الرجل يناقشنا في صعوبة الصوم بالنسبة لنا في ذلك الطقس البارد ثم قال لنا بأن الدين الإسلامي سمح للمسافر بالإفطار وأنتما في عداد المسافرين. وكنا نزداد اصراراً كلما أتانا بحجة، وأخيراً لما رأى من قوة عزمنا وإصرارنا وافق على إصدار تعليماته لإدارة المطعم وتم ما أردناه وبدأنا بالصوم أنا وصاحبي وفي تلك الأيام بدأت الثلوج تتساقط على الجبل وكنت لأول مرة في حياتي أرى فيها الثلج ينزل كالقطن المنفوش ويتراكم ويسد الطرقات والمسالك. وحسب ما سمعنا فان شتاء ذلك العام كان قاسيا وشديداً. أما نحن الاثنين فقد واصلنا الصيام وكنا نستيقظ في الساعة الثالثة صباحاً نتناول فيها السحور ثم ننتظر حتى وقت صلاة الفجر وفي تلك الأيام التي أشرت إليها باشتداد البرد لم نكن لنجد ماء للوضوء بسبب تجمد الماء في الحنفيات في حمامات المدرسة العامة حيث لم تكن هناك حمامات خاصة في الغرف ولذلك فكنا نستعين بالماء الموجود بالمطبخ من أجل الوضوء. وكنا ننام قليلا بعد صلاة الفجر وأحياناً لا ننام إذا كانت لدينا بعض الواجبات المدرسية التي تتطلب الإنجاز.
وهنا لا بد من سؤال وهو لماذا هذا الإصرار على الصوم في مثل هذه الظروف القاسية وان الدين يسر وليس عسرا، والجواب هو الآتي:
أولا: لقد كنت أنا والذين هم في جيلي نعيش في مجتمع تسوده الحياة المبسطة والقناعة بما قسم الله من وسائل العيش في ظروف صعبة قاسية ومع ذلك فقد كانت قلوب الناس عامرة بالإيمان والتمسك بشعائر الدين مما ساعد على استمرار قوة الاحتمال عند الناس في تلك الأيام.
ولن أنسى خلال فترة طفولتي أنه حل الشهر الفضيل في عز الصيف في ذلك العام ولم يكن في الكويت في تلك الأيام الخالية شييء من وسائل الراحة إلا ماء البئر الذي كنت أرى الوالدة ومن في البيت من الكبار يسكبونه فوق رؤوسهم وعلى ثيابهم لتخفيف وطأة الحر ومشقة الصوم. وسرعان ما تنشف الثياب المبللة من شدة الرياح الجافة كما كان الوالد رحمه الله يحرص في الأوقات المناسبة على أن يصحبني معه إلى المسجد القريب من بيتنا حتى انه من كثرة ترددي معه على المسجد لا سيما أيام الجمع حفظت الكثير من نصوص خطبة الجمعة التي كانت تتكرر معظم فقراتها كل جمعة تقريبا. كما كنت أحفظ ولازلت بعض الآيات القرآنية التي كان يتلوها الإمام أثناء الصلاة.
ومن عادة الوالد قراءة القرآن كل صباح بعد صلاة الفجر وكان يوقظني بعد ذلك وكنت اقرأ على يده بعض الآيات وأظل أقرأ حتى يأمرني بالتوقف وذلك عندما يحين موعد الإفطار، ثم بعد ذلك وقت المدرسة.
واستمر الحال بعد وفاة الوالد وتولي الأخ عبدالله أمر الوصاية علي وكان في أسلوبه مشابه لطريقة الوالد في تمسكه بشعائر الدين وقد بدأت الصوم في سن الرابعة عشرة وكنت أفطر خلسة إذا شعرت بالتعب أو العطش خشية الانتقاد واللوم.
لقد كان لهذه النشأة وهذا النمط من الحياة وفي ذلك الإطار من التربية الدينية أثره في أعماق النفس فظل القلب عامراً بنور الإيمان وان كان لا بد من الاعتراف من أجل الحقيقة بأني مررت بفترات كثيرة متقطعة كنت فيها مقصراً في تأدية الفرائض المطلوبة.
ثانيا: من المسلم به أن لكل عمل نتيجة وردة فعل قد تكون مجارية أو معاكسة لذلك العمل ولا شك أن أسلوب التبشير ومحاولة إقناع الناس بتغيير معتقداتهم الدينية ليس بالأمر السهل ولهذا فشلت الحملات التبشيرية في مهماتها لا سيما في المجتمعات الإسلامية وهذا ما كان واضحا في منطقتنا.
وكون هذه المعاهد العلمية لها أسلوبها وطابعها التبشيري ما كان منه ظاهراً أو باطناً. لذلك كان لزاماً أن تكون هناك ردة فعل تظهر بصورة من الصور. وكذا ما حدث لنا نحن الاثنين من تحول شعورنا الديني العفوي إلى ساحة التحدي والإصرار كلما حاول الطرف الآخر محاولة إقناعنا بالعدول عما كنا قد اتفقنا عليه.
ومن الإنصاف القول بأن تلك المعاهد لم تكن تركز نشاطاتها على التبشير بالدين المسيحي وهي التي تعرف مدى تمسك المسلمين من طلابها بدينهم واعتزازهم به، لهذا كانت لها أساليبها الأخرى في التحدث عن المفاهيم الأخلاقية والقيم الحضارية والإنسانية التي تشترك فيها معظم الأديان السماوية بما فيها الإسلام والمسيحية.
وبهذه المناسبة أذكر أن المستر ديفيدسن الذي اعتاد أن يلقي بعض الخطب والمواعظ الدينية في أيام الآحاد عند تجمع الطلاب في قاعة المحاضرات تطرق إلى موضوع التمسك بالمبادئ وأشار إلى موضوع إصرارنا على الصيام نحن الاثنين دون أن يذكر أسماءنا. وقال ما معناه انهمع اختلافه معنا في العقيدة فانه أكبر فينا الثبات والإصرار على المبدأ. وهذا نموذج من طريقة التعامل بالأسلوب الحسن والتي نادى بها الإسلام كما جاء في القرآن الكريم {وجادلهم بالتي هي أحسن}.
كذلك أود أن أشير هنا إلى الجامعة الأمريكية في بيروت التي تأسست في النصف الأول من القرن التاسع عشر بأموال جمعيات خيرية تبشيرية واستمرت كذلك ومع هذا فقد تخرج من تلك الجامعة نخبة لا يستهان بها من الشباب العربي المعتز والمتمسك بمعتقداته وقوميته في وقت كانت فيه معظم المعاهد في البلاد العربية عاجزة عن تخريج مثل أولئك الرجال الذين تولى الكثير منهم أعلى المراكز في بلادهم.
أم كلثوم في بيروت
وذهب الشتاء بثلجه وبرده وعواصفه وأقبل الربيع بطقسه المعتدل وسمائه الصافية. ونبتت الأعشاب والأزهار البرية المختلفة الأشكال والرائحة على الروابي وفي بطون الوديان. فإذا نزلت من الجبل باتجاه الساحل فاحت من حولك رائحة زهور البرتقال والليمون تملأ الأنوف بتلك الروائح المعطرة. وكنت في عطلة الأسبوع بين حين وآخر أنزل إلى بيروت لزيارة الأصدقاء في الجامعة الأمريكية وهناك علمت أن الآنسة أم كلثوم -كما كانت تسمى في تلك الأيام- ستحيي قريباً بعض الحفلات الغنائية في بيروت. واتفقت مع الأخ محمد سعيد النقيب ان هذه فرصة بالنسبة لنا لن تعوض ولا بد من حضور إحدى هذه الحفلات. وانتظرنا الموعد لإحدى تلك الحفلات وحضرناها وقد دفعنا ثمن كل بطاقة ليرة ذهب التي كانت تساوي خمس ليرات لبنانية في الدرجة الأولى. وكانت حفلة من حفلات العمر. فقد كانت أم كلثوم في عز شبابها تلبس ذلك اللباس المحتشم المؤلف من بالطو أسود طويل وغطاء أسود على رأسها يشبه نوع العصابة أو العمامة يخفي كل شعر رأسها ويظهر وجهها الأسمر المستدير وتمت الحفلة في ملهى الكت كات في حي الزيتونة وكانت تصحبها فرقة من العازفين لا يزيد عددهم على أصابع اليد. كما كانت أم كلثوم تجلس على المسرح قبل بدء الغناء على كرسي متواضع وخلفها فرقة العزف وجلس معهم أخوها خالد الذي كان يلازمها في تنقلاتها في تلك الأيام وأظنه كان أيضاً يتولى إدارة شئونها المالية.
وانطلق صوت أم كلثوم وانطلقت معه هتافات الحضور الذين ملأوا تلك القاعة. وغنت بعض أغانيها المشهورة مثل وحقك أنت المني والطلب وأفديه إن حفظ الهوى أو ضيعه وفي أثناء الاستراحة انطلقت الأصوات في بعض المقاعد الخلفية تطلب أغنية (خاصمتني) وكانت ليلة ليلاء كما يقول المثل.
كذلك في تلك السنة شاهدت أول فيلم ناطق باللغة العربية تمثيل الممثلة المصرية عزيزة أمير بالاشتراك مع ممثلين أتراك حيث أخذت بعض مناظر الفيلم في اسطنبول. وجرى عرض الفيلم في سينما التياترو الكبير في منطقة العازارية.
لمحة مختصرة عن الحكم الفرنسي
في سوريا ولبنان
استباحت فرنسا احتلال لبنان وبعده سوريا بعد هزيمة الدولة العثمانية وبموجب المعاهدة السرية التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام 1916 والتي سميت بمعاهدة سايكس-بيكو التي أشرنا إليها في مناسبة سابقة وقد فرضت فرنسا على كل من البلدين نوعا من الاحتلال العسكري ولو أنها سمته (انتداب) وعينت في كل من البلدين مندوبا ساميا يعتبر هو رأس الدولة وكونت في كلا البلدين حكومات شكلية هزيلة تأتمر بأمرها
(راجع كتاب "يقظة العرب" للمؤلف الفلسطيني جورج انطونيوس المترجم عن الإنجليزية).
وكانت تعتمد فرنسا في غالبية جنودها في هذا الاحتلال على الجنود السود في مستعمراتها الأفريقية خاصة مستعمرة السنغال حيث كنت ترى أولئك الجنود وقوفاً كالأصنام شاكي السلاح الأبيض فوق بنادقهم وهم يحرسون الأماكن العامة في البلاد. فكان منظرهم يثير الرعب ولكنه بنفس الوقت يثير الطمأنينة في النفوس حيث كان الأمن مستتبا في جميع أنحاء البلاد وكانت للقوانين حرمتها وهذا ما بدأ يفقده لبنان شيئا فشيئاً منذ بداية الحكم الوطني عام 1943 وما الحوادث التي وقعت في السبعينات إلا نتيجة لذلك الانفلات والاستهانة بالقوانين والتي دفع ثمنها مضاعفاً الشعب اللبناني ولازال.
وأي إنسان عرف لبنان وعاش في ربوعه فترة من الوقت يتفطر قلبه حزنا وأسى لما حل بهذا البلد الجميل والعزيز بصورة خاصة على قلب كل عربي ويسأله تعالى أن يزيل عنه هذه الغمة السوداء لكي يعود لبنان إلى أيامه المشرقة وليستأنف دوره الحضاري الذي اشتهر به منذ أقدم العصور.
السنة الدراسية 1931-1932 تقترب من نهايتها
قاربت السنة الدراسية من نهايتها وبدأ الطلبة يضاعفون أوقات دراستهم وتأجلت العاب كرة القدم وغيرها من الألعاب الرياضية باستثناء لعبة التنس التي كنا نزاولها ترويحا للنفس وترويضا للجسم ولم ننقطع عنها وتقرر أن تبدأ الامتحانات مع بداية الأسبوع الأول من شهر حزيران (يونيو